تفاصيل الخبر

باريس "المرتاحة" بحذر لتشكيل الحكومة ترحب بميقاتي وتنتظر خطوات تتجاوب مع مبادرة "ماكرون"

22/09/2021
الرئيس الفرنسي "ايمانويل  ماكرون" مع القيادات اللبنانية في قصر الصنوبر في العام الماضي.

الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" مع القيادات اللبنانية في قصر الصنوبر في العام الماضي.

 

على الرغم من أن الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" تصدر رؤساء الدول الأجنبية الذين هنأوا بولادة الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، بل يكاد يكون الوحيد من الرؤساء الذي خص ميقاتي بالتهنئة الاسمية، إلا أن المعطيات التي توافرت من مصادر ديبلوماسية أوروبية أشارت الى أن باريس كانت تأمل أن تكون تركيبة الحكومة اكثر تجاوباً مع المواصفات التي كان حددها الرئيس "ماكرون" في لقائه مع القادة السياسيين في قصر الصنوبر في الأول من أيلول (سبتمبر) من العام الماضي. صحيح أن الفرنسيين واكبوا عملية التأليف بكل فصولها، ودخلوا احياناً في مواصفات الوزراء المقترحين وسيرهم الذاتية، لكن الصحيح ايضاً أن الفريق الرئاسي الفرنسي الذي كان على تواصل دائم مع الرئيس ميقاتي خلال فترة التأليف كان يرغب في أن يتجاوب معه الرئيس المكلف لجهة تسمية وزير او وزيرين من اختيار الفرنسيين نظراً للعلاقات القائمة معهم من جهة، ولرغبة فرنسية في ان يكون لباريس "الحضور المباشر" في التركيبة الحكومية. والاسمان اللذان رغب الفرنسيون في توزيرهما كانا جو صدي وجوزف مايلا والذي كان الرئيس سعد الحريري ادرجهما في التشكيلة التي قدمها الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل ان يعتذر عن عدم التأليف.

 

في هذا السياق، تقول المصادر الديبلوماسية ان فريق الرئيس "ماكرون" سعى بقوة لتوزير احد الاثنين، صدي او مايلا، ولقي تجاوباً من الرئيس ميقاتي لاسيما بالنسبة الى اسم صدي الذي كان سيوكل اليه اما حقيبة الطاقة والمياه او نيابة رئاسة الحكومة ليتولى رئاسة اللجان التي ستتفاوض مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والهيئات المالية المانحة. وقد عرف الفرنسيون ان الاعتراض على توزير صدي اتى من الرئيس عون ورئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، على رغم ان الاخير كان على تواصل دائم مع الجانب الفرنسي في المرحلة الاخيرة من مسار تشكيل الحكومة، وكان لموقف الرئيس عون صدى سلبياً لدى الفرنسيين الذين كانوا يأملون ان يتجاوب الرئيس اللبناني مع رغبة "صديقه" الرئيس ماكرون، وهذا ما يفسر انقطاع الاتصالات بين بعبدا والاليزيه قبل تشكيل الحكومة وبعدها حتى انه لم يصدر عن قصر بعبدا اي معلومات عن مصير الرسالة التي وجهها الرئيس عون الى الرئيس "ماكرون" خلال مسار تشكيل الحكومة برئاسة الرئيس الحريري اذ لم يعلن ما اذا كان الرئيس الفرنسي اجاب على هذه الرسالة ام لم يفعل، ولم يعد سراً ان الرئيس الحريري ساهم في تراجع العلاقة بين عون و"ماكرون" من خلال المعطيات التي كان ينقلها اما مباشرة الى الرئيس الفرنسي او الى فريق عمله عن "العراقيل" التي وضعها عون وباسيل في طريقه خلال عمله على تشكيل الحكومة ما دفعه في النهاية الى الاعتذار عن عدم التأليف.


أين مبادرة "ماكرون"؟


الا ان "قطوع" التشكيل عبر مع الرئيس ميقاتي الى النهاية ما ترك ارتياحاً لدى الفرنسيين وان لم يكن بين الوزراء، لا جو صدي ولا جوزيف مايلا، انما في صفوف الوزراء من يحمل الجنسية الفرنسية، واحدهم وزير الزراعة عباس الحاج حسن عمل صحافياً في محطة "فرانس 24" التي تملكها الدولة الفرنسية وتشرف على سياستها مباشرة خلية تتمركز في الايليزيه تحت نظر احد ابرز معاوني "ماكرون" السفير "باتريك دوريل" . ويعود الارتياح الفرنسي الحذر الى كون فرنسا، ومعها عدد من الدول الاوروبية كانت قد فقدت الامل من تشكيل حكومة وفق مواصفاتها وباتت تنتظر الانتخابات النيابية المقبلة لعلها تغير الطاقم السياسي الذي يتحكم بالبلد. وكان اول من اعرب عن هذا الاتجاه وزير الخارجية الفرنسية "جان- ايف لودريان" خلال زيارته للبنان في الربيع الماضي حين رفض البحث في الملف الحكومي خلال لقائه مع المسؤولين اللبنانيين. ومذ ذاك باتت باريس تعتبر انه لم يعد ممكنا التعامل مع هذه الطبقة السياسية غير المسؤولة ووضعت آمالها في المجتمع المدني الذي يطالب بالتغيير، حتى انها هددت اخيرا بتطبيق العقوبات على المعطلين مهما علا شأنهم في حال عدم التجاوب مع المطالب الدولية. فالمبادرة الفرنسية التي اطلقها الرئيس ماكرون قبل 13 شهرا وموافقة اللاعبين السياسيين اللبنانيين على "حكومة مهمة" تقوم بتنفيذ الاصلاحات الهيكلية مقابل الحصول على مساعدات بمليارات الدولارات من المجتمع الدولي، اطاحها السياسيون الذين وافقوا عليها ووعدوا الرئيس الفرنسي بتنفيذها، لكنهم لم يفسحوا لها المجال للاستمرار، فالتعطيل المبرمج والشلل المؤسساتي اديا الى مأزق سياسي، وتفاقمت الازمة المالية والاقتصادية مهددة البلد بالانهيار. وتقول المصادر الديبلوماسية ان الطرفين المتحكمين بالدولة اخرجا المبادرة الفرنسية من التداول وانهيا مفعولها، اذ حولا الدور الفرنسي من تمنيات لتطبيق برنامج اصلاحي ينهض بالبلد الى حرص على مساعدة لبنان لتخوف باريس من انفجار داخلي يطيح البلد. وتضيف ان لبنان يواجه العديد من المشاكل السياسية والاجتماعية والمالية، فالازمات تتوالى ولا حل في الاجل المنظور، نتيجة الصراع الاقليمي الذي ترك تداعياته على لبنان بفعل تنامي النفوذ الايراني من خلال تمدد حزب الله ودوره الاقليمي في الجوار اللبناني.


المساعدات رهن الإصلاحات


ويبدو ان باريس، ومعها عواصم اوروبية اخرى، تجاوزت كل الاعتبارات ورحبت بتشكيل الحكومة الجديدة، ووجه "ماكرون" دعوة للرئيس ميقاتي لزيارة باريس يوم الجمعة وتناول الغداء الى مائدته، للتأكيد مجدداً ان المساعدات ستكون مشروطة باجراء الاصلاحات الهيكلية المنشودة منذ مؤتمر "سيدر" ومعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور، اي ان هذه الدول ورغم تشكيل حكومة ما زالت تعتبر انه لا يمكن اعطاء هذه الطبقة السياسية "شيكاً على بياض" بعدما شهدت المحاصصة في تشكيل الحكومة. وفي هذا السياق تقول المصادر الديبلوماسية ان الدول الصديقة للبنان ستتوقف عند برنامج الحكومة الذي من المفترض ان يؤمن التفاوض مع صندوق النقد الدولي، والمهمة اضحت اسهل بعدما ادى الواقع الاليم الذي يعيشه البلد الى تطبيق اهم البنود الاصلاحية في برنامج الصندوق من دون موافقة الحكومة او المجلس، ووضع برنامج اصلاحي شفاف يتجاوز الخلافات والانتقال الى العمل معاً والتعاون بين فريق الحكم لانجاح مهمة الحكومة لانقاذ لبنان بالدرجة الاولى، واجراء الانتخابات النيابية والبلدية كما وعد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في اول اطلالة له على الاعلام بعد تشكيل الحكومة، لأن هذه الانتخابات يمكنها ان تشكل باب التغيير المرجو. كما ان هذه الدول التي تسعى الى اعادة التقارب بين لبنان والدول العربية ستراقب اهمية تصحيح الاوضاع بين لبنان وهذه الدول، وبالاخص الدول الخليجية التي يمكنها ان تقدم المساعدات الضرورية للبنان. وتساءلت هذه المصادر هل يمكن ان تشكل حكومة الرئيس ميقاتي هذه المرجعية التي يمكن ان يتعامل معها المجتمع الدولي بعدما رفض التعاون مع الحكومة السابقة واحجم عن قيامه بتقديم المساعدات لعدم اعتباره وجود مرجعية يمكن التعامل معها وغياب الدولة اللبنانية الموثوق بها وبشفافيتها؟ وهل ستتمكن الحكومة من استعادة السلطة المفقودة التي ينتظرها المجتمع الدولي لتأمين المساعدات الى لبنان من خلال استعادتها الثقة المفقودة بين المواطن والدولة المغيبة؟ 

تقول مراجع حكومية لبنانية ان الرئيس ميقاتي كان ينتظر دعوة "ماكرون" له بعد نيل الحكومة الثقة، للتأكيد على رغبته في التجاوب مع الرغبة الفرنسية والاوروبية في ان تعمل حكومته على تحقيق ما يتطلع اليها المجتمع الدولي من انجازات انطلاقاً من المبادرة الفرنسية التي وان لم تحترم بتفاصيلها، الا ان حكومة ميقاتي ستثبت انها تأخذ مندرجات هذه المبادرة بعين الاعتبار، خصوصاً ان ثمة من قال للرئيس ميقاتي ان باريس تراهن عليه ليشكل الرافعة السياسية لاعادة الاعتبار الى هذه المبادرة خصوصاً ان تأييدها بقي الى حد كبير محصوراً بثقة المجتمع الدولي به، ومن خلاله، باختياره  لفريق العمل الذي اختاره للتفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي باشر اجتماعاته برعايته مباشرة، ولا يعوزه الانسجام والتضامن، كون هذا الفريق هو بمثابة "رافعة " للضغط باتجاه استعادة الثقة الدولية بلبنان، شرط ان يستعيد ثقة اللبنانيين بدولتهم.

واعتبرت المراجع ان المبادرة الفرنسية تدخل حالياً في مرحلة الاختبار الجدي بعد اقرار البيان الوزاري للحكومة ونيلها الثقة للتأكد مما اذا كانت قائمة بمفعول رجعي بعد ان مضي على اطلاقها من قبل "ماكرون" اكثر من عام، وتحديدا في زيارته الثانية لبيروت فور الانفجار الكارثي الذي استهدف المرفأ، ام انها اخذت تتهاوى، ولم يعد من هم لباريس سوى حفظ ماء الوجه بتشكيل حكومة بأي ثمن، رغم انها تضم عددا من الوزراء من "الوزن الثقيل" في مقارنتهم مع زملائهم الاخرين الذين يعوزهم الاختصاص في الحقائب الوزارية التي اسندت اليهم، وبالتالي التعويض عن اي تقصير. ولفتت الى انه لا مشكلة في التأييد المصري للحكومة وتوفير كل الدعم لها فيما تتريث معظم دول الخليج العربي في تحديد موقفها، وهذا ما يعمل لاجله ميقاتي باصراره على اعادة ترميم العلاقات اللبنانية – العربية.

الرئيس نجيب ميقاتي مع السفيرة الفرنسية "آن غريو".

الرئيس نجيب ميقاتي مع السفيرة الفرنسية "آن غريو".