تفاصيل الخبر

الفيول الإيراني في لبنان.. نعمة أم نقمة؟

بقلم علي الحسيني
22/09/2021
باخرة النفط الإيرانية في مرفأ بانياس السوري.

باخرة النفط الإيرانية في مرفأ بانياس السوري.


 انطلاقاً من تغريدة لرئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط حول قوافل النفط الإيرانية والعراقية التي وصلت إلى لبنان في الأسبوع الماضي، وقوله "كثر المحبّون إلى درجة قد نصبح فيها بلداً مصدِّراً للنفط دون ترسيم حدود ودون تنقيب لا شمالاً ولا جنوباً ولا بحراً ولا براً"، يُمكن الدخول إلى الانقسام اللبناني الحاصل حول النفط الإيراني إلى لبنان العابر للعقوبات الاقتصادية على إيران، ولمخاوف اللبنانيين من خطوات دولية تُعيد إدراج بلدهم، على لائحة الدول الممنوعة من المساعدات وبالتالي تحوّله إلى "لعبة" تجاذب خارجيّة ومحليّة، ضمن الصراع القائم في المنطقة، ممّا سيدفعه حتماً، لأن يُصبح بـ"الفطرة"، مُنساقاً لأحد المحاور المتصارعة على أرضه.

يوم حذر نصرالله من مرحلة اليأس

"إذا وصلنا الى مرحلة يأس وأن الدولة لن تتحرك، فنحن في حزب الله سنتفاوض مع الحكومة الإيرانية ونشتري بواخر بنزين ومازوت، ونستقدمها إلى ميناء بيروت، "وخلّي الدولة اللبنانية" تمنع إدخال المازوت والبنزين إلى الشعب اللبناني فمشهد الإذلال هذا لا نستطيع أن نتحمّله لناسنا وشعبنا". بعد مضي نحو ثلاثة أشهر على هذا الكلام الذي أطلقه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في إحدى المناسبات، وقفت الدولة اللبنانية بكل أحزابها وسياسييها، عاجزة حتى عن الإدلاء ولو بموقف صغير، يُعيد للدولة اعتبارها في موضوع إدخال الفيول الإيراني إلى لبنان، وبطريقةٍ لم تخضع لأدنى معايير الاحترام لهذه الدولة ومؤسساتها.

 هذا السكوت الذي مارسته الدولة اللبنانية التي امتنعت عن إصدارموقف يتعلّق بكيفيّة دخول الفيول إلى لبنان، تصفه جهات مُقرّبة من "الحزب"، بـ"الصمت المُحقّ"، في ضوء العجز التام الذي يُحيط بها لجهة تأمين أدنى متطلّبات شعبها من مازوت وبنزين خصوصاً وأننا على أبواب الشتاء وأمام عام دراسي، يحتاج فيهما اللبناني إلى مادتي البنزين والمازوت للتنقل والتدفئة. ولذلك، بدل أن يتوجه البعضُ بالشكر إلى "حزب الله"، الذي يُحاول التعويض في بعض الأمور الأساسية للحياة في لبنان، بعدما تقاعدت الدولة بكل مؤسساتها عن عملها، وتفرّغ الزعماء لتحصيل مكاسب سياسية، إذ بهم يتناسون مشاهد الإذلال بحق المواطن ويُصوّبون سهامهم على من يُحاول رفع الحرمان عن أبناء وطنه، وذلك على قاعدة "عنزة ولو طارت".

 وتُشير المصادر نفسها، إلى أن منع إيران أو غيرها من الدول من مساعدة لبنان بطرق متعددة غير مشروطة كما تفعل أميركا وبعض الدول الأوروبية والعربية، هو استمرارٌ في عرقلة عودة الحياة الطبيعية الى هذا البلد، وإمعانٌ في نهج التسلّط والتحكّم به، ونوعٌ من فرض الوصاية بحقه، ومنعه من إقامة علاقات طبيعة مع الدول المُحيطة. من هنا، فإن كل التحذيرات بفرض عقوبات على لبنان في حال القبول بالمساعدات الإيرانية، هدفها إراحة إسرائيل وطمأنتها في أمنها واستقرارها، وأكبر دليل على ذلك، يتمثل بنوعية المساعدات العسكريّة التي تُقدمها هذه الدول للجيش اللبناني، والبعيدة كل البعد عن تثبيت قوة ردع أو توازن، في مواجهة التهديدات الإسرائيلية المُستمرة منذ الثمانينات.

المساعدات الملغومة!

مقابل هذه الآراء، ترى جهات مُعارضة لأي مُساعدة "ملغومة" للبنان يُمكن ان تُدخله ضمن حلقة الاستهداف الاقتصادي، أن دخول الفيول الإيراني إلى لبنان، يندرج ضمن خطّة تُتيح لطهران استكمال سيطرتها على جزءٍ مهم جداً من القطاع الاقتصادي في لبنان وهو القطاع النفطي، مما يُتيح لها لاحقاً، فرض شروطها بالطرق التي تخدم مشروع سيطرتها الاقتصادية على لبنان، ذلك أن خطوة البواخر هذه، سوف تلحقها خطوات أخرى تتعلّق بالأسواق الغذائية وبالميدان الصحيّ، ولاحقاً بالقطاع الصناعي، إلى أن نصبح مرهونين كليّاً، لنمط الحياة التي ترسمها لنا إيران.

وبحسب الجهات نفسها، فإن مسألة إدخال الفيول بكل مشتقاته إلى لبنان، تخضع لآليات قانونية وتنظيمية وقرارات ومراسيم واضحة المعايير. لذلك هي ليست مسألة اعتباطية يقوم بها أي طرف لأنها عادة تكون مبنية على دراسات للتأكد من جودتها وتصنيفها وبالتالي فإن هذا الأمر يتعلق بالدولة التي غُيّبت عن الاتفاق أو المفاوضات بينها وبين الدولة الإيرانية لمصلحة الأحزاب. والمسألة الأبرز، أن هذا النفط دخل لبنان عبر مرافق غير شرعية، من هنا فإن تشريع هذا الواقع، يفتح الباب أمام تثبيت شريعة الغاب، فضلاً عن أنها مسألة استعراضية ولا تفي بالمطلوب، لأن الكميّات التي أُدخلت إلى لبنان، لن تكفيه سوى لمدة أيام قليلة.

انعكاسات دخول النفط الإيراني

على الرغم من أن الباخرة الأولى الإيرانية التي نقلت مادة المازوت ستفك أزمة بعض المستشفيات وبعض المرافق الحيوية، التي هي مقطوعة كلياً من المازوت وبالتالي ستفك أزمة واقعية، إلا انها بطبيعة الحال، لن تكفي كل السوق اللبناني لأن هناك أكثر من 360 باخرة تقريباً تأتي إلى لبنان سنوياً، لذلك فإن وتيرة قدوم البواخر يجب أن تكون أكبر بكثير مما هو مُعلن عنه بالنسبة إلى البواخر الإيرانية، لكي تلبي حاجة السوق الداخلي.

أمّا في ما يتعلّق بالانعكاسات الاقتصادية والسياسية على لبنان، تُشير مصادر واسعة الاطلاع إلى أن الجميع يعلم بوجود عقوبات على النفط الإيراني، كما نعلم أن هناك "قبة باط" إلى حد معين مهدّت بأن تدخل الباخرة إلى المنطقة، ولكن السؤال الأساسي على وتيرة وصول البواخر لأنه تم الإعلان عن الباخرة الثانية وبعدها باخرة ثالثة، والسؤال هل سيكون هناك رد فعل أميركي على هذا الأمر، لذلك فإن الوقت كفيل بالرد عن هذا السؤال. كما لا يجب أن ننسى أن عمليات التهريب المنظمة لمادتي المازوت والبنزين من لبنان إلى سوريا، أفقدنا بوصلة معرفة حاجة السوق اللبناني للمادتين خصوصاً أن النشاط الاقتصادي في لبنان متدنٍ جداً يعني أقرب إلى الجمود.

أمّا في المعنى السياسي للقضية، تكمن أهمية ما جرى في أن هذا القرار الذي اتخذ كسر أي محاولة لمنع وصول البنزين والمازوت إلى لبنان تحت عنوان العقوبات أو بسبب إعطاء هذه العملية بعداً سياسياً من قبل بعض الأطراف. من هنا يُشير المحلل السياسي قاسم قصير، إلى انه بمجرد وصول هذه الكميات على الرغم أنها ليست بكميات كبيرة بحجم حاجات السوق إلا أن هذا يعني أنه إمكانية تخفيف الضغط على لبنان من بعض النواحي وتأمين بعض الحاجات الإنسانية خصوصاً للمستشفيات والمصانع ومحطات الكهرباء والهاتف.

وأوضح قصير أنه منذ أن اتخذ هذا القرار بدأت الإدارة الأميركية بالتحرك من أجل تأمين بدائل للبنان سواء بالنسبة للكهرباء أو بالنسبة للغاز أو غير ذلك، من هنا أهمية ما جرى على أمل أن تعالج الأزمة ولا نحتاج لهذا الأسلوب الآخر وتعود الأمور إلى طبيعتها في لبنان.

الصهاريج الإيرانية تعبر البقاع.

الصهاريج الإيرانية تعبر البقاع.

السيد حسن نصر الله والتحدي الأقوى.

السيد حسن نصر الله والتحدي الأقوى.

المحلل السياسي قاسم قصير: النفط كسر الحصار.

المحلل السياسي قاسم قصير: النفط كسر الحصار.