تفاصيل الخبر

حكومة ميقاتي ولدت بتفاهم فرنسي - إيراني وتغاضٍ أميركي: محاصصة رئاسية وحزبية... وثلث معطل مقنع !

16/09/2021
الحكومة الجديدة يتوسطها الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي.

الحكومة الجديدة يتوسطها الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي.


لم يكن مستغرباً أن يهنىء الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" بتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، كما لم يكن مستغرباً أن يخص الرئيس الفرنسي، الرئيس ميقاتي بالتحية والتهنئة من دون غيره من المسؤولين اللبنانيين الذين عملوا على تحقيق ولادة الحكومة، ذلك أن الرئيس "ماكرون" كان أحد أبرز طباخي الحكومة والذي وضع كل "ثقله" من أجل الوصول الى نهاية سعيدة لمخاض الولادة الحكومية بعد أكثر من شهر على محاولة الرئيس ميقاتي تدوير الزوايا لتأمين صدور التشكيلة الحكومية المنتظرة. ولعل أبرز ما أنجزه الرئيس "ماكرون" في هذا السياق هو الاتصال الذي أجراه مع الرئيس الإيراني السيد إبراهيم رئيسي والذي تناول فيه، من جملة المواضيع التي تهم البلدين، الملف اللبناني، علماً أن المصادر المتابعة لعملية التشكيل أشارت الى أنه أعقب الاتصال بين "ماكرون" ورئيسي، دخول مباشر من حزب الله على خط الاتصالات التي كانت جارية محلياً لانجاز تشكيل الحكومة. كذلك يربط أحد قياديي "8 آذار" بين السرعة التي حصلت في مسار التأليف، وبين مسار البواخر الايرانية التي بدأت بالوصول تباعاً الى مرفأ بانياس السوري محملة بالمازوت والبنزين نتيجة اتفاق بين القيادة الايرانية وحزب الله للمساهمة في التخفيف من حدة الأزمة التي يعاني منها لبنان نتيجة النقص في المحروقات.

وفي رأي هذا القيادي أن الضوء الأخضر أعطي أميركياً مع عبور الحكومة الى بر الأمان بالتنسيق مع الفرنسيين الذين كان لهم دور تنفيذي مباشر في إتمام ولادتها. ويعتبر القيادي إياه أن وهج البواخر أفضى الى مرونة مستجدة لدى الأميركيين سياسياً واقتصادياً لتفادي تسرب البلد برمته الى قبضة الشرق عبر بوابة ايران و"حزب الله" اذا اكتشفت واشنطن أن لبنان، وبعدما كان جزءاً منه على الاقل يقع تحت نفوذها، قد يصبح كله عند خصومها اذا استمرت في المواجهة بالوتيرة القصوى، خصوصاً أن هؤلاء نجحوا في تحويل التهديد فرصة عبر طلائع النفط الايراني الذي وجد قبولاً حتى عند شرائح شعبية غير مؤيدة تقليدياً لمحور المقاومة، تحت وطأة تفاقم ازمة الشح في البنزين والمازوت. وضمن هذا السياق ايضاً، يلفت القيادي البارز الى ان مفاعيل سفن المحروقات الايرانية اعطت قوى دفع للمسعى الفرنسي الذي كان متعثراً منذ وقت طويل، وسمحت بنجاحه بعدما حصل على دعم اميركي قوي تحت تأثير الحسابات المستجدة.

ثلث الوزراء من غير الاختصاصيين...

وفي انتظار أن يتبلور البعد العربي في التأثير على ولادة الحكومة لاسيما وأن المملكة العربية السعودية لم تعلق على الحدث الحكومي ولا سفيرها في بيروت وليد البخاري "غرد" على حسابه الخاص على "تويتر" كما يفعل دائماً، تبقى سلسلة اسئلة حول ما اذا كانت حكومة ميقاتي جسدت إرادة الرئيس "ماكرون" والمواصفات التي حددها في لقائه مع القيادات اللبنانية من الاول من ايلول (سبتمبر) 2020 في قصر الصنوبر، حتى "يقاتل" من اجل الاسراع في تشكيلها. طبعاً الاجوبة على هذه الاسئلة ليست صعبة لأن واقع التركيبة الميقاتية يحمل "الايضاحات" اللازمة. اولها ان "ماكرون" الذي طالب بحكومة "اختصاصيين" لم يكن التجاوب مع مطلبه كاملاً، بدليل ان صفة الاختصاص لم تراع اذ جيء بعميد سابق لكلية الاعلام وزيراً للشباب والرياضة، وبناشط اجتماعي ورياضي وزيراً للمهجرين وبديبلوماسية عريقة وناجحة وزيرة للتنمية الادارية، وبصاحب معمل للدهانات وزيراً للاتصالات، وبقاض وزيراً للثقافة، وباعلامي تلفزيوني وزيراً للزراعة، وبمجاز في علوم تكنولوجيا الاتصالات والالكترونيات والاتصالات الضوئية وزيراً للاشغال العامة والنقل. صحيح ان ثمة وزراء آخرين من ذوي الاختصاص، الا انه من اللافت ان ثلث اعضاء الحكومة من غير الاختصاصيين...


... ومن ممثلي السياسيين

كذلك أوصى"ماكرون" بأن يكون الوزراء من المستقلين، اي الا تسميهم الاحزاب والكتل النيابية، في حين ان الواقع عكس ذلك، اذ توزع الوزراء الـــ 23 على الكتل النيابية مباشرة وليس مداورة، اضافة الى حصة رئيس الجمهورية الذي شاركه في تسمية الوزراء فيها، رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل الذي قاد بوضوح وبشكل مباشر، مفاوضات الايام الاخيرة التي افضت الى التأليف على رغم اعلانه انه "لن يتدخل" في تشكيل الحكومة، لكنه في الواقع عمل مع صهر شقيق الرئيس ميقاتي، السيد طه ميقاتي، القنصل الفخري في موناكو مصطفى الصلح على وضع التركيبة الجديدة في جلسات ثنائية كانت تمتد حتى ساعات الفجر الاولى وتنقلت بين اللقلوق والبياضة والبترون حيث منازل باسيل. وهكذا توزع الوزراء وفق قاعدة المحاصصة، مثال رئيس الجمهورية رسمياً 6 وزراء يضاف اليهم الوزير الأرمني والوزير الذي مثل النائب طلال ارسلان، ونال الرئيس ميقاتي ثلاثة وزراء، والرئيس سعد الحريري وزيرين، والثنائي الشيعي خمسة وزراء وتيار "المردة" وزيرين وحزب الطاشناق وزيراً واحداً، ووليد جنبلاط وزيراً واحداً والحزب القومي واحداً مع اثنين "مستقلين" بالاسم لكن احدهما يصب في خانة الرئيس عون (يصبح العدد الفعلي 9 وزراء وليس ثمانية في الحصة الرئاسية) فيما يصب الثاني في خانة الرئيس نبيه بري الذي جيره ليكون من حصة الرئيس ميقاتي..... وهكذا يتضح بما لا يقبل الشك ان صفة "المستقلين غير الحزبيين" سقطت هي ايضاً ولن يكون في مقدور الرئيس "ماكرون" القول إن طلبه استجيب، فالحكومة الميقاتية شكلت كما التقليد منذ ما بعد الطائف اي محاصصة ظاهرة وانتماء حزبي تارة ظاهر وتارة اخرى مقنع، مثل الثلث المعطل المقنع الذي اعطي عملياً لكل من الرئيس عون والرئيس بري والرئيس ميقاتي بفعل تحالفات كل من الرؤساء الثلاثة.

قد يكون اصبح من الماضي الدخول في التفاصيل التي رافقت تشكيل الحكومة، وبعضها ممل، الا ان الاكيد ان "حكومة الأمل والعمل" كما اطلق عليها وزير الاعلام جورج قرداحي هذا التوصيف، انطلقت بسرعة في إعداد البيان الوزاري. ولن ينتهي الاسبوع المقبل الا وتكون نالت الثقة بنحو 90  صوتاً نيابياً لأن نواب "تكتل لبنان القوي" سوف يعطون الثقة على رغم "مناورات" رئيس التكتل، لاسباب عدة، ابرزها وجود وزراء سماهم هو، فضلاً عن تضمين البيان الوزاري مطالب كان حددها رئيس الجمهورية وكررها التكتل في بيانه يوم الثلاثاء الماضي، علماً ان ما من حكومة شكلت منذ الاستقلال حتى اليوم، ومنه مرحلة ما بعد الطائف، إلا ونالت الثقة في مجلس النواب، فكيف اذا كانت تركيبتها كتلك التي صدرت مراسيمها يوم الجمعة الماضي!.

ميقاتي أمام التحدي

ومع ان الولادة الحكومية بعد احتباس حصلت بفعل تقاطع داخلي - خارجي كما اشرنا سابقاً تتفاوت القراءات حوله، ومع ان القوى السياسية هي التي اختارت الوزراء، الا ان ميقاتي يفضل ان يتصرف على اساس انه يترأس حكومة تكنوقراط "دايت" خفيفة الدسم السياسي، وان حصته لا تنحصر في الوزراء السنة، بل تضم كل الاعضاء ربطاً بموقعه الدستوري وصلاحياته. بطبيعة الحال، يتمنى ميقاتي ان يكون مجلس الوزراء كناية عن فريق عمل متجانس التي سادت في كثير من الحكومات السابقة، مفترضاً ان تحديات الانهيار الكبير ستفرض على المكونات الداخلية تعاملاً مختلفاً يحاذر اعتماد سياسة التعطيل والمناكفات التي كانت دارجة في المرحلة السابقة. من حيث المبدأ يصح القول انه لم يعد هناك من مكان لترف النكايات والمهاترات فوق انقاض البلد المنهك، لكن ذلك لا يمنع ان تماسك الحكومة سيكون تحت الاختبار، وبالذخيرة الحية، حين يبدأ الجد في مواجهة الاستحقاقات المقبلة، خصوصاً عندما ينطلق التفاوض مجدداً مع صندوق النقد الدولي الذي تتباين الآراء الداخلية حيال الطريقة الانسب للتعاطي مع طلباته في مقابل المساعدات المرتقبة.

وفي هذا السياق، يدرك ميقاتي ان التحدي الذي تطوع لمقارعته صعب جداً، وان مهمته الفدائية لا تتحمل القسمة على اثنين، فإما ان ينجح في لجم الانهيار وإما ان يدفع ثمنه غالياً، على مسافة اشهر من الانتخابات النيابية، ويفترض ميقاتي ان اللقاح الاهم الذي يمكنه تحصين مناعة حكومته يكمن في تحييدها عن التجاذبات والاشكاليات السياسية حتىى تتفرغ لمعالجة الهموم الاقتصادية والمعيشية، التي باتت تشكل قاسماً مشتركاً بين اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم. وبهذا المعنى، فإن الحكومة ستتحول بحكم الواقع "هيئة عليا للاغاثة" وسيكفيها فخراً ان تنجح في تثبيت سعر الصرف عند سقف مقبول، وتأمين المحروقات والدواء، وزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي، ومكافحة احتكار المواد الحيوية، بعدما انخفض منسوب الطموح لدى اللبنانيين المقهورين الى مستوى البديهيات.

في اي حال، اصبح للبنان حكومة يتوزع الوزراء الـــ 23 فيها على النحو الآتي:

  • المقربون من رئيس الجمهورية ومن "التيار الوطني الحر" هم: وزير الدفاع موريس سليم، وزير الخارجية عبد الله بو حبيب، وزير العدل هنري خوري، وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار، وزير الطاقة وليد فياض، وزير السياحة وليد نصار، يضاف اليهم وزير شؤون المهجرين عصام شرف الدين، المنتمي الى الحزب الديموقراطي برئاسة ارسلان، ووزير الصناعة جورج بوشكيان المنتمي الى حزب الطاشناق.

  • الحصة الميقاتية – الحريرية، فتألفت من وزير الداخلية بسام المولوي، والاقتصاد امين سلام والصحة فراس الابيض والبيئة ناصر ياسين.

  • يعتبر وزير التربية عباس الحلبي مقرباً من الحزب التقدمي الاشتراكي، في حين يحظى الوزيران جوني قرم، وجورج قرداحي ببركة "تيار المردة" ويعد نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي مقرباً من "السوري القومي الاجتماعي".


  • الثنائي الشيعي نال الحصة الاتية: وزير المال يوسف خليل (امل)، وزير الاشغال علي حمية (حزب الله)، وزير الزراعة عباس الحاج حسن (امل)، وزير العمل مصطفى بيرم (حزب الله)، ووزير الثقافة محمد مرتضى (امل).


اسما وزيرة التنمية الادارية نجلا رياشي، والسياحة جورج كلاس، بقيا من دون اعلان واضح عن الانتماءات، ففي حين اشارت مصادر الى ان رياشي مقربة بشكل كبير من رئيس الجمهورية، نفت مصادر اخرى هذا الامر، مذكرة ان ميقاتي هو من طرح زوجها السفير بطرس عساكر لتولي وزارة الخارجية وعون رفضه.

اما بالنسبة الى الوزير جورج كلاس فهو نقطة تقاطع بين ميقاتي وبري ذلك ان رئيس المجلس اقترحه، والرئيس ميقاتي سوقه عند عون بهمة "الصهرين" باسيل والقنصل الصلح...

مميزات في الوزراء

وفي الحكومة 4 وزراء قضاة هم عباس الحلبي وهنري خوري وبسام مولوي ومحمد وسام مرتضى، وفيها وجهان اعلاميان هما جورج قرداحي وعباس الحاج حسن مقدم نشرات الاخبار في محطة "فرانس 24" الفرنسية التي تبث من باريس، وفيها ضابط واحد متقاعد هو وزير الدفاع العميد موريس سليم (اختاره رئيس الجمهورية) وامرأة واحدة هي السفيرة نجلا عساكر رياشي. واللافت ان ثلث الوزراء يحملون جنسيات ثانية الى جانب الجنسية اللبنانية، ذلك ان خمسة منهم يحملون الجنسية الفرنسية، علي حمية، جورج قرداحي، عباس الحاج حسن، يوسف خليل، وليد نصار، فيما يحمل الوزيران امين سلام وعبد الله ابو حبيب الجنسية الاميركية، ويحمل الوزير وليد فياض الجنسية البريطانية.

اما بالنسبة الى اعمار الوزراء، فعميدهم بالسن هو وزير الخارجية عبد الله بو حبيب( 80 سنة)، واصغرهم وزير الاقتصاد امين سلام (42 سنة)، وتتوزع اعمار الباقين كالآتي: عباس الحلبي (73 عاماً)، جورج قرداحي (71 عاماً)، هنري خوري (70 عاماً)، جورج كلاس (68 عاماً)، موريس سليم وعصام شرف الدين (67 عاماً)، يوسف الخليل (63 عاماً)، نجلا رياشي (60 عاماً)، هكتور حجار وجورج بوشيكيان (56 عاماً)، جوني القرم (55 عاماً)، وليد نصار وبسام مولوي (53 عاماً)، فراس الابيض (52 عاماً)، وليد فياض (50 عاماً)، محمد وسام مرتضى وناصر ياسين ومصطفى بيرم (49 عاماً)، عباس الحاج حسن (46 عاماً)، علي حمية (44 عاماً).



الخلوة الرئاسية بين عون وبري وميقاتي.

الخلوة الرئاسية بين عون وبري وميقاتي.