تفاصيل الخبر

"الانفتاح" الرسمي على سوريا بضوء أميركي هل يعيد النازحين السوريين الى بلادهم؟

15/09/2021
الوفد الوزاري برئاسة الوزيرة زينة عكر في سوريا.

الوفد الوزاري برئاسة الوزيرة زينة عكر في سوريا.


 "الانفتاح" على سوريا من جديد، يبدو أنه سيكون سمة المرحلة المقبلة، وفي ذلك أكثر من مؤشر ومدلول، بعد انقطاع عن التواصل المباشر، الرسمي حيناً والسياسي احياناً، استمر سنوات حتى ما قبل الحرب في سوريا التي اندلعت العام 2011. ومع عودة الحرارة الى خط بيروت- دمشق يعتقد كثيرون ان خط دمشق- بيروت سيشهد هو الآخر زيارات من مسؤولين سوريين ضمن اطار تبادل الزيارات الرسمية التي سوف تؤسس الى فتح صفحة جديدة بين البلدين الجارين.

 اشارات "الانفتاح" على سوريا كانت متعددة خلال الاسبوعين الماضيين لعل بدايتها التي تحمل ابعاداً خارجية، كانت من خلال اعلان السفيرة الاميركية في بيروت دوروثي شيا ان بلادها "وافقت" على استجرار الغاز المصري من الاردن عبر سوريا الى لبنان لزيادة ساعات التغذية  بالكهرباء والتخفيف من المعاناة التي يعيشها اللبنانيون جراء ازمة المحروقات التي تتفاقم يوماً بعد يوم.... لقد استثنت واشنطن استجرار الطاقة عبر سوريا من اجراءات قانون قيصر الذي يفرض عقوبات على كل من يتعامل مع "النظام السوري"، لكن الموقف الاميركي يخفي في طياته اقراراً اميركياً بحاجة لبنان الى سوريا، المنفذ الطبيعي والجغرافي والامتداد العربي للحركة الاقتصادية اللبنانية. والموقف الاميركي لم يأت من فراغ، فهو كان حصيلة سلسلة من الحوارات من حلفاء اميركا في المنطقة مع سوريا لاسيما الحوار السعودي - السوري، وقبله الاماراتي - السوري، ومن ثم الحوار التركي - السوري، ما يدل على ان الادارة الاميركية الجديدة برئاسة جو بايدن اوحت للانظمة الحليفة لها بأن الحوار مع سوريا الاسد ليس ممنوعاً، وقد يحمل الوضع قريباً المزيد من التفكك للحظر الاميركي.

زيارة الوفد الوزاري

 أما الترجمة العملية لقرار الانفتاح على سوريا، فأتت من خلال زيارة الوفد الوزاري برئاسة النائبة السابقة لرئيس الحكومة وزيرة الدفاع والخارجية سابقاً السيدة زينة عكر، وذلك تحضيراً لتوقيع مذكرة تفاهم رباعية لبنانية – سورية – اردنية - مصرية لنقل الغاز الى لبنان واستجرار الكهرباء. وتؤكد مصادر متابعة ان هذه الزيارة لم تكن لتحصل لولا توافر الضوء الاميركي الاخضر الذي اعلنته السفيرة شيا بعد ايام من اعلان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن التوجه الى ايران لاستيراد المحروقات منها. لذلك حفلت زيارة الوفد الوزاري - بجملة ابعاد سياسية لن تتوقف عند نقل الغاز المصري واستجرار الكهرباء، بل ستتصدى كل ذلك لتفتح الباب امام مستجدات اخرى في هذا الاطار، واللافت انه لم تصدر اصوات معارضة ضد توجه الوفد الوزاري الى سوريا ما عدا بعض المواقف غير المؤيدة لهذه الخطوة من قياديين من حزبي "القوات اللبنانية" والكتائب التي قللت من شأن هذا الحدث على مستوى العلاقات بين البلدين التي ينقسم اللبنانيون حيالها بين مؤيد ومعارض، فضلاً عن جهات تتعاطى بواقعية سياسية وببراغماتية عالية مع هذا الموضوع. وهذا ما عكسه نواب في "تيار المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي. ويرجع هذا الامر الى الحاجة لتأمين الوقود وتحسين التيار الكهربائي ورفع معدل ساعات التغذية. في غضون ذلك، كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على اطلاع على مسودة هذا المشروع وتفاصيله من النواحي التقنية واللوجستية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الاردني عبد الله الثاني. وكان الاخير قد شكل خلية في الديوان الملكي لمواكبة الملفات اللبنانية ولعب دوراً كبيراً في محاولات مساعدة لبنان. وتناول هذا الموضوع في زيارته الاخيرة الى البيت الابيض. ويصف جنبلاط التوصل الى هذا الاتفاق مع السوريين والقائم ايضاً مع الاردنيين والمصريين بــ "الجيد" وهو لا يغيب هنا العامل الجغرافي بين لبنان وسوريا وضرورة التخلص من "عصابات النفط والتهريب" التي لوعت اللبنانيين واذلتهم امام محطات المحروقات وتأمين نفقات الاشتراك في المولدات. ويبقى ما يشغل جنبلاط من كل عملية الانفتاح القديمة – الجديدة هو "الشروط السياسية" التي قد يضعها السوريون على لبنان على هامش توقيع مذكرة التفاهم.


وفي المقلب الآخر، لا يخفي حلفاء سوريا مدى ارتياحهم لرؤية الوفد الوزاري واجتماعه مع وزير الخارجية فيصل المقداد وعودة السفير علي عبد الكريم علي للحديث على الشاشات عن عمق العلاقة بين البلدين والتي كان مفتاحها في العقد الاخير المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم لتتسع مساحتها اليوم على مستوى الوزراء في البلدين في لحظة كثر فيها الحديث عن امكان توجه الرئيس عون الى دمشق للقاء الرئيس بشار الاسد وكبار المسؤولين السوريين.

 ويرى متابعون ان من فوائد هذه الزيارة في هذا التوقيت انها قدمت خدمة كبيرة للرئيس نجيب ميقاتي القادر بعد تأليف حكومته على استكمال ما تم البدء به في هذا المشروع اثناء مهمة حكومة الرئيس حسان دياب، ولاسيما ان هذا التفاهم المشترك لا يتعلق بسوريا فقط بل بمصر والاردن ايضًا. وتعرف دمشق جيداً ان لبنان محشور جداً في ازمات المحروقات والكهرباء، ولذلك تعاطت من موقع المتبرع وانجاحها "زيارة الضرورة" وليس سراً ان للرئيس ميقاتي علاقات متينة مع العاهل الاردني والرئيس المصري، مع ما يعني ذلك من امكانية للاستثمار فيها والاسراع في تنفيذ الاتفاقات بين لبنان وسوريا والاردن ومصر.

في المقابل تستفيد سوريا من خلال هذه الزيارة واهدافها في فتح كوة في جدار علاقاتها مع الاميركيين وإحداث خروق في "قانون قيصر"، فضلاً عن تمتين علاقاتها مع القاهرة وعمان بعد العودة الى المسرح العربي، وبعد هذا الترتيب يفكر السوري في مقاربة تعاطيه مع لبنان لأن ما حصل في هذه الزيارة كان أبعد من مسألة استجرار الكهرباء واستيراد الغاز المصري عن طريق سوريا التي تخلصت من وطأة  سنوات الحرب واثقالها، وهي على علاقة طيبة مع مجموع الشيعة وجزء كبير من المسيحيين ومساحة لا بأس بها مع الدروز . وتبقى المعضلة التي لم تحل مع السنة من دون التقليل بالطبع من مناوئيها في البيئتين المسيحية والدرزية.

الوفد الدرزي و"وفاء الأسد"

وتقول مصادر سياسية لبنانية انه لا بد من التوقف عند تزامن زيارة الوفد الوزاري اللبناني، مع زيارة الوفد الدرزي الذي رأسه النائب طلال ارسلان وضم الوزير السابق وئام وهاب وشخصيات درزية سياسية وروحية. وقد ترافقت هذه الزيارة مع الغاء رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مؤتمراً صحافياً كان دعا اليه للحديث عن مضايقات يتعرض لها دروز سوريا الذين يواجهون تنظيمات مسلحة تحاول تطويعهم لمصلحة النظام. والواقع ان ما نقله اعضاء الوفد الدرزي عن الرئيس الاسد من مواقف فيه الكثير من الرسائل المواجهة في اكثر من اتجاه لعل ابرزها قوله انه يتغاضى في هذه المرحلة عن كل اساءة لسوريا مصدرها لبنان، كاشفاً انه اعطى ايعازا للمسؤولين والوزراء السوريين لتقديم التسهيلات التي يحتاجها لبنان. 

كذلك، كشف الاسد عن تواصل تقوم به دول عربية عدة، عمر بعضه سنوات، مع سوريا من دون ان تعلن هذه الدول عن هذا التواصل. وهو ركز في كلمته على الوفاء، خصوصاً من قبل فئة من اللبنانيين، تجاه سوريا، وقال: "ما اسسه التاريخ والجغرافيا لا احد يمكنه تغييره". وقد حرص الاسد على مصافحة اعضاء الوفد فرداً فرداً في اشارة واضحة الى حجم الحفاوة التي خصها للوفد الدرزي الآتي من لبنان.


هل يعود النازحون؟

الى ذلك، راجت خلال الايام الماضية معلومات عن التحضير لزيارة وفد سني الى سوريا، مشابه للوفد الدرزي، من حلفاء سوريا السنة في لبنان. وهذا سيؤشر الى "محاصرة " السنة السياديين، على رأسهم سعد الحريري، الذي بعث رسالة واضحة عبر النائب هادي حبيش، في مقابلة على قناة "الجديد" الاحد 5 ايلول :"اهلاً وسهلاً بالغاز من سوريا ومن اي دولة. كثر خير اميركا". واضاف مؤكداً ان لا مشكلة: "شو هالمصيبة؟ وتابع تعليقاً على زيارة الوفد الوزاري الى سوريا: "لا مشكلة لدينا اذا كانت زيارة الوفد اللبناني الى سوريا ستجلب الكهرباء الى لبنان..." ويرى المراقبون ان كل هذه الاشارات تدل على ان الحرم الاميركي عن نظام الاسد بدأ يتراجع. وبالطبع سيكون لبنان احد "ضحايا" هذا التموضع الاميركي الجديد. خصوصاً مع ازدياد الحدث عن انسحاب اميركي وشيك من سوريا. ويضيف هؤلاء ان سوريا ستطلب "ثمن مرور الغاز او الكهرباء في اراضيها نحو لبنان، بالزيارات اللبنانية. لكن المقابل النهائي قد لا يكون اقل من عودة سوريا الى مقعدها الفارغ في الجامعة العربية، منذ تشرين الثاني 2011، وربما عودة بعض النفوذ السوري الى لبنان. اذا استمر التقهقر الاميركي في المنطقة، والانفضاض العربي عن لبنان. وفي رأي هؤلاء المراقبين ان ثمة مرحلة جديدة في المنطقة يشكل الانفتاح على سوريا احد مظاهرها، فالرئيس الفرنسي ينسق مع الايرانيين ومع حزب الله، والعرب يحاورون الاسد وايران، وتركيا اعادت فتح الخطوط مع تركيا... هذه الحقائق لا بد من الاعتراف بها والتعاطي معها بواقعية حتى لا يكون لبنان مرة اخرى ضحية اي تسوية في المنطقة. وكي لا يكون كذلك، يرى متابعون ان لا بد من خطوات عملية على طريق عودة النازحين السوريين من لبنان الى بلادهم، لكن ما تحقق حتى الان لا يوحي بأن عودة الحياة الى العلاقات الرسمية اللبنانية - السورية لن تشهد عودة النازحين السوريين الى سوريا، وهو الموضوع الحساس الذي يعاني منه لبنان وسوريا على حد سواء. ولم يعد ينطلي على احد ما يتم تسريبه من معطيات ومعلومات عن ان النازحين يتعرضون لضغوطات وعمليات ابادة اثر عودتهم، وذلك لانتفاء الاسباب السياسية (تم اعادة انتخاب بشار الاسد رئيساً واعترف به بشكل مباشر وغير مباشر كل القادة الدوليين)، كما ان الاسباب الامنية تنتفي كذلك بسبب الوجود العسكري الروسي في هذا البلد، والذي لن يسمح بعودة اندلاع الحرب. ولكن، على الرغم من ذلك، لا يعتبر موضوع عودة النازحين اولوية بالنسبة الى احد الا للبنان، وهو ما يؤمن الدفع اللازم لوضعه على طاولة البحث، فملف النازحين في لبنان سيبقى معلقاً حتى به بشكل كامل في كل الدول المحيطة، ولو ان لبنان يعاني اضعاف ما تعانيه الدول الاخرى من مشاكل مالية واقتصادية ومعيشية وسياسية وامنية.... فكل ذلك قابل للانتظار، ولا حاجة دولية للاستعجال ببحث هذا الملف، في مقابل "إرضاء" اللبنانيين ببعض الخدمات الضرورية التي تعتبر من اسس تأمين العيش الكريم لاي مواطن في اي بلد، فأصبح من الممكن تمنين اللبنانيين بتأمين هذه الخدمات وعدم تعاطيهم بمسائل اخرى ولو كانت مهمة ومؤثرة، ومنها مسألة النازحين"..



الوفد الدرزي برئاسة النائب طلال أرسلان مع الرئيس بشار الأسد.

الوفد الدرزي برئاسة النائب طلال أرسلان مع الرئيس بشار الأسد.