تفاصيل الخبر

حكومة ميقاتي تتعثر... فهل يريد أقطابها تشكيلها فعلاً الآن..... ولماذا التردد؟

09/09/2021
الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي  يحاولان الوصول الى حلول مقبولة.

الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي يحاولان الوصول الى حلول مقبولة.



الذين التقوا الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي ليل الأربعاء الماضي، لاحظوا أنه لم يكن مرتاحاً لمسار عملية التشكيل بعد أيام من المراوحة لم تغب عنها لقاءات غير مباشرة بين فريق عمل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ممثلاً برئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل وحيداً، وفريق عمل الرئيس ميقاتي ممثلاً بصهر شقيقه طه، قنصل لبنان في إمارة موناكو مصطفى سميح الصلح.... ويعود سبب عدم ارتياح ميقاتي الى عوامل عدة يمكن اختصارها بشعوره أن الأطراف المعنيين بالتشكيلة الحكومية ليسوا متحمسين لولادتها سريعاً، وهذا ما يظهر جلياً من خلال العراقيل التي تولد فجأة يوماً بعد يوم، وهي لم تأت من فريق رئيس الجمهورية فقط، بل تشمل أفرقاء آخرين ايضاً كانوا وعدوا بتسهيل مهمة الرئيس ميقاتي، لكنهم بدلوا رأيهم فجأة وباتوا أقل حماسة في الدفع في اتجاه ولادة الحكومة العتيدة. لكن ما يثير الالتباس أن لا اسباب واضحة وراء هذا التراجع في حماسة الاطراف، او بعضهم على الأقل، علماً أن ثمة من يعتقد ان هناك كمية من الأسباب غير المعلنة التي تقف وراء هذا التطور الذي لم يكن متوقفاً من خلال مداولات الاسبوعين الماضيين حين أبدى كل طرف استعداداً لتسهيل مهمة الرئيس المكلف.

وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة لمسار التأليف إن فريق رئيس الجمهورية لا يزال يرغب في تشكيل الحكومة برئاسة ميقاتي على رغم "خيبة الامل" التي اصابته من خلال مواقف ميقاتي لجهة رفض العديد من الاسماء التي اقترحها الرئيس عون لتولي حقائب وزارية. صحيح ان رئيس الجمهورية لم يتساهل في عدد من المسائل، لكنه قدم، وفقاً للمصادر نفسها الكثير من التنازلات التي لم يقدمها الرئيس سعد الحريري خلال التفاوض الذي استمر تسعة اشهر بين الرئيس عون والحريري قبل ان يعلن الاخير اعتذاره عن عدم التشكيل.

مع ميقاتي اختلفت الصورة، والرئيس عون "تنازل" عن مسائل عدة، منها التسليم بهوية وزير المال المقترح يوسف خليل على رغم الملاحظات التي لديه عن ادائه كمدير للعمليات المالية في مصرف لبنان الخاضع للتدقيق المالي الجنائي. كذلك لم يعترض الرئيس عون على اسماء لوزراء سنة اقترحهم الرئيس ميقاتي مع علمه اليقين ان بعض هذه الاسماء رشحها الحريري وقدمها في اللائحة التي لم يوافق عليها الرئيس عون ما ادى الى خروجه الى خارج السباق الحكومي، حتى ان وزارة الداخلية والبلديات التي تمسك بها عون في زمن تكليف الحريري، تركها للرئيس ميقاتي مع اتفاق على التفاهم المسبق على الشخص الذي يتولاها كي يحظى بموافقة الرئيس خصوصاً ان هذه الوزارة الحساسة مدعوة الى لعب دور اساسي في مرحلة الانتخابات النيابية، الا ان الشكوى لدى ميقاتي ظلت في تمسك الرئيس عون بوزارات خدماتية اساسية مثل الطاقة والمياه والاقتصاد والشؤون الاجتماعية اضافة الى وزارتي الدفاع والخارجية ورفض التنازل عن وزارة الاقتصاد كي تكون كلمته في التفاوض مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الاوروبية الكبرى . وفي حين حملت الساعات القليلة الماضية ما وصف بموافقة عون على اعطاء ميقاتي وزارة الاقتصاد شرط ان يكون "فارسها" مختاراً بالتوافق بين الرئيسين. وهنا بدأت رحلة الاسماء تتطاير بين قصر بعبدا ومقر اقامة ميقاتي من دون الوصول الى صيغة نهائية، كذلك ظل الاتفاق على الوزيرين المسيحيين الاضافيين موضع اخذ ورد لاسيما وان احدهما من الاقليات والثاني من الكاثوليك او الموارنة. واستغرقت عملية تبادل الاسماء وقتاً طويلاً قبل ان يستقر الرأي على بعضها من دون حسم نهائي.

وفي الوقت الذي يقول فيه فريق رئيس الجمهورية إن ميقاتي غير راغب بتشكيل الحكومة وإنه "يربح وقتاً" الى ان يجد التوقيت الذي يناسبه للمضي في التشكيل، ترد مصادر الرئيس المكلف ان فريق عون ولاسيما النائب باسيل، لم يقدم التسهيلات المطلوبة لولادة الحكومة، وهو - اي باسيل - عندما دخل على الخط "فركش" الامور على نحو جعل عملية التشكيل صعبة بكثرة ما قدم مطالب وبدل اسماء وحقائب. وفي رأي فريق ميقاتي ان باسيل لا يريد  ان تبصر الحكومة النور على رغم انه اعلن في اكثر من مناسبة انه لا يتدخل في مسار عملية التأليف، وانه لا يرغب في المشاركة في الحكومة لا هو ولا اي من "التيار". وهنا برزت مجدداً مشكلة اعطاء الثقة التي طرحت ايضاً خلال التفاوض مع الرئيس الحريري، ذلك ان باسيل لم يلتزم بعد باعطاء الثقة للحكومة لدى مثولها امام مجلس النواب، متسلحاً برغبة في الاطلاع على البيان الوزاري وفي ضوء ذلك يتخذ القرار، علماً ان حصة الرئيس عون البالغة ستة وزراء، اضافة الى وزير حزب "الطاشناق" الارمني والدرزي الذي يمثل النائب طلال ارسلان، ما يجعل عدد فريق الرئيس الوزاري 8 وزراء، في وقت تقول المعلومات ان باسيل يريد 9 وزراء من حصة الرئيس، من هنا يقول فريق ميقاتي ان العرقلة تبدو واضحة من طرف الفريق العوني الذي لم يشأ تقديم اي تسهيلات لتشكيل الحكومة، اقله في الوقت الراهن.


معرقلون مباشرون.... وبالواسطة !

وعلى الضفة الاخرى، تقول المصادر نفسها، ثمة اطراف لا تريد ايضاً ولادة الحكومة، او على الاقل لا تعمل من اجل ولادتها، بل تضع احياناً العصي في الدواليب قصداً او عن غير قصد: انه فريق الرئيس نبيه بري، الذي يقول فريق رئيس الجمهورية انه يتدخل في عملية التشكيل مباشرة وليس بالواسطة، الى درجة انه بات "يمون" على ميقاتي والحريري معاً، كما على رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، وصولاً الى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.... الى حد ما. وبرزت "سلبية" بري في التعاطي مع عملية تأليف الحكومة، من خلال مؤشرات عدة منها تمسكه بوزارة الزراعة ورفضه ان تكون من حصة الرئيس كبديل عن وزارة الاقتصاد التي تمسك ميقاتي بالحصول عليها. وثمة من يقول ايضاً ان بري من خلال "مونته" على النائب السابق سليمان فرنجية، ومن ثم على ابنه النائب الحالي طوني فرنجية، شجعه على تقديم شروط قاسية لميقاتي في مقابل مشاركته في الحكومة ومنها ان يتمثل "المردة" بوزيرين مارونيين من كسروان، وصولاً الى حد التهديد بعدم المشاركة اذا لم يستجب ميقاتي للطلب. كذلك يعتقد فريق عون ان الرئيس بري وراء التصلب الذي ابداه الرئيس الحريري في عدم تغيير اسماء اعترض عليها الرئيس عون خلال لقاءاته مع ميقاتي.

ولوحظ في هذا السياق ان بري اشاع دائماً اجواء غير ايجابية عن قرب تشكيل الحكومة مستعيناً بالامثال العامة مثل "ما تقول فول حتى يصير بالمكيول" وغيرها وصولاً الى حد القول انه لم يعد ينفع الا الدعاء!.

وفي رأي المصادر نفسها، ان مسؤولية فريق الرئيس الحريري في عرقلة تشكيل الحكومة لا تقل عن مسؤولية الاخرين وذلك من خلال مواقف رؤساء الحكومة السابقين ولاسيما الرئيس فؤاد السنيورة الذي ينتظر "على الكوع" الرئيس المكلف للضغط عليه من اجل عدم تقديم اي "تنازلات" قد تفرضها عملية التشكيل. ومن راقب مسار المفاوضات بين الرئيسين عون وميقاتي ادرك حجم تدخل الثنائي الحريري - السنيورة بهدف "ضبط" ايقاع عمل ميقاتي من اجل انجاز عملية التأليف. من هنا وجد ميقاتي نفسه امام مطالب بري من جهة، والحريري ونادي رؤساء الحكومة السابقين من جهة اخرى، فضلاً عن مطالبه هو شخصياً ومطالب الرئيس عون ما جعله يصارح احد زواره ليل الاربعاء الماضي بأن شعوره ان لا احد يريد تشكيل الحكومة، وعندما يطلب منه التحديد يقول "كلن يعني كلن"!.


"الصهران" على خط التفاوض

حيال هذه الوقائع تبدو الصورة قاتمة لجهة القدرة على الاتفاق على الحكومة العتيدة وبالتالي فإن لعبة الاسماء المتبادلة ما هي الا الحجة المعلنة لعدم وجود رغبة لدى الاطراف المعنيين بالوصول الى اتفاق حول الصيغة الحكومية الفضلى التي يجب الاتفاق عليها لتأمين ولادة الحكومة. ولعل هذه المواقف غير المشجعة هي التي دفعت بالمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم الى "فرملة" وساطته بين الرئيسين عون وميقاتي بعدما كان حقق تقدماً كبيراً على صعيد تذليل بعض العقبات والتوصل الى طرح اسماء مقبولة من الطرفين لعدد من الوزارات، وبقيت مهمة التواصل غير المباشر، تبعاً لذلك، على عاتق النائب باسيل والقنصل الصلح - اي "الصهرين"، كما شاع في وسائل الاعلام على وزن "الخليلين"... وهنا يحمل فريق الحريري ونادي رؤساء الحكومة السابقين، النائب باسيل مسؤولية عرقلة ولادة الحكومة الجديدة منذ ان دخل على خط التأليف، علماً ان هذا الدخول كان بطلب خارجي وتحديداً فرنسي للمساعدة في تدوير الزوايا وايجاد الحلول المناسبة. ويقول هذا الفريق ان باسيل "نسف" التشكيلة الوزارية التي ولجت من خلال وساطة اللواء ابراهيم سواء لجهة اصراره على اعادة توزيع بعض الحقائب على الطوائف، وصولاً الى استبدال آخرين بأسماء محسوبين على الرئيس عون. في المقابل يحمل فريق الرئيس عون وباسيل، الرئيس ميقاتي ورؤساء الحكومة السابقين مسؤولية تأخير ولادة الحكومة من خلال الحجج نفسها المستعملة من فريق ميقاتي - رؤساء الحكومة السابقين - وهي تبديل مزاجي للاسماء المطروحة من فريق عون ومن دون اي مبرر، واحياناً محاولة إحداث تغيير في الحقائب من دون اي سبب جوهري يمكن الاخذ به.

وهكذا، بين اتهام من هنا واتهام من هناك، تبدو التشكيلة الحكومية تتأرجح ين تفاؤل حيناً وتشاؤم احياناً من دون ان تتوافر اي معلومات تؤكد اي من الخيارات ستعتمد خيار "حكومة الامر الواقع" التي قد يطرحها ميقاتي وهو يعلم انها لن تقبل من الرئيس عون، او خيار الافساح في المجال امام مزيد من الجهد بين "الصهرين" على امل الوصول الى حلول معقولة ومقبولة من الطرفين. الاكيد حتى الان ان الرئيس ميقاتي ليس في وارد الاعتذار على رغم "الفرملة" التي اصابت عملية التشكيل، وهذا يعني استطراداً ان المساعي ستبقى مستمرة مع تغيير اسم من هنا، واسم من هناك، حتى يصل الرئيسان عون وميقاتي الى تفاهم نهائي يؤشر الى صدور المراسيم.


رؤساء الحكومة السابقون ينتظرون على "الكوع".

رؤساء الحكومة السابقون ينتظرون على "الكوع".

الرئيس نبيه بري يستقبل الرئيس ميقاتي ويشيع أجواء غير إيجابية.

الرئيس نبيه بري يستقبل الرئيس ميقاتي ويشيع أجواء غير إيجابية.