تفاصيل الخبر

مسيرة التدقيق المالي الجنائي تنطلق قريباً فهل ستؤخرها مجدداً عراقيل مفتعلــــة؟

08/09/2021
الرئيس ميشال عون خلال اللقاء مع وفد شركة "الفاريز ومارسال" في حضور الوزير غازي وزني.

الرئيس ميشال عون خلال اللقاء مع وفد شركة "الفاريز ومارسال" في حضور الوزير غازي وزني.


 في 26 آذار (مارس) 2020، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بإجراء التدقيق الجنائي على حسابات مصرف لبنان بعد نقاش طويل استمر على عدة جلسات وانتهى نتيجة ضغط رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الى اتخاذ القرار الذي ظل من دون تنفيذ لاسباب مختلفة تلتقي كلها عند رغبة غير معلنة لدى افرقاء سياسيين وازنين وفاعلين بعدم تحريك هذا الملف الذي يتوقع ان يكشف الكثير من الوقائع التي تضيء على الاسباب الحقيقية للأزمة المالية الحادة التي وقع فيها لبنان على رغم ان كل المواقف التي كانت تصدر عن المسؤولين الماليين قبل 17 تشرين الاول (اكتوبر) 2019 كانت تؤكد على متانة العملة الوطنية وقدرات المصرف المركزي واحتياطه، وانتظام عمل المصارف.

خلال ايام، وبعد اشهر من الانتظار، يفترض ان يوقع وزير المالية غازي وزني عقد التدقيق في حسابات مصرف لبنان بعد توقيع ممثل الشركة التي ستتولى التدقيق "الفاريز ومارسال" على الورقة الاصلية للعقد وارسالها الى وزارة المالية، لكن ذلك لا يكفي ليوقع الوزير وزني اذ يقتضي عرض العقد  على الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة، وبعد ذلك يوقع الوزير في ضوء قرار الديوان وملاحظاته ... اذا وجدت. اما بدء العمل فلن يكون الا بعد توقيع وزير المال على العقد الذي بلغت قيمته مليونين و700 الف دولار اميركي.... وهكذا تكون كل محاولات المماطلة في توقيع العقد قد استنفدت بعد مرور ثمانية اشهر على اقرار مجلس النواب قانون رفع السرية المصرفية عن حسابات مصرف لبنان تسهيلاً لاجراء التدقيق. وبذلك لم يبق من المهلة التي حددها القانون سوى اربعة اشهر يفترض ان تكون كافية لانجاز الشركة مهمتها في التدقيق اذا سهلت مهمتها ولم تبرز عراقيل في طريقها.... على ان تقدم تقريرها الاولي في غضون 12 اسبوعاً من تاريخ تقديم الخدمات. وفي حال تم تجاوز المهلة المتبقية من مفاعيل قانون رفع السرية المصرفية، فثمة وعود بأن يجدد مجلس النواب العمل بالقانون ستة اشهر او سنة اضافية اذا اقتضت الحاجة. اما بالنسبة الى موقف ديوان المحاسبة، فإن كل المعطيات تشير الى انه سيوافق على مندرجات العقد خلافاً ما حصل في مرة سابقة نتيجة خطأ في احالة العقد الى الديوان وذلك بعدما التزمت وزارة المال الالية القانونية المفترض اتباعها. وتقول مصادر ادارية معنية انه في حال وافق ديوان المحاسبة على العقد. تكون العملية سلكت طريقها وفقاً للاصول بما يتيح للشركة بدء العمل، اما في حال عدم الموافقة فتصبح الحاجة الى "موافقة استثنائية" من رئيسي الجمهورية والحكومة لتأمين التغطية الضرورية لحالة الخلاف بين ديوان المحاسبة ومجلس الوزراء.


مسيرة وعراقيل....

الا ان الوصول الى نقطة النهاية في السباق الى التدقيق المالي الجنائي، لم يكن سهلاً ولا مسهلاً، ذلك ان واحدة من النقاط التي ادت الى تأخير التوقيع كانت مطالبة شركة "الفاريز ومارسال" بالحصول على كامل المبلغ المتفق عليه (2,7 مليون دولار) مسبقاً على اساس ان الدولة اللبنانية تمر في اوضاع مالية غير مستقرة، وما قد يصح اليوم، قد يصبح خطأ غداً، الا ان هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل رفضت طلب الشركة  مستغربة كيف تطالب هذه الشركة او غيرها، ان تسدد لها كامل اتعابها على قيامها بالمهمة المطلوبة منها والتي يراد التعاقد معها لاتمامها. لذلك اقترحت ان يصار الى دفع نسبة من الاتعاب عند اتخاذ قرار بدء العمل (بعد تسليم مصرف لبنان كل المعلومات) لا تتجاوز باحسن الاحوال نسبة 40 في المئة التي كان متفقاً عليها في العقد الاساسي، ولاسيما ان الشركة تكون قد حصلت مسبقاً، وقبل ان تبدأ بمراجعة المستندات والمعلومات المسلمة اليها من مصرف لبنان، على 100 الف دولار، يحق لها الاحتفاظ بها في حال انهائها الاتفاق اذا لم تتمكن من اتخاذ قرار بدء العمل، لعلة تسليمها المعلومات المطلوبة بشكل غير ملائم.

لقد أصرت الشركة على : 

1- ان تدفع الدولة 150 الف دولار اميركي بدل انهاء العقد السابق الموقع في 31 آب 2020 (وافقت هيئة التشريع، فيما رفض ديوان المحاسبة لان العقد الاساسي لم يحصل على الموافقة المسبقة للديوان، فصدرت موافقة استثنائية، في 7 آب تجيز الدفع).

2- ان تدفع الدولة 100 الف دولار تحتفظ بها الشركة لضمان تنفيذ العقد.

ان تدفع الدولة كامل قيمة العقد اي 2 مليون و740 الف دولار، بدل اتعاب ومصاريف عند توقيع العقد لاسيما بما فيها المئة الف دولار....

3- تأكيد مصرف لبنان جاهزية المعلومات المطلوبة منه من قبل الشركة بموجب قائمة المعلومات (IRL) وبالشكل المتفق عليه.

4- ان تقدم الشركة تقريرها الاولي في غضون 12 اسبوعاً من تاريخ بداية تقديم الخدمات.

وفيما لم تشكل اغلب المطالب مشكلة بالنسبة الى الجانب اللبناني باستثناء البند المالي، عادت وزارة المالية وفاوضت الشركة على آلية دفع جديدة. وقد اتفقتا بالفعل على ان تدفع الدولة 100 الف دولار كضمان للتنفيذ عند التوقيع، ثم 40 في المئة عند بدء الشركة عملها (بعد تسلمها كل المستندات التي تطلبها من مصرف لبنان) على ان يلي ذلك 50 في المئة ثم 10 في المئة من قيمة العقد. وعلى هذا الاساس، عدل العقد، وارسل مجدداً الى هيئة التشريع، التي تبين لها انه تم الاخذ بكل الملاحظات التي سبق ان عرضتها، فوافقت بالتالي على التوقيع.

عندما يتحقق ذلك، تعود الطابة الى ملعب مصرف لبنان الذي عليه ان يقدم الاجابات عن 133 سؤالاً سبق ان رفض الاجابة عنها اثناء تنفيذ العقد الاول، علماً بأن الشركة لم توافق على عودة التفاوض بشأن توقيع عقد جديد الا بعد حصولها على "دليل ملموس"  بأن المعلومات المطلوبة من مصرف لبنان (كتاب موجه الى المالية في 28 شباط 2021) بموجب اللائحة المرسلة اليه سابقاً (14 ايلول 2020) والمحدثة في 20 تشرين الاول 2020، قد تأمنت واصبح الوصول اليها متاحاً، بما يسمح ببدء التدقيق الجنائي.

بحسب الاتفاق ايضاً، سيكون للشركة مكتب خاص في وزارة المالية وليس في مصرف لبنان على ان يزودها المصرف بالمستندات المطلوبة الكترونياً. وعندما تعلن "الفاريز" ان لائحة المعلومات قد اكتملت تبدأ مرحلة التدقيق، التي تحتاج الى 12 اسبوعاً. اما في حال عمد المصرف مجدداً الى التلكؤ في تسليم المعلومات فستخرج الشركة بــ 100 الف دولار جديدة، تضاف الى 150 الف دولار التي سبق ان حصلت عليها. ودائماً بسبب عدم قدرتها على اتخاذ قرار البدء بعملية التدقيق الجنائي نتيجة صعوبات منعتها من الوصول الى المعلومات المطلوبة".


في اي حال، "حلم" التدقيق الجنائي قد يصبح حقيقة، لكن الحذر واجب في مثل هذه الظروف التي تمر بها الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية والادارية على حد سواء، علماً انه تم تعطيل كل اسباب "تعطيل" تنفيذ الاتفاق، فهل سيبرز ما يمكن ان يؤخر مرة جديدة التدقيق؟ قال الرئيس عون خلال استقباله وفود شبابية الاسبوع الماضي ان لا تراجع عن التدقيق المالي الجنائي مهما كانت الاعتبارات، لأنه المدخل الى الاصلاحات المنشودة والتي يطالب بها اللبنانيون والمجتمع الدولي على حد سواء، فضلاً عن انه من الواجب، لا بل من حق اللبنانيين ان يعرفوا كيف حصل التدهور في الوضع المالي وكيف كانت تساس الامور المالية في مصرف لبنان ومن بعده في المؤسسات الادارية والمالية الأخرى.