تفاصيل الخبر

البطاقة التمويلية أمام تحدٍ جديد: نسبة الفقر المتعدد الأبعاد 82% من سكان لبنان!

08/09/2021
مبنى الإسكوا في وسط بيروت.

مبنى الإسكوا في وسط بيروت.


 في الوقت الذي سلكت فيه البطاقة التمويلية طريقها نحو التنفيذ العملي بعد اقرار مجلس النواب فتح اعتماد بقيمة 566 مليون دولار وفق الاتفاق المعمول به مع مصرف لبنان كي يتولى تمويل البطاقة الى حين الانتهاء من الاجراءات النهائية مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لا تزال آلية تطبيق هذه البطاقة موضع اخذ ورد بين المسؤولين خصوصاً مع تضارب المعطيات حول عدد العائلات المستفيدة منها من جهة، وشروط هذه الاستفادة بعدما تبين ان ثمة عائلات تعاني من ظروف مادية ومعيشية صعبة لن يكون في استطاعتها الاستفادة من البطاقة لوجود احد افرادها يعمل او له دخل مادي ولو متدنٍ، وهذه المسألة تتكرر لدى عائلات كثيرة ولاسيما لدى موظفي الدولة التي باتت رواتبهم لا تكفيهم لشراء صفيحتي بنزين للانتقال الى مراكز اعمالهم. كذلك فإن الحكومة لم تحسم طريقة الدفع وعما اذا كانت ستحصل بالليرة اللبنانية او الدولار، علماً ان الغالبية تتجه الى اعتماد الدولار كقاعدة للدفع، علماً ان مصرف لبنان ميّال الى عدم الدفع بالدولار على عكس الجهات المقرضة.


ولعل ما يزيد الامور تعقيداً ان الخسائر التي منيت بها العائلات اللبنانية تزداد يوماً بعد يوم ولن يكون في مقدور البطاقة التمويلية ان تعوض هذه الخسائر، في وقت يزداد فيه عدد العائلات التي تعيش تحت مستوى الفقر والتي سوف تستمر على هذا المنوال اكثر من سنة وهي المدة المحددة للفترة الزمنية للبطاقة التمويلية. لكن في رأي المسؤولين الحكوميين ان "الكحل احسن من العمى" وانه لا بد من خطوات مهما كانت محدودة او متواضعة لمواجهة تداعيات الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها لبنان، والتي زادت حدتها نتيجة تفشي فيروس كورونا، الى ارتفاع في نسبة البطالة وشح السيولة، ووضع اللبنانيين امام ازمة معيشية خانقة هي الاصعب في تاريخ لبنان، وهو ما يدفع الحكومة الى وضع اولوية تتمثل في اصدار بطاقة تمويلية هدفها تغطية عجز القدرة الشرائية للمواطنين، وبالتالي انقاذ لقمة عيش اللبنانيين ومنع انهيار الواقع المعيشي.

وفي هذا السياق ينقل عن رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب قوله ان حكومته جاءت من اجل محاولة استدراك الانهيار الحتمي الذي كانت مؤشراته قد ظهرت في بداية العام 2001 من خلال مؤشر ميزان المدفوعات، وتعمقت اكثر عبر السنوات العشر الماضية، استلمنا وضعاً نقدياً كارثياً في البلاد: دين عام بلغ نحو 93 مليار دولار، فجوات مالية مخيفة تتعدى 80 مليار دولار في المصرف المركزي اللبناني وفي المصارف اللبنانية الخاصة وفي مالية الدولة. ولذلك قررنا التعامل مع هذا الواقع المالي بشفافية وصرامة وادركنا عدم قدرة الدولة اللبنانية على تسديد سندات اليوروبوند، ووضعنا خطة اصلاحية متكاملة لاخراج لبنان من الدوامة السلبية مالياً وقد حظيت هذه الخطة بتأييد وثناء صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي ودول عديدة، على اعتبار ان هذه الخطة وضعت الاصبع على الجرح العميق في الازمة المالية. ولكن الخلافات الداخلية حول هذه الخطة ادت في مرحلة اولى (خلال شهري ايار وحزيران من العام 2020) الى تأخر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والى توقفها رسمياً في مرحلة ثانية، بسبب استقالة الحكومة (رغم استمرار التعاون التقني معه في هذا الخصوص) مما سرع بانهيار الوضع المالي بالتزامن مع فقدان قيمة العملة الوطنية امام الدولار الاميركي، وهو ما زاد في تعميق معاناة اللبنانيين وارتفاع معدلات البطالة والفقر بشكل كارثي.

ويضيف ان هذا الواقع الخطير "املى على حكومة مواجهة التحديات"، ورغم انها حكومة مستقيلة يقتصر دورها على تصريف الاعمال، وجوب مواجهته انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية، وبالتالي البحث واجتراح الحلول المناسبة خاصة وان هذا التحدي يعتبر من اخطر التحديات التي تواجه لبنان في هذه المرحلة العصيبة من تاريخه. ومن هذه الحلول التي قد تساعد في تعويض الخسارة التي طالت القدرة الشرائية للمواطنين، كان الاقتراح بضرورة اقرار البطاقة التمويلية التي ستضاف الى مشروع شبكة الامان الاجتماعي- ازمة الطوارىء في لبنان والاستجابة الى كوفيد – 19 الممول بقرض من البنك الدولي وتوفير مساعدات لحوالي /750.000/ اسرة لبنانية (والذين يشكلون 75% من عدد عائلات لبنان الاكثر حاجة بحسب تقديرات البنك الدولي)، مع الاشارة الى انه، واضافة الى الاستفادة من هذين المشروعين ستستفيد العائلات المشمولة بهما من البطاقة التمويلية، بما من شأنه ان يؤمن العدالة الاجتماعية بين العائلات الفقيرة وتلك الاكثر فقراً".


دراسة الأمم المتحدة

الا ان المفاجأة السارة للمسؤولين اللبنانيين، كانت في الدراسة التي اعدتها منظمة "الاسكوا" والتي عكست فيها ما سمته "الواقع الاليم" في لبنان نتيجة الحرمان من الرعاية الصحية والحرمان من الحصول على الادوية والحرمان من التعليم والسكن والكهرباء، اضافة الى تعذر الوصول الى المدخرات والودائع والحرمان من العمل... كل ذلك ادى الى تضاعف نسبة الفقر المتعدد الابعاد في لبنان من 42% في العام 2019 الى 82% من مجموع السكان في العام 2021. وفي تلك الدراسة ان عدد السكان الذين يعانون من الفقر المتعدد الابعاد 4 ملايين نسمة تقريباً، يمثلون نحو مليون اسرة، بينها 77% من الاسر اللبنانية، اي ما يوازي 745 الف اسرة لبنانية". وذكرت ان 74% من السكان يعانون من الفقر، كانت النسبة 55% في العام السابق، و28% سنة 2019. ومفهوم "الفقر المتعدد الابعاد" لا يقتصر فقط على الفقر المادي، او مستوى الدخل للفرد، بل يشمل جوانب معيشية اخرى تعد اساسية لقياس مدى انتشار حالة الفقر: التعليم، الصحة، الخدمات العامة، الاصول والممتلاكات، العمل والدخل... حتى إن لم تكن فقيرة مادياً، فالاسرة المحرومة من التيار الكهربائي، على سبيل المثال، يمكن ان تصنف فقيرة حسب مفهوم الفقر المتعدد الابعاد. وارتفعت نسبة الاسر المحرومة من الكهرباء الى 54% .


الا ان الخطير في الموضوع ان نسبة الاسر الفقيرة المحرومة من الرعاية الصحية ارتفعت من 9% سنة 2019 الى 33% في العام الحالي، "ويخشى ان يزداد الوضع سوءاً اذا رفع الدعم، ولاسيما ان 55% من السكان ليسوا مشمولين بأي شكل من اشكال التأمين الصحي"، بالاضافة الى ذلك 52% من الاسر غير قادرة على الحصول على الدواء، وفي قطاع التعليم يبلغ معدل الفقر المتعدد الابعاد 63% في التعليم الجامعي و87% بين الطلاب ذوي ادنى مستويات التحصيل العلمي. وارتفعت نسبة كبار السن الذين يعانون من الفقر المتعدد الابعاد من 44% سنة 2019 الى 78% سنة 2021.


وتضاعفت نسبة الفقر المتعدد الابعاد في لبنان، لتتضاعف معها نسبة الفقر المدقع المتعدد الابعاد الى 34% من مجموع السكان، اي مليون و 650 الف نسمة، اي 400 الف اسرة، لا يبقى سوى 210 آلاف اسرة فقط تعيش في لبنان غير فقيرة.... يمكن لذوي الثروات في لبنان ونسبتهم لا تتجاوز 10% من مجموع السكان تسديد كلفة القضاء على الفقر من خلال تقديم مساهمات سنوية لا تتعدى 2% من ثرواتهم.


انطلاقاً من هنا، توصي "اسكوا" في دراستها بــ "انشاء صندوق وطني للتضامن المجتمعي" ووضع خطط فعالة للحماية الاجتماعية، وتعزيز نظم الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاقها لتشمل العاطلين عن العمل ودعم الادوية المحلية الصنع ووضع خطة لزيادة انتاج الكهرباء ودعم الطاقة المتجددة ووضع خطة انقاذ وطنية للنهوض بالقطاع الخاص.