تفاصيل الخبر

تركيبة حكومة ميقاتي... متى ولدت ستدفن مبادرة "ماكرون" وتحيي الصيغة التقليدية!

03/09/2021
اللقاء الثالث عشر بين الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي... لم يثمر عن توافق نهائي.

اللقاء الثالث عشر بين الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي... لم يثمر عن توافق نهائي.


بين تفاؤل حذر بإمكان ولادة الحكومة الجديدة هذا الأسبوع، وتشاؤم مبرر لا يؤشر الى حصول هذه الولادة، يعيش اللبنانيون ساعات من الانتظار "على نار" الإعلان عن مراسيم التشكيل على أمل أن يؤدي التشكيل الى انفراج ولو محدود على الصعيدين الاقتصادي والمعيشي، علماً أن ذلك غير وارد في الحسابات الواقعية، لأن الحكومة، أي حكومة، لن تكون قادرة على تحقيق ما يتمناه اللبنانيون، وكل ما يمكن أن تفعله هو إعطائهم جرعة أمل بأن الأوضاع يمكن أن تتحسن تدريجياً، وأن انفراجات محدودة قد تتحقق... وغير ذلك من المستحيل حصوله، لأن الأزمة الاقتصادية كبيرة جداً وتتطلب وفق الخبراء، عشر سنوات على الاقل، كي يستعيد لبنان ما كان عليه قبل أحداث 17 تشرين الأول (اكتوبر) 2019.

كل المعطيات أشارت قبل أيام الى أن ولادة الحكومة غير متيسرة بعد وأن الجهود التي تبذل لا تزال تحتاج الى مزيد من التزخيم للوصول الى خواتيم سعيدة. حتى أن المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي بات يطلق عليه اسم "وسيط الجمهورية" دخل على الخط على أمل أن يحدث دخوله تبدلاً ايجابياً على المشهد الحكومي، وصارت زياراته المكوكية بين قصر بعبدا وبناية "بلاتينيوم" حيث منزل الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، تحمل معها في كل مرة اشارة توحي ان امكانية الوصول الى حل نهائي ممكنة.... إذا صفت النيات وإذا فعلاً يريد كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس ميقاتي الاتفاق على تشكيل الحكومة في اسرع وقت ممكن، استجابة لرغبات اللبنانيين من جهة، ولطلبات الموفدين الديبلوماسيين من جهة ثانية، وكان آخرهم وفد مجلس الشيوخ الاميركي الذي زار بيروت يوم الاربعاء الماضي وسمع من الرئيس عون "الأمل" بأن تولد الحكومة هذا الأسبوع!.

ما جعل التفاؤل الحذر يوازي التشاؤم المبرر، هو استمرار التباين في وجهات النظر بين الرئيسين عون وميقاتي حول عدد من اسماء المرشحين لدخول جنة الوزارة، وتوزيع بعض الحقائب لاسيما حقائب الداخلية والعدل والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والطاقة.... وكانت "البورصة" تلعب لعبتها كل يوم، فاذا اتفق الرئيسان على وزارة العدل مثلاً، يحصل في اليوم التالي أن يتغير الاسم وتتبدل المواقف... وهكذا دواليك استمر "اللعب" بالاسماء والحقائب الخمس من دون الوصول الى نتيجة حاسمة، علماً أن الحقائب الاخرى وجدت من يشغلها باتفاق بين الرئيسين استغرق شهراً على الاقل. ولكل من الرئيسين "التبرير" المناسب على موقفه الرافض او القابل على حد سواء، ما كان يجعل منسوب التفاؤل يتصاعد، ثم سرعان ما يهبط من جديد وبالعكس... وبدا واضحاً أن عنصر الثقة مفقود بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف على رغم المظاهر المعاكسة التي كان يحرص الطرفان على إبرازها من خلال وسائل الاعلام. لكن محاولة اخفاء الواقع لم تدم طويلاً اذ حملت الايام الماضية اشارات سلبية، سواء مما كان يصدر من قصر بعبدا، او من خلال البيان الشهير لرؤساء الحكومة السابقين الذي اضطرت رئاسة الجمهورية أن ترد عليه معتبرة أنه احتوى على مغالطات كثيرة ومواقف غير مبررة.

وداعاً مبادرة "ماكرون"....

وفيما تتجه الأوساط المتابعة الى ترجيح تأخر الولادة الحكومية بضعة ايام اضافية، فإن ثمة حقيقة واضحة خلاصتها أن التركيبة المقترحة الغت نهائياً مبادرة الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون"، قبل سنة بالتمام، إذ إن الأسماء المسربة لــ"الوزراء" الجدد تؤكد أنهم غير مستقلين خلافاً للطرح الرئاسي الفرنسي وأن الكتل النيابية سمتهم وإن كانوا اختصاصيين، او غالبيتهم على الاقل. وهذه الحقيقة المرة التي تعني "دفن" المبادرة الرئاسية الفرنسية إن دلت على شيء، فهي تدل على التأثر الكبير للسياسيين في لبنان وعدم القدرة على الحد من دورهم تحت اي مسمى او عنوان.

لقد ظن الرئيس "ماكرون" عندما التقى رؤساء الكتل الأساسية في قصر الصنوبر، أن ما سمعه منهم عن "قبولهم" بحكومة جديدة من "الاختصاصيين" سيفضي حتماً الى ولادة سريعة للحكومة، لكن سنة كاملة مرت ليتضح بعد ذلك أن شعار "وزراء غير حزبيين او سياسيين" وفقط "وزراء اختصاصيين" انهار على وقع اطماع الكتل السياسية وتعلقها بالسلطة، وكأن لبنان يعيش في ظروف طبيعية ليأتي تشكيل الحكومة وفق القواعد التقليدية التي كانت تتم في السابق.

لقد بدا واضحاً من مسار تشكيل الحكومة الميقاتية، والمداولات التي تمت أن المبادرة الفرنسية انتهى مفعولها وباتت خارج الزمان والمكان وإن كان هناك دعم فرنسي لا يزال مستمراً بغية مساعدة اللبنانيين بعيداً من متناول المنظومة السياسية برمتها، وعلى هذه الخلفية ثمة معلومات عن اتصالات جرت بين بيروت وباريس ركزت على الاسراع في تشكيل الحكومة، وسلم الجانب الفرنسي بعدم التقيد بالمبادرة الرئاسية ومراعاة الكتل السياسية في اختيار ممثليها على أن يتمتعوا بالمواصفات التي تقربهم قدر الامكان بتلك التي وضعها الرئيس "ماكرون" في كلمته قبل سنة، ذلك أن باريس خائفة وقلقة من تدحرج الاوضاع في لبنان ودخوله في نزاعات وحروب بفعل ما يعانيه من افلاس وانقسام. ومرر الجانب الفرنسي ما كان يتمناه أن يحصل بأن تشكل الحكومة من اختصاصيين لا حزبيين. وهذا الشعار حظي بدعم من الدول المانحة تحديداً والصناديق الضامنة، وعليه، وغداة تكليف الرئيس سعد الحريري حينذاك تعهد أن يشكل حكومة من غير الحزبيين، ودعمت جهوده من اكثر من عاصمة عربية وغربية بدءاً من القاهرة وصولاً الى معظم العواصم العربية والدولية، حتى إن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف وخلال الاتصالات التي كان يقودها يومها مع الافرقاء اللبنانيين، كان يشدد عليهم على هذه الناحية، اي أن روسيا تدعم جهود الحريري من خلال تشكيل حكومة خالية من حزبيين.


وتتساءل المصادر المتابعة شو عدا ما بدا حتى تبدل المشهد بشكل جذري عبر تهافت الاحزاب والقوى والمرجعيات السياسية على المحاصصة، والسعي لنيل هذه الحقيبة الوزارية وتلك ربطاً بالاستحقاق الانتخابي المقبل، ومن اجل تقديم الخدمات الانتخابية من خلال هذه الوزارة او سواها، على رغم ما تعانيه هذه الوزارات من غياب للاموال، ذلك أن خزينة الدولة خاوية، ولكنهم يتكلون على مساعدة المجتمع الدولي والدول المانحة في هذا الاطار، لاسيما وان الدول الديموقراطية تشدد على ضرورة اجراء الانتخابات النيابية في موعدها المحدد من دون تأجيل او تمديد، باعتبار ذلك منحى ديموقراطياً، وثمة سعي لاعادة انتاج سلطة سياسية جديدة في لبنان تنطلق من خلال انتخابات نيابية نزيهة سوف تتم باشراف الامم المتحدة والهيئات الرقابية الداخلية والدولية، ما يعني أن الاموال ستتوافر لاجرائها من خلال الوزارات المعنية بهذا الاستحقاق...

في اي حال، حكومة ميقاتي، اذا ما ولدت، وحسب الاسماء المطروحة والمتداولة، ستكون حكومة حزبيين مقنعين او مقربين، بعضهم اختصاصي والبعض الاخر غير اختصاصي، والكتل المشاركة اخذت حصتها بدءاً من "المستقبل" الى الحزب التقدمي الاشتراكي الى "المردة" والنائب طلال ارسلان وحزب  الطاشناق والحزب القومي و"الثنائي الشيعي".... وصولاً الى رئيس الجمهورية الذي سوف يغطي حصة "التيار الوطني الحر" الذي قال رئيسه النائب جبران باسيل إنه لا يريد المشاركة في الحكومة، قد لا يمنحها الثقة. وفي ضوء ما تقدم وداعاً للمبادرة الرئاسية الفرنسية، ومرحباً بــ"صمود" التركيبة اللبنانية التقليدية التي لن تحقق اصلاحاً او تغييراً.... وعلى المجتمع الدولي ان ينتظر الى ما بعد الانتخابات النيابية على امل حصول التغيير المنشود... هذا اذا تمت الانتخابات في موعدها ولم يمدد للمجلس الحالي حتى يكون هو من ينتخب الرئيس الذي سيخلف الرئيس عون....