تفاصيل الخبر

مسار بواخر النفط الإيراني الى بيروت غير مرتبط بمصير الحكومة العتيدة!

01/09/2021
الرئيس ميشال عون يستقبل السفيرة الأميركية "دوروثي شيا".

الرئيس ميشال عون يستقبل السفيرة الأميركية "دوروثي شيا".

 عندما أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أن الحزب لن يقف مكتوف الأيدي حيال استمرار الأزمة الاقتصادية في البلاد ولاسيما منها أزمة المحروقات والنقص الحاد الذي ضرب البلاد مع مادتي البنزين والمحروقات، ظن كثيرون أن السيد كان يهول في كلامه للضغط على المسؤولين اللبنانيين للاسراع في معالجة هذه الأزمة تفادياً لأي خطوة تصعيدية قد يتخذها الحزب تدليلاً على اعتراضه على تفاقم الازمة وتشعبها مع ما تركته من ذيول خطيرة على الواقع الاقتصادي والمعيشي في البلاد.

إلا أن ما أعلنه السيد نصر الله في وقت لاحق عن تحرك باخرة محملة بالمحروقات الايرانية من احد الموانىء في ايران في اتجاه لبنان، ثم الحقها بباخرة ثانية، وصولاً الى حديثه عن باخرة ثالثة قيد التعبئة لترسل الى لبنان، قطع الشك باليقين لدى الأوساط السياسية اللبنانية والدوائر الديبلوماسية التي تابعت عن قرب ما بعد كلام السيد نصر الله، في الوقت الذي بدأ تتبع مسار الباخرتين الاولى والثانية بعدما عبرتا الاحد الماضي قناة السويس وفق المعلومات التي توافرت عن حركة ابحارهما....

وعلى رغم ان المعلومات افادت بأن البواخر الايرانية مرسلة الى لبنان من دون تحديد وجهة سيرها ورسوها، سواء في احد الموانىء اللبنانية او السورية، ومن ثم نقل محتوياتها بالصهاريج الى الاراضي اللبنانية، فان ثمة من رأى في هذه الخطوة تصعيداً سياسياً متعدد الابعاد الداخلية والخارجية، كما ستكون له انعكاسات يخشى ان تتطور لتصبح امنية اذا ما تعرضت البواخر المبحرة نحو لبنان لاي اعتداء اسرائيلي خصوصا بعدما اعلن السيد نصر الله ان هذه البواخر باتت ارضاً لبنانية، مع ما يعني ذلك من اشارة واضحة بأن التعرض لها سيكون سبباً لرد من المقاومة ضد اسرائيل او اي جهة تسهل استهداف البواخر المحملة بالمحروقات لصالح الشعب اللبناني ولفك الحصار عنه بعدما تعثر على الدولة شراء كميات كافية من المحروقات بسبب نفاذ الامكانات المالية لدى مصرف لبنان بالدولار الاميركي. اكثر من ذلك ذهب البعض الى الحديث عن ان هذه البواخر ستكون مواكبة بسفن حربية ايرانية لمنع التعدي عليها ولاعطاء المسألة الطابع السياسي الذي ترتديه، علماً ان الوجه الاصلي للعملية يكمن في ان مجموعة من رجال الاعمال اللبنانيين من الطائفة الشيعية الذين يعيشون في عدد من دول الاغتراب، ولاسيما في افريقيا، اشتروا هذه المحروقات وشحنوها الى لبنان في عملية تجارية بحت لها ابعادها الانسانية التي تهدف الى تأمين حاجة لبنان الى المحروقات..

لا رابط بين البواخر والحكومة

غير ان ثمة من ربط بين موضوع البواخر المحملة بالمحروقات الايرانية، وبين عملية تشكيل الحكومة الجديدة من خلال القول إن التأخير في ولادة الحكومة مرتبط بالملف الحكومي وبالحوار - الاميركي - الايراني ومفاوضات فيينا الخ... في وقت يقول مصدر مسؤول في حزب الله، إن الكل يعلم بأن عقد التأليف الحكومي هي من نوع آخر وتتعلق بالتجاذب حول اسماء وحقائب، وهذه العقد موجودة قبل الاعلان عن انطلاق الباخرة وبقيت بعده وبالتالي ليس هناك ادنى علاقة بين الامرين... ويشدد المصدر على ان الحزب كان ولا يزال من اشد الداعمين لتشكيل الحكومة من دون ابطاء، كما يدل تمسكنا بالرئيس سعد الحريري طويلاً ثم تسميتنا للرئيس نجيب ميقاتي. 

ويسأل المصدر... اين كانت السفينة الايرانية منذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي وحتى ايام قليلة خلت؟ واين كانت هذه السفينة على امتداد 11 شهراً بقي خلالها الرئيس سعد الحريري مكلفاً من دون ان ينجح في تشكيل الحكومة؟. وخلافاً للمتداول في بعض الاوساط، يعتبر الحزب ان سفينة المازوت الايرانية كان لها دور المحفز للتعجيل في تأليف الحكومة وليس العكس، "اذ ان السفيرة الاميركية في بيروت سارعت الى حض رئيس الجمهورية والرئيس المكلف على التشكيل، من اجل قطع الطريق على مبادرة الحزب الى استيراد النفط الايراني ومحاولة تنفيسها، وهذا لا يزعجنا بتاتاً، لأن الاستثناء هو ان نبادر الى استيراد النفط تحت وطأة ضرورات ملحة، بينما القاعدة هي وجود حكومة اصيلة تتحمل مسؤولياتها وتعالج ازمة المحروقات. من هنا، يضيف المصدر نفسه الى عدم تضييع البوصلة والانجراف وراء استنتاجات لا صلة بها بالواقع، مشدداً على ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في الباخرة الايرانية وانما في عجز الدولة عن تأدية ابسط واجباتها حيال مواطنيها الذين يتعرضون للحصار والاذلال.

وفيما يؤكد حزب الله ان بواخره "سوف تراعي ظروف الدولة اللبنانية" وانها ليست في وارد احراجها، يرى ان اهمية مجيء هذه البواخر لا تتصل بكمية المحروقات التي تحملها على متنها وانما بمبدأ اتخاذ قرار جلبها المرتكز على جملة مستجدات وحسابات املت على الحزب المضي في هذه الخطوة وذلك بعدما تيقن ان القرار المتخذ هو ابقاء لبنان غارقاً في لجة ازمات تدفعه في نهاية المطاف الى الوقوع في براثن الفوضى والانهيار، وكان الحزب بحسب العارفين بعقله الباطني، يقيم لبعض الوقت على تقدير اولي مفاده ان الذي يقف وراء القرار اياه ستأتي لحظة ويستنتج ان هذا الضغط الذي يمارس على اقتصاد لبنان وماليته العامة ستكون له تداعيات كارثية على كل شرائح المجتمع اللبناني من دون استثناء وليس على حزب الله فقط وقاعدته فحسب، وان المعلومات التي توافرت اشارت الى استمرار هذا المسار بغية تعقيد الموقف اكثر فاكثر وقيام ردود فعل شعبية تحت عنوان رفض الاذلال وارتفاع الاسعار وانقطاع المحروقات وغيرها من الشعارات التي يستسيغها الضالعون في المخطط الرامي الى احداث فوضى في البلاد. لذلك كان القرار لدى حزب الله بالمضي في استقدام بواخر المحروقات ومن ثم الاعلان عن استعداد طهران لقيادة عملية التنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية اللبنانية بهدف رفع الحصار النفطي غير المعلن على لبنان واحراج الاخرين ووضعهم امام الاتهام المباشر في ما يخططون للبنان من اهداف تضرب الدولة وتحد من عودة الحياة اليها.

ويرى مراقبون ان حزب الله، الذي كان يكتفي امينه العام باطلاق المواقف والخطب والتحذيرات، انتقل الى مرحلة جديدة من العمل حتى بات اكثر استعداداً "للمنازلة" مع الجانب الاميركي والغرب عموماً، وبات يتصرف من خلفية ان الادارة الاميركية تركت لسفيرتها في بيروت حرية التقدير والتعامل مع الموقف في لبنان ما دامت هذه الادارة لم تجعل الوضع اللبناني شأناً مستقلاً له ادارة ملفه كما هي العادة، ويبدو الحزب واعياً لحجم ومقدار تداعيات قراره ونتائجه، وهو اشبع كل احتمالاته بحثاً ودرساً ووضع البدائل التي من شأنها تنفيذ القرار الذي صار بالنسبة اليه مصيرياً ويعادل قرار المعارك الكبرى التي خاضها منذ انطلاقته في العام 1982.


مقدمة لفرض عقوبات؟

في المقابل، ثمة من يقرأ في خطوة حزب الله شحن محروقات الى لبنان ثم عرض المشاركة في التنقيب عن النفط والغاز، مقدمة لفرض عقوبات اميركية على لبنان خصوصاً ان موقف حزب الله، تلاه موقف للسفيرة الاميركية دوروثي شيا حيال موافقة الادارة الاميركية على استجرار الغاز من مصر بعد الاردن فسوريا ليزيد الامور تعقيداً ويقنع من لم يقتنع بعد، بأن الحصار على لبنان اميركي ويرمي الى تجويع اللبنانيين. علما انه بالنسبة الى العقوبات الاميركية فلن تكون صائبة هذه المرة، لان شراء المحروقات وشحنها عملية محصورة برجال اعمال يعملون مع حزب الله ولا دور للمصارف اللبنانية لان العملية لم تمر عبر القطاع المصرفي، كما لم تتم بطلب رسمي لبناني، اما فرض عقوبات على الحزب فهي لن تقلق الحزب لانه يتلقى دورياً رزمة من العقوبات تدرج كوادر فيه او رجال اعمال متعاونين معه على اللوائح السوداء. لذلك يمضي الحزب في قراره الفردي من دون مراجعة او تشاور او تنسيق معلن مع اي جهة رسمية. صحيح ان السيد في كلامه حرص على القول انه ليس بديلاً عن الدولة او عن الشركات المستوردة للمشتقات النفطية وانه لا يناقش احداً، لكن الواقع الذي وصلت اليه البلاد، جعله في الموقع التقدم والمنافس حكماً، وهذا الامر سيتبلور حتماً مع دخول طلائع النفط الايراني الى السوق اللبنانية حيث ينتظر ان يباع باسعار تنافسية من شأنها ان تخرج المحتكرين من جموحهم وتحرق كارتيلاتهم التي تحكمت بسوق النفط على مدى عقود. ويعتبر خصوم حزب الله ان المسار الذي رسمه السيد نصر الله بملف النفط  شريكاً منافساً للدولة في الاستيراد، او لاعباً اساسياً في التنقيب، يؤكد ان مشروع الحزب باختزال الدولة قد اكتمل، ولم يعد في حاجة الى ان يكون مشروع الدويلة داخل الدولة، بعدما افسحت الاخيرة المكان وتخلت عن موقعها. وسيدخل لبنان مرحلة جديدة من الضغط نتيجة التداعيات المرتقبة على موقعه ودوره في محيطه، خصوصاً ان المشروع الجديد يقضي على النموذج الاقتصادي وحتى السياسي الذي حكم البلد على مدى العقود الماضية، ويقدم نموذجاً جديداً ينضم فيه الى دول محور الممانعة، مع ما سيرتبه ذلك من انعكاسات اقتصادية ومالية واجتماعية على بقايا النظام القائم.

هل تكتمل عناصر نجاح المشروع داخلياً وخارجياً، او يدفع البلد الى مزيد من الانقسام والتشرذم الداخلي، فضلاً عن مزيد من العزلة في ظل الامعان في توريطه في الصراع الاقليمي - الدولي؟ الأكيد ان المسار بدأ ولن ينتهي في مدى منظور.


السيد نصر الله يلقي كلمته ويعلن عن الباخرة الإيرانية.

السيد نصر الله يلقي كلمته ويعلن عن الباخرة الإيرانية.