تفاصيل الخبر

تشكيلة ميقاتي حاضرة... وكذلك ملاحظات عون وعدم الاتفاق لن يقود الى الاعتذار...

27/08/2021
الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي خلال لقائهما الأخير في القصر الجمهوري.

الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي خلال لقائهما الأخير في القصر الجمهوري.




في 26 تموز(يوليو) الماضي، كلف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، بعد استشارات نيابية ملزمة، الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة، وفي 26 آب (أغسطس) الجاري، اي بعد شهر تماماً، انجز ميقاتي تشكيلته وفق المعايير التي وضعها لذلك، على رغم وجود بعض الاسماء فيها لم تحظ بموافقة رئيس الجمهورية، لكن ميقاتي التزم بالمهلة التي اعطاها لنفسه عند التكليف، مفسحاً في المجال امام الرئيس عون ليضع ملاحظاته على تشكيلته مع استعداد لدرس هذه الملاحظات من دون ان يعني ذلك الاخذ بها كلها.... وثمة من يرى في هذا السياق ان حظوظ ولادة الحكومة توازي التخوف من عدم ولادتها، الامر الذي يدفع الى التساؤل: هل يريد فعلاً كل من الرئيسين عون وميقاتي تشكيل حكومة اختصاصيين تنكب على العمل من اجل البدء بورشة الانقاذ المطلوبة محلياً والمشجع عليها عالمياً؟

عون يريد حكومة....

من الصعب جداً الاعتقاد بأن الرئيس عون لا يريد تشكيل حكومة قد تكون الاخيرة في عهده الذي ينتهي في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، لاسباب عدة ابرزها اقتناعه بأن حكومة الرئيس حسان دياب التي تصرف الاعمال منذ 10 آب (أغسطس)2020 وحتى اليوم لن تستطيع ان تقوم بأي عمل قادر عملياً على اخراج البلاد من الانهيار الذي يتجه اليه في خطى سريعة مع استمرار تدهور الاحوال المعيشية والصحية والتربوية والاقتصادية، وتراجع مستوى الامن الغذائي الذي بات مهدداً، وغيرها من المصائب التي حلت على لبنان دفعة واحدة. كذلك فإن عون لم يعد قادراً على تحمل المزيد من التدهور يترافق مع توجيه الحملات ضده التي وصلت الى حد المطالبة باستقالته.... وهذه النغمة التي سبق ان سمعها اللبنانيون في عهد الرئيس اميل لحود، لا تزال "صرخة " في واد " لأن الظروف اللبنانية مختلفة وفريدة... والرئيس عون يريد الحكومة ايضاً لاطلاق المفاوضات مع صناديق النقد الدولية، والدول المانحة للمساعدة في تحقيق النهوض من جديد، او على الاقل وضعه على السكة.... لكن في المقابل لا يرغب عون بــ "التسليم" في تشكيل الحكومة للرئيس ميقاتي، كما فعل مع الرئيس سعد الحريري، ويريد ان يكون له الحضور داخل الحكومة تحسباً لاي محاولة لتطويقه سياسياً وعملياً خصوصاً في السنة الاخيرة من ولايته التي ستشهد انتخابات نيابية جديدة في الربيع المقبل، وانتخابات رئاسية، علماً ان الكثير من الساسة اللبنانيين يتحدثون عن "فراغ" ما بعد انتهاء ولاية عون.... لذلك فهو يتمسك بتسمية حصته من الوزراء المسيحيين البالغة 6 وزراء مع حليفه ممثل حزب الطاشناق، وممثل الحزب الديموقراطي اللبناني الذي يرأسه النائب طلال ارسلان، اي ما مجموعه 8 وزراء في تركيبة من 24 وزيراً، لأن الاتفاق تم مع ميقاتي على الا يكون هناك اي ثلث معطل في يد اي فريق واحد. وقد خاض عون "معارك" عدة في مفاوضاته مع ميقاتي خلال توزيع الوزارات على الطوائف، ثم في مرحلة اسقاط الاسماء، ذلك ان عون يعتقد ان ميقاتي، وإن اظهر تودداً وتعاوناً وتجاوباً، يخضع لتأثير "نادي" رؤساء الحكومة السابقين الذي يضمه مع الرؤساء سعد الحريري وفؤاد السنيورة وتمام سلام، وبالتالي فهو لن يخرج عن الاطر الذي حددها اعضاء "النادي" وبالتالي سوف "يتعب" مع ميقاتي بعد تشكيل الحكومة. لقد حاول ميقاتي طمأنة عون، لكن الاخير ليس واثقاً من وعود الرئيس المكلف وهو يريد ان تكون الضمانات المطلوبة من خلال تركيبة الحكومة لاسيما الحقائب التي سوف يحصل عليها، او الوزراء الذين اقترحهم للحكومة.... وقد تخوف عون، وربما عن حق، حين شعر ان ميقاتي سلم بكل الاسماء التي اعطيت له من "الثنائي الشيعي" و"المستقبل" و"المردة" والحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة وليد جنبلاط من دون اي نقاش او استفهام، في حين " شارع" الرئيس عون في كل اسم طرحه ووضع "فيتو" على اسماء اسقطها من اللائحة الرئاسية ولا يزال "يحارج" رئيس الجمهورية في كل اسم يقترحه.... ومثل هذه المواقف من عند ميقاتي كان يمكن ان تمر لو ان رئيس الجمهورية غير العماد ميشال عون المعروف بعناده وتمسكه بمطالبه وما يراه حقوقاً لانه يمثل المكون المسيحي في البلاد، مع العلم بأن النقاش الذي امتد على مدى شهر حقق بعض التقدم واستقرت العقد على ثلاث وزارات لاعتراض ميقاتي على الاسماء المرشحة لها....

... وميقاتي ايضاً

في المقابل، فإن ميقاتي يريد ايضاً ان يشكل حكومة من الاختصاصيين الذين "ببيضوا الوجه" ويستطيع ان يفاخر بهم ويكونوا قادرين بالتالي على القيام بالمهام الحساسة والدقيقة التي ستطلب منهم في مواكبة مسيرة التعافي والنهوض بالبلاد من جديد. ولاجل ذلك كان ميقاتي واضحاً منذ اليوم الاول انه يفضل ان تتشكل حكومته من وجوه غير حزبية او غير ملونة بشكل فاقع، على رغم ان اقتراح هؤلاء الوزراء سيكون من رؤساء الكتل السياسية الذين اوصاهم ميقاتي باقتراح افضل ما لديهم من شخصيات قادرة على تولي المهام المطلوبة، ويكونوا "فريق عمل" لديه القدرة على النهوض بالبلاد من كبوتها وازماتها لأن ما يهمه اولاً استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم ومن خلالهم ثقة المجتمع الدولي للحصول على المساعدات المطلوبة التي تضع البلد على سكة التعافي المالي. وميقاتي يريد تشكيل الحكومة ايضاً حتى يسجل انه في وقت الأزمات يبرز هو "المنقذ"، تماماً كما حصل بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في العام 2005، وبعدما دخلت البلاد في ازمة سياسية في العام 2011 بعدما "استقيلت" حكومة الرئيس سعد الحريري فيما كان يدخل البيت الابيض للقاء الرئيس السابق "باراك أوباما". وعليه يريد ميقاتي ان ينجح في التشكيل ليعمل على تحقيق ما اعلنه منذ اللحظة الاولى لتكليفه، اي انقاذ البلاد واخراجها من الازمة القاتلة التي تعاني منها. لذلك تجاوز ميقاتي كل التعقيدات التي استطاع تحمل تجاوزها، لكنه "فرمل" اندفاعته عندما شعر ان بعبدا تحاول ان تفرض وزراء حزبيين مخفيين او قريبين من رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل، الذي تتهمه اوساط سياسية بالعمل على "تفشيل" مهمة ميقاتي للابقاء على حكومة حسان دياب ولو في طور تصريف الاعمال، وتنسج على هذا الرأي الكثير من الاقاويل والمواقف والممارسات... ويؤكد ميقاتي ان قبوله بهذه المهمة في هذه الايام الصعبة والدقيقة سبقه ادراك منه بأنه سوف يسير في مجموعة من الوديان والمغاور السياسية في وقت تتداخل فيه حسابات الافرقاء على ابواب الانتخابات النيابية.

اذن، الرئيسان عون وميقاتي يريدان تشكيل الحكومة، كل من خلال حساباته ونظرته الى الواقع والمعطيات التي يدركها هو وإن لم تكن تلتقي عند قاسم مشترك واحد احياناً. لكن اصطدمت مراحل البحث في التشكيلة بمواقف متبادلة ومتباينة في آن، تم التعبير عنها من خلال ما كان يتسرب حيناً من بعبدا، واحياناً من فريق ميقاتي- وليس منه شخصياً- بأن الرئيس عون يعمل على تمرير اسماء ملتبسة تحت عنوان انها مستقلة ومحايدة، بغية كسبها عند حصول اي مواجهة على طاولة مجلس الوزراء. وثمة من ذهب بعيداً الى القول إن عون يعمل على حجز الثلث المعطل، وهو ما نفاه رئيس الجمهورية مراراً وتكراراً، لكن استمر هذا الاتهام يلاحق عون من خلال الاستناد الى طريقة تعاطيه مع التمثيل المسيحي في الحكومة تخوفاً من الوقوع في اي ازمة على غرار التي كانت تحصل في حكومات سابقة. فكيف الحال في ظل الاقدام على اي مشروع من البطاقة التمويلية المنتظرة الى اتخاذ قرارات في مسألة رفع الدعم ووضعها كلها في ميزان الانتخابات وما يمكن ان تعكسه على مزاج القواعد الانتخابية في صناديق الاقتراع، ولاسيما ان المواطنين يعيشون يومياً فصول القهر والاذلال، وقد باتوا يفكرون في الحصول على صفيحة بنزين او علبة دواء مقطوع اكثر من الانشغال بمن يتسلم هذه الحقيبة او تلك، وان سياسة التناتش على الوزارات التي درج الافرقاء على ممارستها باتقان في حكومات سابقة لم تعد ذات جدوى امام سلطة غير قادرة على طمأنة مواطنيها ولو بتأمين حاجاتهم اليومية بعدما بات طموح اللبنانيين الحصول على صفيحة بنزين وربطة الخبز. ولا يعلق ميقاتي على الاتهامات التي تصوب نحو رئيس الجمهورية في هذا الشأن، لكن جهات مواكبة للتأليف تفيد ان الرئيس المكلف "لا خوف عليه" وهو عرف جيداً كيفية إعداد تشكيلته شرط ان يتلاقى معه عون.

الاعتذار غير وارد عند ميقاتي

من هنا السؤال: ماذا سيكون مصير التشكيلة التي اعدها ميقاتي؟ مع نهاية شهر كامل على تكليفه. مهما كان الجواب فإن ثمة حقيقة لا تزال مع طلبات الرئيس عون، لكن اذا وصل معه الى طريق مسدود سيتوقف عن اظهار ايجابياته وسوف يتمسك بالصيغة التي قدمها من دون ان يقطع الحوار الذي سيبقى يدور ضمن الثوابت التي حددها عندما قبل التكليف. لكن الاكيد، حتى الان على الاقل، ان ميقاتي لن يعتذر وسيبقى يحاول الى ان يقطع الامل من امكانية الوصول الى نهاية سعيدة تجعل حكومته الثالثة على قيد الحياة. كذلك الامر فإن الرئيس عون ليس في وارد دفع ميقاتي الى الاعتذار كما حصل مع الحريري، وسيبقى على تواصل وتقديم الاقتراحات والاسماء حتى تحقيق الغاية المرجوة.

لكن ما لا يجب ان ينساه كل من الرئيسين عون وميقاتي ان البلاد تغرق واي تأخير في انقاذها من الغرق ستكون تداعياته سلبية على الامن والاستقرار في البلاد، وثمة مؤشرات مقلقة ظهرت مؤخراً يجب ان تدفع بالرئيسين عون وميقاتي الى اليقظة وتغليب مصلحة البلاد العليا وسلامتها.... وما بتحرز اسم بالزايد او اسم بالناقص" على حد ما قال سياسي مخضرم عاصر وشارك في تشكيل حكومات كثيرة قبل ان يتقاعد ويتفرج من بعيد على ما كل يجري.!