تفاصيل الخبر

"ثغرات" في عمل الأجهزة الأمنية في مصادرة المحروقات تحتاج الى ضبط!

26/08/2021
المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة الرئيس ميشال عون وحضور الرئيس حسان دياب والوزراء.

المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة الرئيس ميشال عون وحضور الرئيس حسان دياب والوزراء.


           

لمسألة مصادرة المحروقات المهربة، او المخزنة التي كثرت في الآونة الأخيرة، ثلاثة وجوه بشعة لم تفلح الدولة في معالجتها على رغم قرارات المجلس الاعلى للدفاع، والتوجيهات التي تعطى من حين الى آخر الى الأجهزة الأمنية في مختلف أسلاكها....

الوجه الاول، هو الاستنسابية ذلك ان القوى العسكرية والامنية "تستنسب" في عملها ولا تعتمد معايير واحدة، فثمة مناطق مفتوحة لعمليات الدهم والمصادرة والتوقيف، ومناطق اخرى مقفلة امام اجراءات الاجهزة العسكرية والامنية، وذلك اما لسبب سياسي عام يتصل بــ "النفوذ" الذي يسود في هذه المنطقة او تلك، او لعلاقة ما تربط المسؤول الامني المعني مباشرة او المسؤول الامني الاكبر منه بالجهات النافذة القادرة على "الاهتمام" بذلك المسؤول من النواحي كافة. وخلال احد اجتماعات المجلس الاعلى للدفاع، اثيرت هذه المسألة بشكل غير مباشر على امل وضع حد لها الا ان معظم الحاضرين "تجاهلوا" الحديث وانتقلوا الى البحث في نقاط اخرى.

الوجه الثاني يتعلق باستمرار عمليات التهريب عبر المعابر البرية الشرعية وغير الشرعية والتي لا يمكن ان تتم باستمرار الا اذا كانت هناك "قبة باط" امنية من هذه الجهة او تلك، وهذا مع الاسف، ما هو حاصل بشكل منتظم في المعابر غير الشرعية، واحياناً في المعابر الشرعية. لقد اعد احد الاجهزة الامنية تقريراً مفصلاً حول "مخالفات" تحصل في عدد من المناطق حيث التهريب "على عينك يا تاجر" وبحماية من بعض المسؤولين الامنيين المتواطئين مع منظومة مهربين لهم امتدادات سياسية وحمايات واسعة.

لقد اكد اكثر من تقرير امني ان عمليات المصادرة التي تحصل من حين الى آخر، لا تشكل سوى جزء قليل من "العمليات الكبرى" التي تحصل، والمصادرات القليلة هي للتعمية على قوافل اخرى تسلك طريقها بأمان نحو الاماكن المقصودة وعين المعنيين  عنها "تحرسه " ذهاباً واياباً... حيال هذه التقارير يظهر بعض المسؤولين في الاجهزة العسكرية والامنية حالة انكار واسعة، ويتجاهلون ما يسمعون الى درجة ان ضابطاً رفيعاً في منطقة الشمال "ضبط" وهو ينسق عمليات تهريب مع شقيقه وجهات نافذة اخرى، فتمت "لفلفة" القضية بسرعة ونقل الضابط المعني من مركزه الى مركز آخر.. وقيل انه قد يرسل في دورة الى الخارج، وحلّ معه ضابط من الانتماء او المحمية السياسية ذاتها!.

عويدات يدعو الى التقيد بالأصول

اما الوجه البشع الثالث لعملية مصادرة المواد المهربة او المخزنة فهي تتمثل بتفرد القوى العسكرية والامنية التي تتولى تنفيذ هذه المصادرات بالتصرف بالمواد المصادرة من دون العودة الى القضاء الذي يحدد وفق الاصول القانونية الخطوات الواجب اجراؤها في هذا المجال لاسيما مع وجود نصوص قانونية ترعى مثل هذه الاعمال لاسيما وان القوى الامنية كي تصادر المحروقات المخزنة مثلاً، يجب ان تحصل على اذن قضائي لاسيما ان لكميات المحروقات هذه اصحاباً وهم اشتروها وربما يتقدمون بدعاوى امام القضاء لاستعادتها طالما ان القانون لا يمنع تخزين المحروقات. لقد حصلت في الآونة الاخيرة تجاوزات في طريقة التصرف بالكميات التي كانت تصادر سواء من المحروقات او غيرها لاسيما لجهة التصرف بالمواد المصادرة من دون قواعد ولا اصول تحددها القوانين. وتقول مصادر مطلعة انه خلال اجتماع المجلس الاعلى للدفاع، اثار المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات هذه المسألة لافتاً القادة الامنيين الى ضرورة التقيد بالاصول، مستعيداً نص مراسلة وجهها في 12 آب (أغسطس) الجاري الى قادة الاجهزة الامنية حول ملاحقة عمليات تهريب المحروقات واحتكارها وتخزينها وضبطها وحجز وسائل نقلها، وفيها "ان مكافحة احتكار المحروقات وتخزينها لغايات ضرب السوق وحرمان المستشفيات والافراد من اصحاب المولدات الخاصة والمؤسسات العامة تتطلب تدابير استثنائية في ظل الاوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد وهذه التدابير المعددة في استنابتنا تاريخ2021/3/29 لا تتعارض مع احكام القانون. واضافت المذكرة ان المرسوم رقم 6339 تاريخ 2020/5/15 يجيز للجيش وقوى الامن الداخلي مصادرة المواد التي يتم ادخالها الى لبنان او اخراجها منه بصورة غير شرعية.

وهذه المصادرة تبقى خاضعة لاحكام القانون رقم 550 )مصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة وسائر انواع المصادرات( تتم بعد صدور قرار لجنة تخمين ابتدائية وقرارها خاضع للطعن امام لجنة التخمين الاستئنافية ويقتضي تسديد ثمن البضائع موضوع قرار المصادرة حسب سعرها بتاريخ صدور قرار لجنة التخمين. وتتم المصادرة الادارية دون قرار قضائي. ان ضبط المواد الجرمية في اطار ملاحقة الجرائم العادية ومنها المواد النفطية يتم بأمر من النيابة العامة المشرفة على التحقيق، والنيابات العامة غير صالحة لمصادرة المواد الجرمية. فاذا كانت المادة 69 من قانون العقوبات تجيز مصادرة جميع الاشياء التي نتجت عن جناية او جنحة مقصودة او التي استعملت او كانت معدة لاقترافهما، فيقتضي ان تقرر المصادرة بموجب حكم قضائي صادر عن محكمة الاساس، فضلاً عن ان المادة الخامسة من المرسوم رقم 8625 تاريخ 1947/3/24 تجيز للمرجع القضائي الواضع يده على القضية (نيابة عامة، دائرة التحقيق، او محكمة الاساس) بيع البضائع المضبوطة اذا كانت من الاشياء القابلة للتلف او التي يستلزم حفظها نفقات تستغرق قيمتها ويحفظ ثمنها امانة في صندوق المال، فيكون هذا الثمن بديلاً عن المضبوط وتقرر محكمة الاساس في نهاية المحاكمة مصادرته ام اعادته لمالكه في حال ابطال التعقبات بحقه او اعلان براءته مما هو منسوب اليه. إن بيع المضبوطات ومنها المحروقات يتم استناداً الى الاحكام القانونية التي تمت الاشارة اليها اعلاه وبقرار من النيابات العامة وتحت اشراف الضابطة العدلية وذلك من قبل عمال المحطات حيث تم ضبطها وذلك ضماناً لحصول المستشفيات والافران واصحاب المولدات الخاصة والمؤسسات العامة على المحروقات ومكافحة الاحتكار في ظل الاوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد، لا يشكل مساً بدور اي ضابط عدلي مساعد او هيبته لا بل يقع في صميم مهامه. ان المصادرة الادارية المقررة بموجب المرسوم رقم 6338 تاريخ 2020/5/15 تختلف عن الاحكام التي ترعى ضبط المواد الجرمية ومنها المحروقات ولا تتعارض معها اطلاقاً.

ان اعتماد الخط الساخن لمديرية قوى الامن الداخلي للتبليغ عن جرائم تهريب المحروقات وتخزينها بصورة غير مشروعة واحتكارها تم بحضور ممثل عن المدير العام لقوى الامن الداخلي نظراً لسهولة حفظ رقم 112 من قبل الجمهور. ان القوانين المرعية الاجراء لا تمنح المدير العام لقوى الامن الداخلي حق توجيه طلبات الى النائب العام لدى محكمة التمييز للتعميم على الضابطة العدلية المساعدة باي امر وعليه نكلفكم التقيد بالتعميم الصادر في 2001/3/29 حول الموضوع والعمل بمضمونه تحت طائلة المسؤولية والملاحقة، فالتعميم المذكور يتعلق بكيفية التصرف بالمضبوطات القضائية حصراً ولا يمس احكام المرسوم رقم 6338 المتعلق بحق الجيش وقوى الامن الداخلي في مصادرة المحروقات الناتجة عن اعمال التهريب العابرة للحدود".

في اي حال، لا جدل في ضرورة مكافحة التهريب والتخزين غير الشرعي وملاحقة المهربين وغير ذلك من الاجراءات الضرورية، لكن ذلك لا يسمح بتجاوز القوانين واعتماد الاستنسابية، الامر الذي يفرض التنسيق بين القوى العسكرية والامنية مع الاجهزة القضائية لضمان حسن تطبيق القانون ومنع التجاوزات التي تقود الى تفلت يعود بالضرر على مصلحة المواطن والدولة في آن لان بيع المواد المصادرة او توزيعها بشكل ملتبس يطرح علامات استفهام كثيرة على عمل القوى الامنية هي عملياً في غنى عنها في هذه الظروف!.