تفاصيل الخبر

لهذه الأسباب "صمد" سلامة وقاوم استعمال الاحتياط الإلزامي لدعم المحروقات

26/08/2021
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

           

لم تنجح كل المحاولات التي بذلت لارغام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على استخدام الاحتياط  الالزامي في المصرف المركزي لاستكمال الدعم على المحروقات وغيرها من المواد الاستهلاكية، ولم تنفع الضغوط التي مورست على الحاكم ليبدل موقفه الذي اصر عليه على رغم ما سببه قراره المفاجىء ذات ليل بوقف الدعم على المحروقات مبرراً ذلك بأنه صرف اكثر من 830 مليون دولار لدعم شراء المحروقات من مازوت وبنزين، فيما لا وجود للمادتين في المحطات ولدى شركات التوزيع بسبب التهريب من جهة والتخزين من جهة اخرى والاحتكار من جهة ثالثة. حتى ان رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى مجلس النواب لدفعه الى سن نص تشريعي طالب به الحاكم لاستعمال الاحتياط الالزامي، لم تلق الصدى المطلوب، فنجح الحاكم في الزام الدولة على التراجع عن مطلبها وحفظ الاحتياط من دون مساس لأن الاموال فيه هي للمودعين ولا يمكنه التصرف بها، علماً انها وصلت الى حدود 14 مليار دولار فقط!.

حاول البعض تسييس موقف الحاكم واعتباره محاولة للضغط على الحكم والعهد، وكانت اتهامات رئيس  تكتل "لبنان القوي" النائب جبران باسيل الاعنف والاقسى في هذا المجال اذ طالب بمحاكمة الحاكم وسير تظاهرات شعبية طوقت منزله في الرابية وهتفت لاسقاطه، ثم انتقلت الى منزله الثاني في الصفرا للغاية نفسها. ودبج كثيرون مقالات ضد سلامة الذي بقي على موقفه من دون ان يبدله قيد انملة.... وهذا ما دفع رئيس الجمهورية الى المبادرة والدعوة الى اجتماع طارىء عقد يوم السبت الماضي حضره رئيس الحكومة حسان دياب ووزير المال غازي وزني ووزير الطاقة والمياه ريمون غجر (عبر تطبيق الزوم لوجوده في الشمال وتعذر انتقاله الى قصر بعبدا لضيق الوقت) والحاكم سلامة الذي كرر موقفه مبدياً كل تعاون في اي اجراء يتخذ من دون المساس بالاحتياط الزامي واموال المودعين. وبعد نقاش مستفيض كانت سلسلة قرارات لمعالجة ازمة المحروقات المستفحلة منها الطلب الى مصرف لبنان فتح حساب مؤقت لتغطية دعم عاجل واستثنائي للمحروقات من بنزين ومازوت وغاز منزلي ومقدمي الخدمات وصيانة معامل الكهرباء، وذلك بما يمثل قيمة الفرق بين سعر صرف الدولار الاميركي بحسب منصة "صيرفة" والسعر المعتمد في جدول تركيب الاسعار والمحدد بـــ 8000 ل.ل وعلى ان يتم تسديد هذه الفروقات بموجب اعتماد في موازنة العام 2022. وعلى ان تصدر وزارة الطاقة والمياه جدول تركيب الاسعار فور صدور هذا القرار.

كما تقرر تعديل تعويض النقل المؤقت حيث يصبح // 24000// ل.ل. عن كل يوم حضور فعلي، اضافة الى اعطاء مساعدة اجتماعية طارئة بما يساوي اساس الراتب الشهري او المعاش التقاعدي دون اي زيادات مهما كان نوعها او تسميتها تسدد على دفعتين متساويتين، وتشمل جميع موظفي الادارة العامة مهما كانت مسمياتهم الوظيفية.

قصة الاحتياط  الإلزامي

ويقول معنيون ان موقف الحاكم سلامة الرافض لاستعمال الاحتياط الالزامي لم يأت من فراغ او لحسابات شخصية، بل ارتكز على معطيات قانونية ذلك انه وفق التعريف القانوني للاحتياط الالزامي فهو "مال مخصص الاهداف وغير قابل لاي مس او تخصيص لغير غايته، لاسيما وانه التزام قانوني واقع بحكم قانون النقد والتسليف على عاتق المصارف التجارية، وهو يعتبر ضمانة للمصرف لمواجهة اي سحب مفاجىء من العملاء، وضمانة اخيرة لصاحب الوديعة من انهيار او افلاس المصرف التجاري الذي يتعامل معه. ومن ناحية اخرى، يمثل احدى ادوات المصارف المركزية لتحقيق سياستها النقدية الهادفة الى تحفيز الاقتصاد ومجابهة التضخم، وتحقيق الانسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف لحماية سلامة النقد اللبناني والاستقرار الاقتصادي واي مس به سيؤول الى تكبيل يد المصرف المركزي وجعله غير قادر على ممارسته مهاماً اساسية مولج القيام بها، وتالياً فإنه يمثل اهمية خاصة رباعية الابعاد تشمل بمضمونها حماية للمودع والمصرف التجاري والمصرف المركزي والاقتصاد، والمثال الاحدث على اهمية هذا الاحتياط الالزامي هو ما قام به عدد من المصارف المركزية العالمية لمواجهة الركود الذي تعرض له الاقتصاد من جراء تفشي وباء الـ"كورونا"، بحيث اتجهت الى تخفيض نسبته على المصارف التجارية لتمكين هذه الاخيرة من مواجهة زيادة الطلب على السيولة المتوقعة، بغية الحفاظ على التناسب في معدل التضخم والاستقرار في الاسواق بتأمين اي دعم وهو ليس ملزماً القيام بمهمات الحكومة التي يبقى من واجبها تأمين الامن الانساني للمواطن بمفاهيمه كافة، لاسيما الغذائي، والطبي، والمعيشي، ولا دور للمركزي في ذلك.

وليس للمركزي ان يصرف من خزائن المودع لتحقيق سياسة الحكومة، والا يعتبر ذلك تعدياً واضحاً على الحقوق المشروعة، لا سيما وان هذا الدعم ليس سوى انفاق لا يحقق مكاسب له بل على العكس سيؤدي لا محال الى استنزاف ما تبقى من نقد في ميزانيته.

وهذا لا يتوافق على الاطلاق مع المادة 13 من قانون النقد والتسليف التي منحت المركزي صفة التاجر في علاقته مع الغير، بما يشكل تناقضاً وتعارضاً جلياً مع طبيعة هذا الدعم المجاني الذي يقدمه، وهذا في منتهاه يشكل تساؤلاً دستورياً اساسياً يتخطى حدود الدعم وطبيعته: "هل جرى تعديل طبيعة النظام الذي اصبح اقرب الى الاشتراكية منه الى الليبرالية؟".

وتلزم الفقرة من المادة الرقم //76// من قانون النقد والتسليف المصارف بتكوين مال احتياطي (كنقد سائل)، والقسم الثاني من هذه الفقرة نص على امكان اعتبار بعض توظيفات المصارف التجارية في السندات الحكومية او المصدرة بكفالة حكومية بمثابة جزء من الاحتياط الالزامي، وبالطبع فإن هذا الجزء لا يعني الكل بل نسبة منخفضة منه، الا ان عدداً من التعاميم اجاز للمصارف تمويل بعض القروض الخاصة من خلال تخفيض سقف التزامها بتكوين المال الاحتياطي السائل بنسبة مرتفعة، اي تخصيص المال المودع من قبل الشعب لمنفعة تمويل طالبي القروض الخاصة دون اي وجه حق، مما قد يشكل مخالفة لاحكام قانون النقد والتسليف والاهم قد لا يكون الاحتياطي الالزامي برمته نقداً سائلاً.

انطلاقاً مما تقدم، وبما ان اي مس بهذه الملكية الخاصة يشكل اعتداء مباشراً على احكام الدستور اللبناني الليبرالي الحر ومقدمته لاسيما المادة 15 منه التي قدست الملكية وحصنتها من اي اعتداء او تأميم او مصادرة اضافية الى عدد من الاتفاقات الدولية ذات الصلة، وبما انه يشكل هتكاً لمبدأ المساواة لانه بات المودع بمفرده من يمول الدولة والسلع الاستهلاكية فهذا يعني ان اي قانون ممكن ان يصدر عن المجلس النيابي سيكون معرضاً للابطال امام المجلس الدستوري، لاسيما وان اجتهادات هذا المجلس قد اكدت على حرمة الملكية الخاصة وعلى عدم جواز المساس بها، ومن خلال سابقة قضائية تم القاء الحجز الاحتياطي على الاحتياط الالزامي بقوة قرار دائرة تنفيذ بيروت، وبذلك اصبح المركزي ملزماً بعدم التصرف بتلك الاموال تحت طائلة اعتباره مسؤولاً عن مخالفة قرار قضائي.

ويعتبر المصرف المركزي سلطة عامة مالية مستقلة مع التشديد على ان سلطة تعني autorite  وليس pouvoir،  وثمة فارق جوهري بين السياسة المالية المسؤولة عنها الحكومة وبين السياسة النقدية المسؤول عنها المصرف المركزي المستقل بدوره بشكل كامل، انما ضمن نطاق السياسة المالية. وبجميع الاحوال، فإن ذلك لا يعني اطلاقاً ان للسلطة اي حق من خلال سياستها المالية ان تمد يدها بخلاف القوانين الى مال ليس من حقها.