تفاصيل الخبر

الرسالة الرابعة من عون لمجلس النواب: القصة "مش رمانة.... بل قلوب مليانة"!

26/08/2021
مجلس النواب خلال جلسته الأخيرة في الاونيسكو.

مجلس النواب خلال جلسته الأخيرة في الاونيسكو.




الرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى مجلس النواب داعياً اياه الى اتخاذ موقف او اجراء او قرار بعد القرار الاحادي الذي اتخذه حاكم مصرف لبنان برفع بالدعم عن المحروقات ما احدث موجة من الاضطرابات وزاد منسوب معاناة المواطنين، هل حققت الغاية منها، وهل كان مجلس النواب على موجة واحدة مع رئيس الجمهورية؟ تقول مصادر سياسية ان الرسالة الرئاسية التي تقع في موقعها الدستوري الاكيد، لم تلق من المجلس النيابي التجاوب الذي كان يتوقعه الرئيس عون او الذي كان يسعى اليه، بدليل ان المناقشات التي لم تخل من الحدة احيانا، اسفرت عن موقف نيابي وليس الى قرار او تدبير او قانون.... وهذا الموقف لا يتجاوز الكلام المتكرر الذي يقوله الساسة كل يوم من ضرورة تشكيل حكومة جديدة، وتشغيل البطاقة التمويلية ورفع الدعم بالتزامن مع ذلك التشغيل وغيره من العبارات المنمقة.

لقد بدا واضحاً ان مجلس النواب تعاطى مع الرسالة الرئاسية من منظار يختلف كلياً عن الاطار الذي أراده الرئيس عون الذي حطم الرقم القياسي حتى الآن كرئيس للجمهورية في توجيه رسائل الى مجلس النواب، وإن لم تكن مفاعيلها وفق المرتجى ولا نتائج مناقشتها افضت الى اجراءات عملية. وفي هذا السياق قال مرجع نيابي بارز إن رئيس الجمهورية اخطأ اذا كان يعتقد انه عندما وجه الرسالة، انه يمكن ان يحصل من المجلس على ما يستطع اخذه من مجلس الوزراء بعد اصرار الرئيس حسان دياب على عدم دعوته الى الانعقاد، خصوصاً ان ليس في جو المجلس ما كان يوحي بامكان اصدار قانون يبيح استخدام ما تبقى من احتياطي لدى مصرف لبنان وانه لن يوافق على تشريع يمس بأموال المودعين لأنه يتعارض مع الدستور. وفي رأي المرجع النيابي البارز ان الرئيس عون أراد ان "يفش خلقه" بعد موقف دياب الذي رفض التجاوب مع دعوته لعقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء، فوجد في مجلس النواب المكان الذي رآه مناسبا لــ "فش الخلق" في وقت كان الاجدر به ان يمهد لخطوته باتصالات مع رئيس مجلس النواب نبيه بري حتى يؤمن له الاجواء المناسبة لتحقيق ولو الحد الادنى من تجاوب النواب مع رغبته او مع الغاية التي كانت الرسالة سببها مع الاشارة الى ان الرئيس عون يعرف ان لا اكثرية نيابية تؤيده في مواقفه السياسية بدليل ان ممثلي الكتل الذين تناوبوا في الكلام، اخذوا التوجه الى مسار آخر حول ضرورة تشكيل الحكومة، وباستثناء كلمة رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل لم يرتفع صوت واحد يؤيد ما أراده الرئيس عون في رسالته.

وفي هذا البيان يشرح مصدر نيابي ان "تكتل لبنان القوي" الذي يعتبر من اكبر الكتل النيابية باتت من دون حلفاء حقيقيين داخل الندوة البرلمانية، بدليل ان تيار "المستقبل" الذي كان "يساير" في الماضي "التيار الوطني الحر" احجم عن المسايرة، لا بل هاجم وانتقد وحمل رئيس الجمهورية المسؤولية. كذلك فعلت "القوات اللبنانية" التي "انكسرت الجرة" نهائياً مع شريكها في "تفاهم معراب" وصارت مواقف نوابها اكثر حدة مما كانت عليه في السابق. ولم يكن موقف تيار "المردة" افضل وترجم من خلال مقاطعة نوابه حضور الجلسة حيث شوهد النائب طوني فرنجية في لحظة التئام المجلس النيابي، "يتشمس" في احد مسابح الشمال. وفي الجهة المقابلة، غني عن القول موقف كتلة الرئيس نبيه بري، كتلة التنمية والتحرير، التي تعادي رئيس واعضاء التيار البرتقالي ورئيسه ولا يمكن ان تجاريه في اي توجه او موقف، وترجم هذا العداء من خلال ردة فعل الرئيس بري على كلمة النائب باسيل عندما لوح بالاستقالة فرد بري: اللي بدو يستقيل.... يستقيل... ما حدا يهدد مجلس النواب؟! اما الحليف المفترض لباسيل، اي حزب الله، فبدا في موقفه في عالم آخر اذ آثر عدم مجاراة حليفه البرتقالي في المواقف التي اعلنها وميزت كتلته النيابية موقفها بالدعوة  الى الاسراع في تشكيل الحكومة مركزة على ضرورة تلبية حاجات الناس وانهاء "طوابير الذل". يبقى الحزب التقدمي الاشتراكي الذي لم يكن هو ايضًا في صف مطالب "التيار الوطني الحر"، فبدا باسيل ونواب التكتل وحيدين في داخل البرلمان الذي "عمل واجباتو" الدستورية بالاستماع الى رسالة رئيس الجمهورية لكنه لم يأخذ بها لا بل تجاوز مضمونها المطالبة بالاستعجال في تشكيل الحكومة....

هل كانت الرسالة ضرورية؟

بعد هذا العرض الواقعي، هل كانت ضرورية رسالة الرئيس عون الى مجلس النواب؟ يجيب مقربون من قصر بعبدا ان لجوء رئيس الجمهورية الى استعمال حقه الدستوري في توجيه رسالة الى مجلس النواب كان "الخرطوشة" الاخيرة التي يتيحها له الدستور بعدما سدت في وجهه كل المنافذ، فلا الرئيس دياب قبل دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد في جلسة استثنائية، ولا حاكم مصرف لبنان وافق على استمرار الدعم حتى شهر ايلول المقبل.... لذلك قرر الرئيس العودة الى "النبع" اي مجلس النواب مصدر السلطات لدعوته الى اتخاذ القرار المناسب في مواجهة الازمة الحادة التي هزت البلاد. كان الرئيس يعرف - يقول المقربون من قصر بعبدا - ان رسالته لن تلقى مصيراً افضل من مصير الرسائل السابقة لأن المشكلة تكمن في ان الرئيس بري لا يستسيغ توجيه الرسائل الرئاسية الى المجلس، وبالتالي، فإن امكانية التفاعل معها ايجاباً مسألة غير واردة كما حصل في مرات سابقة، حتى إن رسالة الرئيس عون لتفسير المادة 95 من الدستور بقيت في الادراج ولم تعقد جلسة من اجل تلاوتها على رغم مرور اشهر على ارسالها ولا تزال حيث هي ولا من يحركها! اضف الى ذلك ان الرئيس عون أراد ان يضع مجلس النواب امام مسؤولياته في عدم قيامه بدور انقاذي في غياب الحكومة بحكم تصريف الاعمال... الا ان غالبية النواب "ردت له الإجر" فم تعط رسائله ما كانت تستحق من عناية واهتمام.

لقد بلغ عدد الرسائل الرئاسية اربع رسائل، الاولى في 31 تموز(يوليو) 2019 تضمنت طلباً لتفسير المادة 95 من الدستور وتم تأجيل موعد مناقشتها مرتين ولم يتم تحديد موعد جديد لها. اما الرسالة الثانية فكانت بتاريخ 24/11/2020 وتضمنت طلباً لتفسير "التدقيق الجنائي"، وقد ناقشها المجلس واتخذ بشأنها القرار بتاريخ 27/11/2020 بأن يشمل التدقيق الجنائي كل الوزارات والادارات والمؤسسات العامة بالتوازي، وليس فقط مصرف لبنان.

والثالثة بتاريخ 19 ايار (مايو)2021 وتعتبر سابقة لجهة ما تضمنته حول ظروف تشكيل الحكومة الجديدة والشكوى من اداء الرئيس المكلف تشكيل الحكومة حينها سعد الحريري وما يتعلق بالتكليف النيابي الممنوح له.

وقد عقد المجلس جلسة بتاريخ 21 أيار(مايو) استمع فيها الى تلاوة الرسالة ثم  ناقشها في اليوم التالي في 22 ايار 2021 وخلص المجلس بعد مناقشتها الى موقف يؤكد اصول تكليف رئيس لتشكيل الحكومة وطريقة التشكيل وفق المادة 53 من الدستور واعتبار ان اي موقف يطال هذا التكليف وحدوده يتطلب تعديلاً دستورياً ولسنا بصدده اليوم، وأكد المجلس ضرورة المضي قدماً وفق الاصول الدستورية من قبل رئيس الحكومة المكلف للوصول سريعاً الى تشكيل حكومة جديدة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية.

اما الرابعة فقد وجهت عبر الاعلام منذ يوم السبت في 14 آب (أغسطس) 2021 بينما وصلت رسمياً الى مجلس النواب بتاريخ 17  منه ،وحدد موعد مناقشتها يوم الجمعة 20 آب (اغسطس) الساعة الثانية بعد الظهر في قصر الاونيسكو وفقاً لنص المادة 145 من النظام الداخلي لمجلس النواب، وكانت حول موضوع وقف الدعم عن المواد والسلع الحياتية والحيوية.

تجدر الاشارة الى ان الرئيس عون استعمل مرة واحدة حقه الدستوري في تعطيل جلسات مجلس النواب لمدة شهر عندما استشعر ان ثمة من كان يسعى للتمديد لمجلس النواب السابق وعدم إجراء الانتخابات النيابية في العام 2018، وبالتالي فإن قصة عون مع المجلس النيابي ورئيسه "ليست قصة رمانة .... بل قلوب مليانة"!.