تفاصيل الخبر

دولة تتحاصص "المدعوم" وتحمي السارقين

بقلم علي الحسيني
25/08/2021
صهاريج محروقات من لبنان الى سوريا.

صهاريج محروقات من لبنان الى سوريا.


 تحوّلت عمليات تهريب المازوت والبنزين بين لبنان وسوريا، إلى لغز مُحيّر بعدما عجزت الدولة اللبنانية بكل أجهزتها ومؤسساتها، عن الحد من هذا التهريب الذي تبيّن انه يضر بلبنان أكثر من سوريا خصوصاً في ظل الوضع الاقتصادي المُهترئ الذي يمر فيه منذ نحو عامين، بسبب عجز السلطة بكل مكوناتها عن تحديد آلية موحدة لإدارة البلد. واللافت أن عمليات التهريب، قد ارتفعت وتيرتها مُجدداً في الآونة الأخيرة لتشمل بالإضافة إلى مادتي المازوت والبنزين، الطحين والمواد الغذائية والاسمنت والأدوية حيث أن الأسعار في سوريا تزيد بنسبة ثلاثة أضعاف عما هي عليه في لبنان، حتّى في ظل رفع الدولة اللبنانية الدعم عن العديد من هذه المواد.

وينيّ الدولة؟

 لا أمل يُرتجى من دولة موجودة بالاسم فقط، بينما في الحقيقة هي غائبة أو متقاعسة عن القيام بأقل الأدوار المطلوبة منها خصوصاً بما يتعلّق بمنع عمليات الترهيب ولو على مساحة صغيرة من حدود برية يبلغ طولها 375 كيلومتراً تفصل "صوريّاً" بين لبنان وسوريا حيث تنتشر على هذه الحدود عشرات المعابر غير الشرعية، التي يجري استغلالها وتسخيرها لتهريب مختلف أنواع السلع من لبنان إلى سوريا، رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يشهدها لبنان أيضا. هذا مع العلم، أن الجزء الأكبر من عمليات التهريب هذه يجري عبر المناطق الشمالية السهلية، بسبب عدم وجود ثغرات في سلسلة جبال لبنان الشرقية، مما يصعب التهريب عبرها. وبالإضافة إلى العامل الجغرافي، يدخل أيضاً عامل العلاقة والقرابة بين العديد من أبناء منطقة الهرمل والداخل السوري حيث تشكّل منطقة الهرمل امتداداً عائلياً وعشائرياً بين البلدين، وفي الوقت نفسه، هي خط عبور إلى مناطق أخرى تشهد عمليات تهريب إلى سوريا، مثل عكار ووادي خالد.

وبحسب مصادر سياسية بارزة، فإن قيمة البضائع التي تم تهريبها من لبنان الى سوريا خلال السنوات الأربع الأخيرة، تجاوزت العشرين مليار دولار، حيث استمر مصرف لبنان طوال هذه الفترة، دعم استيراد الطحين والمازوت والأدوية بنسبة 85 في المئة على السعر الرسمي لصرف الدولار 1507، ما يعني أن أي تهريب لهذه المواد هو الذي أدى في نهاية المطاف، إلى استنزاف القدرة المالية للمصرف المتعثّر أصلاً إضافة إلى استنزاف قدرة الدولة على توفير السلع الأساسية للسوق المحلية.

كما انه خلال السنوات الماضية، كانت أعلنت السلطات اللبنانية أكثر من مرة عن نيتها إقفال 136 معبراً غير شرعي مقابل 5 معابر شرعية على الحدود اللبنانية السورية، ولكن من دون جدوى، إذ بقيت هذه المعابر "المعروفة" والتي تعبرها قوافل الشاحنات يومياً من دون حسيب أو رقيب. 

ما هي حدود مسؤولية "حزب الله"؟

بحسب الروايات الداخلية، هناك نفوذ واضح لـ"حزب الله" بالإضافة إلى "الفرقة الرابعة" في الجيش السوري التي يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، على كل المعابر غير الشرعيّة التي تقع ضمن مناطق سيطرتهما من الناحيتين اللبنانية والسورية، وبخاصة منطقة "القصير" التي تحوّلت بفعل سيطرة الحزب امتداداً جغرافياً لـ"بعلبك- الهرمل"، لدرجة أن مئات المواطنين اللبنانيين باتوا يتنقّلون يومياً بين حدود البلدين، لشراء احتياجاتهم والاستفادة من فارق الأسعار.

وعلى الرغم من أن القانون اللبناني يعاقب على عمليات التهريب من هذا النوع، باعتبارها جريمة جنائية، كونها تشكل هدراً للمال العام عبر تهريب البضائع المدعومة، لا سيما المحروقات، في ظل ظروف اقتصادية صعبة يمر بها لبنان، إلّا أن استمرار عمليات التهريب لا يعتبر تكريساً لغياب سلطة القانون فحسب، لأن ثمّة من في هذه السلطة سواء من خلال المواقع السياسية أو الأمنية، يُغطّون عمليات التهريب بقرار شخصي، متلطين بزعامات سياسية يُمكنها أن تقلب الوضع العام اللبناني في أي لحظة، من خلال موقعها الطائفي والمذهبي والحزبي.

المرصد السوري: تحايل على العقوبات

من جهته، اعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ أيّام قليلة، أن عمليات تهريب المحروقات من لبنان والمتاجرة بها في سوريا تتصاعد بشكل كبير وأن عناصر "حزب الله" و"الفرقة الرابعة" السورية تتحايل على العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام وتفتح "سوقاً سوداء" للمحروقات في البلاد. ونقل المرصد أن مقاتلي الحزب وعناصر الفرقة الرابعة يقومون بجلب المحروقات مثل "البنزين والمازوت" من لبنان إلى سوريا عبر معابر غير شرعية في ريف حمص لتتحول المنطقة هناك إلى أحد أكبر منابع المحروقات في السوق السوداء ومنها إلى باقي المحافظات، كاشفاً أن أسعار المحروقات تصل إلى 2000 ليرة سورية للتر الواحد من المازوت، و2500 ليرة سورية للتر الواحد من البنزين، مقابل 185 ليرة للتر المازوت و750 للبنزين وفق التسعير الرسمية.

وما يُفاقم معاناة اللبنانيين أن استمرار التهريب سيضع بلدهم تحت سيف عقوبات قانون "قيصر" بعدما بات محطة أساسية للالتفاف عليه من أجل دعم النظام السوري، وهو ما سيدفع بالولايات المتحدة الأميركية إلى وضع مصرف لبنان ‏على لائحة العقوبات، لأنه يُساهم من خلال دعمه استيراد مواد أساسية إلى لبنان وفق سعر الصرف الرسمي، بمخالفة قانون قيصر، وفي هذه الحالة، ستمتنع دول عديدة من تصدير بضائع إلى لبنان إذا ما تمّ وضع مصرفه المركزي على لائحة العقوبات.‏

من هنا، لا تستبعد مصادر اقتصادية أن تفرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مصرف لبنان إذا استمرّ بدعم المحروقات وفق سعر الصرف الرسمي والتي يُهرّب قسم كبير منها الى سوريا في خرق واضح لقانون قيصر. ولذلك جاء القرار برفع دعم مصرف لبنان عن مادتي المازوت والبنزين، خشية أن تطاله العقوبات الأميركية، وهو الامر الذي ساهم خلال الأيّام الماضية، بحركة العبور الكثيفة لشاحنات مُحملة بمادتي البنزين والمازوت، من لبنان إلى سوريا، وما رافقتها من مظاهر احتجاجية في العديد من المناطق الحدودية، وتدخل القوى الأمنية للحؤول دون تطور الإشكالات بين المواطنين، وبين سائقي الصهاريج وأصحاب الشركات.

فضيحة الفضائح من قلب لبنان

وفي استمرار لعملية النزف الحاصل في أموال الدولة اللبنانية وهدرها على طريقة السياسيين، فقد كشفت معلومات موثوقة أن وزيرة سابقة تنتمي إلى تيّار سياسي تقوم بتوزيع "هدايا" عبارة عن مازوت مدعوم بسعر أقل من أربعة ملايين ليرة للطن الواحد وذلك من "الحصّة" التي تحصل عليها بدعم من تيارها السياسي. وأكدت المعلومات أن من بين المستفيدين من "هدايا" الوزيرة بشكل دوري فندقاً معروفاً في منطقة أدما حيث تربط الوزيرة علاقة صداقة قويّة بأصحاب الفندق بالإضافة إلى مبنى ضخم يقع في منطقة الأشرفية يعود لشخصية مرتبطة أيضاً بالحلقة الضيّقة بأصدقاء الوزيرة.

وفي السياق، تكشف معلومات أن "حزب الله" دخل بشكل جدي على خط المازوت حيث بدأ فعلاً منذ أيّام، بإدخال البنزين والمازوت المستورد من ايران الى لبنان عبر الحدود البرية مع سوريا. وبحسب المعلومات، فإن "الحزب" كان يحاول في السابق من خلال اجتماعات كثيرة عقدت مع المعنيين في منشآت النفط في الزهراني ان يفرغ حمولة الناقلات الايرانية التي تأتي من طهران في المصفاة ولكن الرفض كان سيد الموقف. ولفتت المعلومات الى ان الحزب لجأ الى السلطات السورية مباشرة وتم تنسيق الامر معها، بحيث تأتي ناقلة النفط الى مصفاة بنياس، ومن ثم تنقل براً الى لبنان ليتم تفريغها في محطات "الامانة" التابعة للحزب، مبينة ان إسرائيل لجأت اكثر من مرة سراً وعلانية الى ضرب بعض الناقلات التي تصل الى مصفاة بنياس من اجل تشديد الخناق على الحزب.


الفرقة الرابعة في الجيش السوري..اي دور لها؟

الفرقة الرابعة في الجيش السوري..اي دور لها؟

مصرف لبنان.. الهروب من "قانون قيصر".

مصرف لبنان.. الهروب من "قانون قيصر".