تفاصيل الخبر

رفض دياب دعوة عون لعقد مجلس الوزراء يطرح مجدداً إشكالية صلاحيات الرئيس في الطائف

18/08/2021
الرئيسان ميشال عون وحسان دياب.. خلاف حول الصلاحيات وتفسير الدستور.

الرئيسان ميشال عون وحسان دياب.. خلاف حول الصلاحيات وتفسير الدستور.


 الخلاف الذي نشأ بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب الذي رفض التجاوب مع طلب الرئيس عون انعقاد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء للبحث في قرار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة رفع الدعم عن المحروقات، أثار مجدداً اشكالية قديمة – جديدة تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية بعد اتفاق الطائف والتي تقلصت قياســاً الى مــــا كــانت عليه قبل هذا الاتفاق. واذا كانت بعبدا اعتبرت مـــوقف ديــاب "مستغرباً" و"سلبياً" خصوصاً ان الاوضاع المتردية في البلاد تفرض انعقاد مجلس الوزراء لمحاولة معالجتها، فإنها في المقابل رأت فيه تصرفاً غير مسؤول من رئيس الحكومة لاسيما وأن الرئيس عون استعمل حقه المكرس في الدستور المنبثق عن اتفاق الطائف بدعوة مجلس الوزراء الى جلسة استثنائية، وبالتالي فإن رئيس الجمهورية لم يخالف الدستور ولو كانت الحكومة في مرحلة تصريف الاعمال لأن لا نص دستورياً يمنع انعقاد مجلس الوزراء عند الضرورة القصوى ولو كانت الحكومة مستقيلة وتصرف الاعمال. وفي ذلك الوضع، كانت هناك سابقتان بعد الطائف في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية التي عقدت جلستين لمجلس الوزراء في فترة تصريف الاعمال واتخذت قرارات مالية وتنفيذية اصبحت نافذة فرضتها حالات معينة مرت بها البلاد في حينه.

ويرى حقوقيون ان الدعوة الرئاسية قانونية ودستورية في حين ان رد الرئيس دياب بالرفض كان سياسياً وليس دستورياً وإن كان دستور ما بعد الطائف اعطى رئيس الحكومة حق توجيه الدعوة الى انعقاد مجلس الوزراء وهي، في مفهوم هؤلاء الحقوقيين، ليست حقاً حصرياً له بدليل ان الطائف اعطى رئيس الجمهورية هذا الحق عندما يرى ذلك ضرورياً، مفترضاً ان رئيس الحكومة لن يعارض مثل هذا الامر لاسيما اذا كانت البلاد تمر في ازمات خطيرة على مختلف الصعد مثل تلك التي يمر بها لبنان. صحيح ان الرئيس دياب استعمل حقاً اعطاه اياه الدستور في الدعوة لمجلس الوزراء، لكن الصحيح ايضاً ان عدم التجاوب مع رغبة رئيس الجمهورية بحجة ان الحكومة مستقيلة وتصرف الاعمال في حدها الادنى، يحمله مسؤولية سياسية ومعنوية في آن، لاسيما وان اسباب الدعوة الرئاسية وجيهة ومنطقية ومبررة لمواجهة فقدان المواد الاساسية في البلاد وغرقها في العتمة وتوقف المستشفيات وفقدان الادوية وغيرها من الحالات المستعصية التي تتطلب معالجات سريعة واستثنائية. وقد اضطر الرئيس عون حيال هذا الواقع المستجد الى مراسلة مجلس النواب ودعوته الى اتخاذ اجراءات يحل فيها محل السلطة التنفيذية كمثل اقرار قانون يجيز لحاكم مصرف لبنان استعمال الاحتياطي الالزامي الموجود لدى المصرف المركزي لدعم شراء المواد الاساسية مثل المحروقات على انواعها، والدواء والمستلزمات الطبية والاستشفائية العاجلة.

خلل بين السلطات يستوجب التعديل

وفي رأي الحقوقيين أن في موقف الرئيس دياب بعض التنازل عن مسؤولية السلطة التنفيذية لمصلحة السلطة التشريعية ما يحدث خللاً في أدوار السلطتين لجهة طغيان واحدة (التشريعية) على اخرى (التنفيذية)، وهو امر يصبح في حال تكرس بالممارسة بقوة الاعراف المعمول بها في لبنان ولها القوة المعنوية والعملية للنصوص الدستورية القائمة.... واعتبر هؤلاء ان تقيد الرئيس عون بالنصوص الدستورية المنبثقة عن اتفاق الطائف يسقط عنه كل التهم التي توجه اليه من خصومه السياسيين، من ان يقف في طليعة الرافضين لاتفاق الطائف الذي "قضم" صلاحيات رئيس الدولة، لصالح مجلس الوزراء مجتمعاً، لكن الممارسة منذ العام 1992 وحتى اليوم، جعلت هذه الصلاحيات حكراً على رئيس الحكومة من دون العودة الى مجلس الوزراء مجتمعاً في كثير من الاحيان، علماً ان من دشن هذه السلطة الاحادية لرئيس الحكومة كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي اصطدم مراراً مع الرئيس الراحل الياس الهراوي، والرئيس الاسبق اميل لحود قبل اغتياله في 14 شباط (فبراير) من العام 2005. 

ولأن النظام في لبنان طوائفي، فإن اي انتقاص من صلاحيات رئيس الدولة او رئيس الحكومة يفسر فوراً على انه انتقاص من حقوق هذه الطائفة او تلك، وهنا الامر محصور بين الطائفتين المارونية والسنية، علماً ان ثمة من يقول إن اتفاق الطائف احدث اجحافاً في حقوق المسيحيين، واعطى الفريق المسلم حصة ونفوذاً اكبر، الامر الذي جعل خصوم الرئيس عون يتهمونه بالسعي دائما الى استرجاع امتيازات الرئيس الماروني...

 وفي هذا السياق يقول قانوني يدعم موقف رئيس الجمهورية انه حين يتعلق الامر بأي منصب رسمي في الدولة، يسارع ابناء الطائفة المعنية للدفاع عنه، تحت اي حجة ومهما كانت الظروف، بحيث تتوحد الكلمة والموقف مهما كانت الانقسامات، الا ضمن الطائفة المسيحية المنقسمة دائماً بسبب المناصب والزعامات، سائلاً لماذا لا يشير احد الى صلاحيات رئيس الجمهورية اللبناني المسيحي التي استبيحت في الطائف؟ وجعلت منه رئيساً لا يملك اي رأي بمفرده، اي مطوق من كل حدب وصوب، ما يجعل الحديث الذي كان سائداً في فترة سابقة عن ضرورة تعديل اتفاق الطائف، من ناحية اعادة الصلاحيات الى رئاسة الجمهورية منسياً، فيما المطلوب ان تكون الشرط الاساسي لاستعادة التوازن في لبنان، واعادة الاستقرار الى السلطة، بعد ان انتجت محادثات النواب اللبنانيين في مدينة الطائف في العام 1989 تسوية خارجية، نتجت منها وثيقة الوفاق الوطني، التي ادخلت جملة من الاصلاحات الدستورية والسياسية على النظام السياسي اللبناني، وعلى الرغم من السنوات التي مرت لا تزال معظم بنود الطائف حبراً على ورق". 

وأشار القانوني الى أن الدعوات كانت تتجدد قبل سنوات بين الحين والآخر، بهدف اصلاح الثغرات الدستورية، لتمكين السلطات بما فيها رئاسة الجمهورية من ممارسة دورها بصورة فاعلة، ولطالما وجهت الانتقادات والشكاوى من قبل بعض الاطراف، وخصوصاً المسيحيين منهم ضد اتفاق الطائف، او الدستور الذي وضع للبنان نتيجة  تسويات وظروف معينة حينها، والذي ادى الى اضعاف صلاحيات رئيس الجمهورية خلال التوزيع الطائفي للرئاسات الثلاث. وسأل: "أيعقل ان يتأخر تأليف الحكومة من دون ان يكون رئيس الجمهورية قادراً على فرض التأليف؟ او دعوة الرئيس المكلف الى الاعتذار لتكليف سواه اي على غرار ما حصل مع الرئيس سعد الحريري، حين كلف بتولي الحكومة واستمر التناحر 9 اشهر؟.

واعتبر القانوني أنه لا توجد مسؤوليات من دون صلاحيات، كما لا يجوز طرح موضوع الصلاحيات من زاوية عدائية لموقع رئاسة الحكومة، مشيراً الى انه من المستحسن منح رئيس الجمهورية مثلاً، صلاحية دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد بصورة استثنائية، اذا دعت الحاجة الى ذلك، من دون ان تكون هذه الدعوة مقيدة بموافقة رئيس مجلس الوزراء، وشدد على ضرورة اعتماد الدقة في طرح هذه المسألة، لأن لبنان دولة قائمة على توازنات دقيقة جداً. واذا اردنا فعلاً ان يكون رئيس الجمهورية حكماً، فيجب ان يتمتع بالقرار والحسم، والا فسنبقى في الخلافات والمنازعات في كل مسألة مطروحة في لبنان، اذ لا بد ان تؤدي الى ازمة طائفية، لأن احدى الطوائف ستعتبر بأنها المعنية لأن تعديلات الطائف نقلت السلطة من رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء ورئيسه، والغت معها دور الرئيس في حسم الخلافات اذا وقعت في المجلس، خاصة ان دستور الطائف اشترط اكثرية الثلثين لاتخاذ قرارات تعتبر مصيرية، متمنياً لو يجهد المسيحيون اليوم من اجل اعادة الصلاحيات الى الرئاسة الاولى، قبل ان يتباروا بالخلافات والتناحرات.

ونقل المصدر القانوني عن التيار الوطني الحر طموحه بتعديل الطائف، لسد الثغر التي تتحكم اليوم بتأليف الحكومة، لكن التوقيت لا يساعد، في حين ان هذا التعديل الذي يصعب تحقيقه سيؤدي الى اعادة الاستقرار للسلطة، وإلا سيبقى الخلاف مسيطراً الى ما لا نهاية، في كل استحقاق او مسألة مهمة مطروحة.