تفاصيل الخبر

حملة مناصري حزب الله على الراعي رفعت منسوب الالتفاف المسيحي حوله

18/08/2021
البطريرك بشارة الراعي يطالب بتدخل الجيش لمنع إطلاق الصواريخ.

البطريرك بشارة الراعي يطالب بتدخل الجيش لمنع إطلاق الصواريخ.



 لم تكن مبررة ولا مقبولة، الحملة التي تعرض لها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في الأسبوع الماضي على أثر المواقف التي أطلقها في عظة الأحد وما تضمنته من انتقادات لعملية قصف المقاومة لمحيط مواقع اسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة رداً على الغارات الجوية الاسرائيلية التي استهدفت للمرة الاولى منذ العام 2006 بلدات جنوبية، حيث دعا البطريرك الجيش الى منع اطلاق الصواريخ، لئلا تستغل اسرائيل ذلك لشن عدوان رابع على لبنان تريد القيادة الاسرائيلية الجديدة ان ترتكبه في حق لبنان لاثبات "قدرتها" على ردع حزب الله بعدما فشلت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "بنيامين  نتنياهو" في تحقيق ذلك. صحيح ان ثمة من سارع الى التخفيف من حدة الحملات التي استهدفت البطريرك فاستطاع الحد من بعضها فيما استمر البعض الآخر، لكن الصحيح ايضاً ان ما حصل ظهر الخلاف السياسي بين الحزب وبكركي على وسعه وعمقه، لاسيما في ما خص الخيارات الاستراتيجية المتعلقة بملف المواجهة مع اسرائيل وسط تعارض شديد في مقاربة قواعد محاكاة هذا التحدي والتعامل معه.

واذا كانت الحملات القوية على البطريرك الراعي تركت ندوباً في العلاقة بين الحزب وبكركي لاسيما مع استعمال مواقع التواصل الاجتماعي المؤيدة للمقاومة عبارات نابية وغير لائقة حيال قامة دينية كبيرة مثل البطريرك، فإن رأس الكنيسة المارونية حظي بدعم واسع وموجة من التضامن والتعاطف معه الى درجة ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون و"التيار الوطني الحر" انضما الى الفريق المؤيد وغادرا " المنطقة الرمادية " معترضين على الهجوم الذي تعرض له البطريرك وأعربا في مواقف معلنة عن الاستنكار والإدانة. 

اما المحصلة السريعة لتلك المواجهة فكانت توقف كل المساعي لترتيب العلاقة بين بكركي والحزب والمحاولات السابقة التي تمت لايجاد "ربط نزاع" بين الطرفين. ويعتبر متابعون لمساعي تقريب وجهات النظر ان الهوة التي تفصل بكركي وحارة حريك هي اكبر من ان تردمها المجاملات في المناسبات، او الاجتماعات المتفرقة والمتقطعة للجنة الحوار المشتركة التي تضم ممثلين عن الطرفين، لكن وعلى رغم ان "حزب الله" يقر ضمناً بأن التفاهم مع بكركي متعذر حتى إشعار آخر. وان الحوار بينهما يبدو غير منتج قياساً على حصيلة التجارب السابقة. الا انه يحاذر في الوقت نفسه اقفال خط الرجعة وفتح "جبهة" من قبله على البطريركية المارونية لاقتناعه بأن اي مواجهة جانبية من هذا النوع ستكون من دون جدوى، بل ان اي هجوم انفعالي على بكركي، خارج المألوف في التخاطب والاختلاف سيؤدي الى اصطفاف طائفي وشد عصب فئوي من شأنهما الاضرار بمصلحة المقاومة وليس خدمتها كما يؤكد قريبون من الحزب. واستناداً الى هذه القاعدة، اتخذ حزب الله، بعد عظة الراعي المنتقدة لعملية المقاومة، قراراً بعدم الرد عليه وبتفادي الدخول في سجال مباشر معه على مستوى كل الاطر الحزبية المعنية بتنفيذ قرار القيادة، معتبراً ان الافضل هو تجاهل الأمر وغض الطرف عنه. اما مواقع التواصل الاجتماعي المحسوبة على البيئة الحاضنة للمقاومة فقد افلت بعضها من الضوابط وذهب بعيداً في الهجوم على الراعي، وهو الامر الذي تلقفه خصوم  حزب الله لتحميله المسؤولية عن الحملة ضد البطريرك من جهة، ولاحراج حليفه البرتقالي في الساحة المسيحية من جهة اخرى.

نصر الله المنزعج سارع الى المعالجة

ويقول قريبون من قيادة حزب الله ان اكثر المنزعجين من توسع الحملات خصوصاً في العالم الافتراضي، كان الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله الذي لاحظ ان الجدل تحول الى مادة للتوظيف السياسي والانتخابي ضد الحزب "والتيار الوطني الحر" على اساس ان ما يجمعهما "تفاهم مار مخايل" وبالتالي فإن الهجوم على البطريرك استتبع بهجوم على التيار للرد على "تفاهمه" مع الحزب. لذلك سارع السيد نصر الله - كما يقول القريبون - الى حسم الالتباس والتعميم على المناصرين، والقاعدة بأنه يرفض التعرض للبطريرك بالشتائم مع ضرورة احترام الحق في الاختلاف مع الرأي الآخر ومناقشته بالسياسة. وقد وجد معاونو "السيد" صعوبة في ضبط مواقع التواصل في بادىء الامر، الى ان تمكنوا من "لجم" الاندفاعة التي ذهبت بعيداً وبطرق غير لائقة وغير مناسبة. ويؤكد القريبون ان السيد نصر الله انطلق في تدخله المباشر لاحتواء تداعيات الحملة على الراعي من الاعتبارات الاتية:


1- الاعتراض المبدئي على التجريح الشخصي بالبطريرك واستخدام أدبيات لا تتناسب وقاموس الحزب الواثق في ان هناك من الادلة والبراهين ما يكفي للدفاع عن قضية المقاومة من غير الحاجة الى استعمال اسلحة محرمة اخلاقياً.

2- منع اي فتنة شيعية - مسيحية محتملة على غرار سعي الحزب الدائم الى التصدي للفتنة الشيعية - السنية، لمعرفته بأن الاشتباك الطائفي او المذهبي يشكل الخطر الاكبر على مشروع المقاومة.

3- تخفيف الحرج والضغط عن الرئيس عون والتيار الوطني الحر في الوسط المسيحي.

4- الحؤول دون اعطاء الفريق الآخر فرصة لاستغلال التصويب على الراعي من اجل التعبئة الانتخابية وتحقيق مكاسب شعبوية.

 إلا أن مصادر متابعة ترى ان مثل هذه المواقف التي صدرت عن مناصرين لحزب الله اعطت انطباعاً ان الحزب بات محرجاً حتى داخل قاعدته مع ظهور تململ في ضوء تردي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأن "خسارة " ما تسجل في الدعم الذي يلقاه في القواعد الشعبية اللبنانية. ذلك ان القاعدة السنية على خلاف مستحكم مع الحزب، وكذلك القاعدة الدرزية، ولو بنسبة اقل، ومن غير الملائم ان يسجل التراجع ايضاً في القاعدة المسيحية التي كانت تدعم مواقف الحزب بنسبة كبيرة بفعل "التفاهم" مع "التيار الوطني الحر"، مع العلم ان القاعدة المسيحية القواتية على عداء معلن وقوي مع الحزب. لذلك رأت هذه المصادر ان على قيادة الحزب ان تبذل جهوداً اضافية لاعادة  ترميم العلاقة مع الفريق المسيحي الذي كان يدعمها وذلك من خلال "تصحيح" الخلل الذي برز بعد الحملة على البطريرك لاسيما وان بكركي التي تعرضت على مر الازمنة لمحاولات اضعاف هذا الموقع المتقدم او محاولة الحط من قدره ومقاطعته احياناً، كانت تخرج دائماً اقوى من قبل ويزيد الالتفاف على سيدها ومواقفه السياسية والسيادية. وتذكر هذه المصادر بالضغوط المختلفة التي مورست على الصرح البطريركي في زمن حبرية البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير، خصوصاً انه عندما يصدر الانتقاد من جهة او حزب او جماعة لها طابعها الديني قبل الطابع السياسي، فإنها تتخذ ابعاداً اخرى انطلاقاً من محاولات مستمرة تنبع من اعتبارات مختلفة، لاسيما وانه عندما يتم اعطاء الضوء الأخضر لرجل دين "ممتاز" لاطلاق النار المستمر على الصرح وسيده، فإن الحملة لا يمكن ان تكون عفوية وبريئة، وانما منظمة لها اهدافها التي لا تخرج عن اهداف الجهة المنظمة لها، تلك الاهداف البعيدة المدى، وليس السياسات اليومية القابلة للتحول لمصالح آنية.

أما الجانب الآخر من الحملة، ففيه خطاب التخوين، ذلك الخطاب البائد الذي استعمل في السابق للضغط على كل المعارضين. وكان يخيف لا لسبب كامن فيه، بل لانه كان يفبرك من سلطة وصاية ظالمة وقادرة على إصدار الاحكام العرفية وتنفيذها من دون وجه حق وفي غياب الحق بالاعتراض او الاستئناف.

في اي حال، ترى المصادر المتابعة ان "حالة الاستقواء بقوة السلاح، لا يجوز ان تصل الى المقامات الدينية والروحية لأن في ذلك خسارة للمستقوي، والمزيد من الربح للمستقوى عليه، لاسيما وان الظروف الراهنة في البلاد لم تعد كما كانت لسنوات خلت تجاه حزب الله الذي تشعر قيادته بهذا الفارق الذي من الصعب تعويض الخسارة فيه.




السيد حسن نصرالله يسارع الى معالجة تداعيات الحملة على الراعي.

السيد حسن نصرالله يسارع الى معالجة تداعيات الحملة على الراعي.