تفاصيل الخبر

درعا إلى واجهة النظام السوري مُجدداً

بقلم علي الحسيني
18/08/2021
الجيش السوري في درعا.

الجيش السوري في درعا.


 عادة "قرقعة" السلاح لتُسمع مُجدداً في الداخل السوري وذلك على وقع مُحاصرة الجيش السوري للمجموعات المُسلحة واستعداده لحسم أمرهم في حال رفضوا شروط الاستسلام التي يُقدمها الجيش السوري لما يُسمّى بـ"اللجنة الأمنية" التي تُفاوض مسؤولين كباراً في جيش النظام السوري. علماً أن معظم المسلحين الذين كانوا سووا أوضاعهم قبل ثلاث سنوات مع الحكومة السورية عادوا وانقلبوا على بنود الاتفاق حيث قاموا بتنفيذ عمليات عدّة استهدفت ضباطاً وجنوداً في الجيش قبل نحو شهر من الآن.

النظام والمسلحون.. كمائن وانقلابات

 تُشير الروايات العابرة للأجواء السورية ـ اللبنانية بأن حصار الجيش السوري لأحياء درعا أجبر المسلحين على الرضوخ قبل أيام لاتفاق جديد حيث اجتمعت "اللجنة المركزية" للتفاوض باسم المسلحين مع ممثلين عن الجيش السوري، وقد جرى التوصل بين الجهات الى اتفاق كان يجب أن يبدأ تنفيذه على عدة مراحل منذ اسبوعين تقريباً. ومن ضمن الاتفاق هذا: تسليم المُسلحين للجيش السوري الأسلحة الخفيفة كبادرة حسن نيّة على طريق تسوية أوضاع أكثر من مئة مُسلح، على أن تدخل بعدها القوّات الأمنية السورية إلى درعا كخطوة أولية، ثم تبدأ المرحلة الثانية بفتح جميع الطرق المؤدية إلى المدينة والتي كان الجيش السوري قد أغلقها منذ بداية حصاره بسبب وجود مُسلحين بداخلها، على أن تعود بعدها جميع المؤسسات الرسمية في درعا إلى حضن الدولة.

وبحسب الروايات، منذ عشرة أيّام تقريباً، بدأ تمركز قوات الجيش السوري في محيط أحياء درعا تمهيداً لدخولها وفق نص الاتفاق، ولكن ما إن بدأت القوات بدخول أحياء درعا البلد حتى تعرضت لكمين من المسلحين على أطراف حي البحار وعند نقطة حاجز الكرك ما أدى لوقوع إصابات عديدة واندلاع اشتباكات عنيفة وهو ما أدّى إلى خرق الاتفاق بين الجيش السوري والمُسلحين خصوصاً وأن اللجنة المركزية تذرّعت بأن خلافاً قد حصل بين الفصائل المُسلّحة، بالإضافة الى رفض قسم كبير من المُسلحين توقيع أي اتفاق مع النظام السوري الذي كان عرض عليهم ترحيلهم باتجاه الشمال السوري.

في المشهد.. دور الروسي والتفاف أميركي

 ثمّة من يقول، إن روسيا هي التي تدير المشهد من الخلف من خلال استخدامها القوات المدعومة من ايران، للضغط على أهالي درعا من أجل تعديل شروط التسوية التي تم توقيعها في العام 2018 بين اللجنة المُنبثقة عن المُسلحين والدولة السورية. ومن جهة أخرى، تبدو روسيا وايران ودمشق مستاءة من كثافة الحراك السياسي في درعا، والموجه ضد النظام السوري، فما جرى من مقاطعة لانتخابات رئاسة الجمهورية منذ فترة قصيرة في درعا، كان له دلالات خطيرة تُشير أن تدخلاً أميركياً حصل تمهيداً لإعادة إنتاج الجبهة الجنوبية التي كانت تتبع لـ"الجيش السوري الحر" الأميركي المنشأ. من هنا، جاء القلق الأميركي على لسان مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إزاء الوضع في درعا بما في ذلك التقارير عن إلحاق الأذى بالمدنيين، والظروف الصعبة للغاية والمقيدة التي يفرضها النظام السوري على السكان، إضافة إلى ما أفادت به مجموعات حقوقية سورية عن مقتل مدنيين في القتال مع نزوح الآلاف ومعاناة آلاف آخرين من نقص الغذاء والأدوية.

وقال المسؤول الأميركي إن هذه الأحداث دليل إضافي على ما قالته الولايات المتحدة منذ فترة طويلة بأن الأزمة الإنسانية في سوريا هي نتيجة مباشرة لهجمات نظام الأسد المروعة والقاسية على الشعب السوري، ولا يمكن حل النزاع إلا من خلال الانتقال السياسي بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي 2254.

الجنوب السوري.. ساحة مصالح ونفوذ

 ضمن الإستراتيجيات التي تضعها الأطراف فوق طاولة البحث بما يتعلّق بمدينة درعا، ثّمة تفسيرات عدّة أبرزها، أن التوتر الذي تعيشه حالياً إنما جاء نتيجة طبيعية لتغيّر المعطيات الإقليمية والدولية التي تحيط بملف المنطقة، وأن دمشق التي لم يصدر عنها أي موقف رسمي إزاء المبادرة الأردنية قد تكون فهمت من تصريحات الملك الأردني عبد الله الثاني حول بقاء النظام السوري وضرورة التحاور معه، أنه انعكاس لمناخ إقليمي ودولي جديد يسمح لها باقتناص الفرصة من أجل محاولة تغيير قواعد التسوية في درعا بما ينسجم مع المتغيرات الاقليمية والدولية. 

لكن في المقابل، ثمّة تفسير آخر يُشير إلى أن بعض الدول والجهات الإقليمية والدولية لا تنظر نظرة ارتياح إلى المبادرة الأردنية لما فيها من تغليب لمصالح الأردن على مصالح بقية الأطراف الفاعلة في ملف الجنوب السوري، لذلك حاولت هذه الجهات من خلال التصعيد الأخير أن تضع العصيّ في دواليب المبادرة لمنع تحقيق الانفتاح الأردني على دمشق. من هنا، تجتمع الآراء عند مقولة، إن ساحة الجنوب السوري تعتبر مسرحاً لتشابك المصالح الإقليمية والدولية الأمر الذي يجعل من التطورات الدائرة فيها أبعد ما تكون من الشأن الداخلي المحض، حتى إن اتفاق التسوية الذي رعته روسيا بين الجيش والفصائل عام 2018 لم يكن ليرى النور في ذلك الوقت لولا الغطاء الذي وفّره التفاهم بين روسيا والولايات المتحدة والأردن بخصوص ضمّ الجنوب السوري إلى مناطق خفض التصعيد. 

جابر: المشكلة بدأت من درعا وفيها تنتهي

 من جهته يوضح رئيس مركز "الشرق الأوسط للدراسات"، العميد الركن هشام جابر أن درعا تختلف عن إدلب كثيراً، حيث لا يمكن المقارنة بينهما حيث إن درعا لم تتجمع فيها منظمات ارهابية كـ"النصرة" و"أحرار الشام" وغيرهما كتلك الموجودة في ادلب. كما في درعا مسلحون معارضون للنظام ويشكلون خطراً على الأمن السوري جنوباً، تتولى رعايته ومعالجته اولاً الدولة السورية ومن ثم العشائر بمؤازرة الشرطة العسكرية الروسية، إذ لا يوجد في درعا نفوذ تركي أو اميركي، فقط الدولة السورية والروس والعشائر. كما تلعب روسيا دوراً مهماً هناك.

وبحسب جابر، فإن المشكلة في سوريا بدأت من درعا ومن المفترض ان تنتهي فيها. نعم حصلت عدة مصالحات لكنها لم تنته نهائياً كما انتهت في أكثر من منطقة، وتتأزم مجدداً من وقت لآخر. والحقيقة أن درعا تتمتع بخصوصية مميزة، أولاً من حيث موقعها الجغرافي في الجنوب السوري، فهي تشكل قلب منطقة حوران وقريبة من عدة مفاصل مهمة، وهي قريبة شرقاً من جبل الدروز أو جبل العرب وغرباً من منطقة قَطَنا وصولاً الى حدود الجولان المحتل. وثانياً تتمتع بخاصة ديموغرافية، لأنها تضم قبائل وعشائر وعائلات ومعارضين للنظام. وقد حاول النظام السوري إجراء مصالحات، لكنها كانت تتوقف عند حدود معينة.

وختم جابر: لا يمكن أن نقول إن قصة درعا ستنتهي غداً، فهي مستمرة منذ عشر سنوات، ولو كانت ستُحل لكانت أُعلنت ببساطة مدينة مفتوحة ودخل اليها النظام. ففي الحسكة والرقة الدولة السورية موجودة بأجهزتها والشرطة والدوائر الرسمية، أما في درعا المدينة فلا سيطرة للنظام. لكن لا شك ان صمود درعا طوال هذه السنوات، يؤكد أن هناك أيادي خارجية تساعد وتموّل المسلحين وتستعملهم كورقة تساوم عليها النظام السوري.


سقوط تمثال للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في درعا.

سقوط تمثال للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في درعا.

والفصائل المعارضة أيضاً في ريف درعا.

والفصائل المعارضة أيضاً في ريف درعا.

العميد الركن هشام جابر: درعا ورقة يساوم عليها النظام السوري.

العميد الركن هشام جابر: درعا ورقة يساوم عليها النظام السوري.