تفاصيل الخبر

الاتفاق على توزيع الحقائب على الطوائف لا يعني بالضرورة التفاهم على أسماء الوزراء!

12/08/2021
الرئيسان ميشال عون و نجيب ميقاتي.

الرئيسان ميشال عون و نجيب ميقاتي.


اذا كان التفاؤل الذي أبداه الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وهو يغادر قصر بعبدا يوم الأربعاء الماضي، في محله، فإن الحكومة العتيدة يفترض أن تصدر مراسيمها خلال الأيام القليلة المقبلة.... واذا كان ما قاله ميقاتي هدفه بث أجواء ايجابية في البلاد للحد من ارتفاع سعر الدولار الأميركي فقط، فإن ذلك يعني أن عملية التشكيل ستأخذ وقتاً اضافياً يتجاوز الأيام او ربما الأسابيع المقبلة. صحيح أن الاجواء التي اشيعت من قصر بعبدا أنه تم الاتفاق على 90 في المئة من عملية توزيع الحقائب على الطوائف وأن مرحلة إسقاط الأسماء ستبدأ، لكن الصحيح أيضاً أن الشياطين تسكن في التفاصيل، وتوزيع الأسماء هي "الشياطين" بالذات، لأن القبول بتوزيع طوائفي للحقائب لا يعني بالضرورة القبول بمن سوف يشغلها خصوصاً أن المواصفات الموضوعة، اي وزراء اختصاصيين، قد تتناقض مع تلك التي سوف يطرحها قادة الأحزاب الممثلة بالحكومة العتيدة. من الواضح أن الرئيس ميقاتي حريص على أن تكون أسماء الوزراء موضع ثقة لدى الرأي العام ومن ذوي الخبرة والكفاءة والسمعة الطيبة، وهو قال ذلك بوضوح لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أيده في موقفه ووعد بأن تكون الأسماء التي سوف يقترحها تتمتع بالمواصفات إياها كي تكون الحكومة متناسقة في أعضائها ومنسجمة في مواصفاتهم وتكون بالتالي قادرة على القيام بالمهام المطلوبة منها وهي كثيرة ومتشعبة....

وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة للملف الحكومي إن النقاشات التي دارت بين الرئيس عون والرئيس المكلف خلال توزيع الحقائب على الطوائف توقفت طويلاً عند "طبيعة" الاشخاص الذين سيقع عليهم خيار القيادات السياسية، الأمر الذي جعل ميقاتي يصر على أن تكون تسمية الوزراء في الحقائب الأساسية، والحقائب – المفاتيح، بالتوافق بين الرئيسين بحيث لا تأتي أسماء استفزازية من جهة، ولا اسماء "مجهولة" القدرة والمعرفة والخبرة خصوصاً بعدما تسربت اسماء لا تنطبق عليها هذه المواصفات وقيل انها ستوزر في حقائب "حساسة" مثل المالية والداخلية والشؤون الاجتماعية والطاقة الاتصالات الخ.... وتضيف المصادر ان اسماء عدة يتم التداول بها بهدف "حرقها" او لمعرفة ردود الفعل عليها، وقد سقط معظمها بالفعل، ولم تعد واردة في حساب اي من الرئيسين . وثمة أسماء اخرى بدت "فرنسية" الهوى او الخيار ومنها من ورد خلال زيارات عدد من المسؤولين الفرنسيين الى بيروت في الاسابيع الماضية وظلت موجودة في كل صيغة تم التداول بها. ومعلوم أن الفرنسيين دعموا توزير السيد جو صدي الذي ورد اسمه في اللائحة التي قدمها الرئيس سعد الحريري في المرة الاولى، والتي اعاد ذكرها في الصيغة الثانية التي لم تبصر النور هي ايضاً.

ويبدو الرئيس عون حذراً من إعادة طرح تلك الأسماء خصوصاً بعدما تناهى الى سمعه بأن اللائحة التي أعدها الرئيس ميقاتي تتضمن أسماء وردت في لائحة الرئيس الحريري، اي أن  الصيغة الحكومية الميقاتية قد تكون نسخة مصغرة من الصيغة الحريرية، علماً أن الرئيس ميقاتي لم يقدم اي لائحة متكاملة بل نثر أسماء هنا وهناك في مقابل عدم تقديم عون اي اسم "جدي" طوال لقاءات التفاوض على التركيبة الحكومية في الأسبوعين الماضيين.

الخلاف على الأسماء!

وهنا تخشى المصادر المتابعة ان يكون الخلاف على الأسماء بين الرئيسين سبباً رئيسياً في عرقلة الولادة الحكومية القريبة بحيث ينطبق المثل القائل إن الشيطان يكمن في التفاصيل فتكون هذه الأسماء هي التفاصيل التي توقع الخلاف، وكما يخشى عون من أن تكون الأسماء المقترحة من ميقاتي نسخة مصغرة عن تلك التي اقترحها الحريري، كذلك فإن ميقاتي يخشى ان تكون الأسماء المقترحة من عون من اختيار رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل الذي وإن كان اعلن "زهده" عن المشاركة في الحكومة او منحها الثقة او الدخول في تفاصيل تشكيلها، إلا أنه بالفعل والواقع هو الطرف الثالث في مفاوضات التشكيل اي أنه والرئيس عون يشكلان فريقاً واحداً بحيث يتوزعان الأدوار، فيقبل عون بمسائل يرفضها باسيل، والعكس بالعكس.... لذلك حرص ميقاتي على معرفة الأسماء المقترحة من عون بالتزامن مع طرحه هو الأسماء التي يقترحها بحيث تم طرحها الاسم تلو الآخر ولم تطرح "دفعة واحدة" كما جرت الأمور عادة خلال تشكيل الحكومات.

قد ينجح الرئيس ميقاتي في إقناع الرئيس بري عن التخلي عن اسم مدير العمليات المالية في مصرف لبنان يوسف خليل لوزارة المالية ويستبدله باسم شيعي آخر، وقد لا ينجح. كذلك قد يتمكن ميقاتي من اقناع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بالتخلي عن مطالبته بوزارة الشؤون التي يطلبها عون في مقابل اعطائه وزارة وازنة اخرى مثل وزارة الاشغال العامة والنقل وقد لا ينجح، إلا أن الاكيد أن عقدة بري صعبة التذليل، وكذلك عقدة جنبلاط ما يمكن أن ينسف التشكيلة برمتها ويعيد العملية الى نقطة الصفر، وهذا الأمر المستجد قد يدفع بالرئيس عون الى "قلب الطاولة" واعادة المطالبة بالحقائب التي رضي التخلي عنها مثل حقيبة الداخلية ما يؤدي عملياً الى "خربطة واسعة ". لكن الرهان يبقى على قدرة ميقاتي "على تدوير الزوايا" وهو المشهور بحنكته وخبرته في هذا المجال من خلال التجربتين في الحكومتين السابقتين الأولى في عهد الرئيس اميل لحود والثانية في عهد الرئيس ميشال سليمان. لذلك يراهن كثيرون على ضرورة التوافق على الأسماء لأن "الالغام" تكمن في إسقاط الأسماء على الحقائب التي تم التوافق على توزيعها على الطوائف واستطراداً على الأحزاب.

أسباب الإسراع في التشكيل

في اي حال، من الواضح، أن الرغبة في تحقيق ولادة الحكومة تبقى أقوى من اي اعتبار آخر، لاسباب عدة، منها ما هو محلي بفعل التدهور السريع في الأوضاع المعيشية والاقتصادية والمالية في البلاد خصوصاً بعد رفع الدعم عن المحروقات ما جعل أسعارها ترتفع بشكل جنوني، ومنها ما هو خارجي بفعل الضغوط التي يمارسها الجانب الفرنسي ومعه المجتمع الدولي لتحقيق ولادة الحكومة، وفي هذا الاطار يجزم ديبلوماسي اوروبي أن المهلة المعطاة للقيادات اللبنانية للاتفاق على حكومة جديدة لا تتجاوز نهاية شهر آب (أغسطس) الجاري لأنه بعد ذلك ستكون العقوبات الصارمة هي البديل عن "الدلع" الذي اظهره الفرنسيون حتى الآن في التعاطي مع القيادات السياسية اللبنانية، والرسائل من هذا الاتجاه كثيرة ومتشعبة ليس آخرها ما نقله سفير اوروبي لقيادي لبناني بأن لا تمييز بين سياسي وآخر في مسألة العقوبات التي انجزت كلها في انتظار التوقيت المناسب لفرضها، وهذه المرة ستكون اوروبا موحدة في فرض هذه العقوبات بعدما كانت لأسابيع خلت منقسمة في الرأي حول هذه المسألة الحساسة التي تهم الجميع ويعلق عليها الكثيرون أهمية خاصة.

وفي تقدير المراقبين أن التجاوب في الإسراع في تشكيل الحكومة لا يستند فقط على الأسباب الداخلية الجوهرية والأساسية، بل كذلك على رغبات أخرى غير الرضوخ للضغط الخارجي. فالرئيس عون وفريقه السياسي يريدان إنقاذ ما تبقى من العهد الذي يحمله كثيرون مسؤولية ما حل بالبلاد من خراب وانهيار، وحزب الله - الشريك الاساسي غير المعلن في عملية التشكيل يريد إثبات فك الارتباط الداخلي مع مفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي، فيما يشعر الرئيس بري أنه مع حليفه حزب الله في جناح واحد ولا بد من أن "تقلع" الحكومة بالتعاون مع شريكيه الرئيس الحريري ووليد جنبلاط. لذلك تلتقي مصالح أركان "الملف الرباعي" مع ضرورة انجاح مهمة ميقاتي الذي لا يستطيع وحده ان يصنع التسوية الحكومية مهما كانت قوة الدفع للمبادرة الفرنسية التي تدعمها كل دول الغرب تقريباً وإن تخلت عنها دولة عربية او اقليمية. وثمة من يعتبر ان في لبنان اكثرية نيابية، ربما اكتشفت أن الحكم منفردة حتى وإن بحكومة اختصاصيين مستقلين، عبء في زمن الانهيارات يفضل أن تتشاركه مع المعارضة لاسيما مع المكون الذي يمثل الأكثرية السنية. وهذه الرغبة تمثلت بالحرص على تكليف سعد الحريري وقبله اديب وبعده ميقاتي مرشح رؤساء الحكومات السابقين بمباركة دار الفتوى. وهذا التكليف المحصن سنياً حرص عليه الثنائي امل وحزب الله (لمنع اي اشتباك سني - شيعي) وسلم به رئيس الجمهورية. أما التأليف فمسألة لها حساباتها الآنية والمستقبلية، خصوصاً وان الحكومة المقبلة من المفترض أن تنفذ الاصلاحات المطلوبة من المؤسسات المالية الدولية وهي التي ستتحمل المسؤولية عن اي فشل في التفاوض مع المجتمع الدولي على الاصلاحات الانقاذية وهي التي ستشرف على المساعدات المرتقبة، كما يمكن أن تتحمل تبعات الانهيار في حال عدم الحصول على مساعدات. إلا أن كل هذه الحسابات الخارجية لا توازي بأهميتها الاستحقاقات الداخلية الآتية، ذلك أن الحكومة المقبلة هي التي ستشرف على الانتخابات النيابية وهي التي تملأ الفراغ اذا لم ينتخب رئيس للجمهورية ومن يملك فيها الأكثرية المقررة يمسك بالقرارات ويتحكم بما بعد الفراغ.

لذلك بدت موجة التفاؤل بعد الاتفاق على توزيع الحقائب على الطوائف (واستطراداً على الاحزاب والكتل النيابية) حذرة لأن المهم الاتفاق على اسماء الوزراء لا أن تكون هذه الاسماء مادة خلافية تعيق ولادة الحكومة التي يؤمل ألا تتأخر، لأن الاوضاع في البلاد لم تعد تحتمل ترف التسلية وتبادل المطالب والشروط والحصص....


الرئيسان نبيه بري وسعد الحريري.

الرئيسان نبيه بري وسعد الحريري.