تفاصيل الخبر

الذكرى الأولى لانفجار المرفأ: معاناة أهالي الشهداء حجبت ضخامة الأضرار وغياب التعويضات!

11/08/2021
الأحياء المتضررة في بيروت نتيجة انفجار المرفأ.

الأحياء المتضررة في بيروت نتيجة انفجار المرفأ.

 مرت ذكرى السنة الأولى لتفجير مرفأ بيروت في 4 آب )أغسطس) الماضي، حزينة على اللبنانيين عموماً وعلى الذين فقدوا أحباء لهم واقارب واصدقاء، او اصيبوا بجروح واعاقات.... الجميع تذكر الشهداء والجرحى والمعوقين وكانت محطات انسانية اليمة لاسيما الذين استذكروا مباشرة من فقدوا، وارتفعت الصلوات في الكنائس والمساجد واقيمت الاحتفالات الدينية على انواعها، وابرزها كان القداس الاحتفالي الذي ترأسه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في باحة المرفأ على بعد امتار حيث كان المستودع رقم 12 الذي استحال في خبر كان. كثيرة هي التصريحات والتعليقات التي صدرت، والاكثر كانت الوعود والتعهدات باحقاق الحق والوصول الى كشف المسببين والمرتكبين والمقصرين، وكل من ادلى بدلوه ناشد القضاء ان يقول كلمته، ودعا المحقق العدلي القاضي طارق بيطار، الى الضرب بيد من حديد، وعدم الخضوع للضغوط التي تمارس عليه، وطولب القاضي بأن يحاكم الجميع من اعلى الهرم الى ادناه... كلها كلمات ومواقف، لا اعادت شهيداً ولا شفت جريحاً ولا عالجت معوقاً، استهلاك ومزايدات واستثمار آلام الاهل وعذاباتهم بشكل مؤذ لاسيما من قبل وسائل الاعلام المرئية التي تنافست في نكء الجراح واستثمار عذابات اهل الضحايا واحياء اللحظات الاليمة من جديد، من دون ان يتنبه معدو هذه البرامج الى  ان اهالي هؤلاء الضحايا هم ايضا يتأثرون ويتعذبون يومياً فلماذا غرز السكين مجدداً في قلوبهم لتنزف من جديد؟ بعض ما شاهده اللبنانيون على الشاشات في هذه الذكرى الاليمة، اعاد فتح الجروح من جديد وتكررت العذابات كما لو ان الانفجار وقع في 4 آب (أغسطس)2021 وليس في آب 2020 (أغسطس). وكان الاجدر بالذين تباروا في احياء عذابات هؤلاء، ان يساهموا في التخفيف من الامهم ومن حاجاتهم ربما، لاسيما اولئك الذين فقدوا معيلين او اباء او اشقاء يعملون لتوفير رزقهم اليومي.

ضخامة الأضرار... هل من يتذكرها؟

 الا ان الغريب ان ما من احد كلف خاطره للاضاءة على ما خلفه انفجار المرفأ من اضرار مادية نتيجة الدمار الذي لف قطراً من 5 كيلومتر في محيط المرفأ وهو يضم ما لا يقل عن خمسة الاف مؤسسة نظامية موزعة بين مؤسسات تجارية وحرفية ومطاعم وفنادق ومدارس وجامعات وكنائس ومستشفيات، اضافة الى عدد من المؤسسات غير النظامية التي تفوق الخمسة الاف.... غابت عن ذاكرة منظمي البرامج في المناسبة المؤلمة ان احزان اهالي الضحايا كبيرة جدا، وكذلك الخسائر والاضرار التي منيت بها القطاعات الاقتصادية حسب البنك الدولي بما بين 29 مليار و35 مليارات دولار، منها مليار و100 مليون دولار فقط من الاضرار المؤمن عليها، لكن المتضررين لم يحصلوا حتى اليوم رغم مرور عام على الفاجعة على حقوقهم التي توجبها بوالص التأمين العائدة لهم.... لم يلق الضوء كفاية على الالاف من المؤسسات والمتاجر التي اصيبت باضرار جسيمة ادت الى تدميرها كليا او جزئيا، منها من عمد الى اعادة اعمارها او ترميمها على نفقته الخاصة او من اموال الهبات والمساعدات، ومنها من فضل الاقفال التام لانه فقد الامل بعودة البلاد الى وضعها، ومعها الاقتصاد بسبب الازمة التي تمر بها ورفضه الاستثمار مجددا في لبنان، او- وهنا الاهم- بسبب عدم قدرته المالية على اعادة البناء بانتظار حصوله على تعويضات من شركات التأمين او تعويضات الدولة التي من المستجد ان تصل في المدى القريب بسبب الواقع المأساوي لمالية الدولة! نسي مستذكرو المأساة الاليمة، او تناسوا ان 20 الف مؤسسة تجارية، و2531 مؤسسة سياحية تضررت مباشرة من انفجار مرفأ بيروت، و73 الف شقة سكنية و 9200 مبنى، و163 مدرسة ومنشأة تعليمية طالتها الاضرار. و106 منشآت صحية بينها 6 مستشفيات و20 عيادة، ما زالت كلها لغاية اليوم غير مرقمة بشكل كامل. اضافة الى اكثر من 70 الف شخص خسروا وظائفهم جراء الانفجار الذي ادى الى اقفال المؤسسات التي يعملون بها، في حين لم يستطع معظمهم الالتحاق، بوظائف اخرى لان الازمة الاقتصادية دفعت كل الشركات في لبنان الى اعتماد سياسة تخفيض الكلفة التشغيلية الى الحد الادنى والى تسريح نسبة كبيرة من عمالها. لقد شملت الاثار الاقتصادية الرئيسية للانفجار خسائر في النشاط الاقتصادي، وتعطل التجارة، وخسائر في الايرادات المالية، وتعميق انكماش النشاط الاقتصادي وتفاقم معدلات الفقر، حيث فقد وسط بيروت مكانته بعد ان كان الواجهة الاولى للتسوق والسياحة، والمركز الرئيسي للملاهي الليلية والسهر والمطاعم والفنادق. اقفل العديد من المؤسسات التجارية والعلامات التجارية نهائياً بعد الانفجار، فهي كانت تعاني الازمة الاقتصادية في البلد حتى انفجار المرفأ وقضى عليها نهائياً. وقد بلغ حجم اضرار التجار في منطقة الاشرفية على سبيل المثال، حوالي 250 مليون دولار، وفي منطقة الجميزة 100 مليون دولار.


اما القطاع السياحي، الذي كان يناضل ويكافح الازمة المالية والاقتصادية للاستمرار بالحد الادنى، فقد قدر البنك الدولي الخسائر التي منيت بها مؤسساته المتضررة بفعل تفجير 4 آب بــ 800 مليون دولار من دون احتساب الاضرار غير المباشرة التي تفوق هذا المبلغ بكثير. وقد بلغ عدد المؤسسات السياحية المتضررة حوالي 2531، وهي موزعة كالاتي: 163 فندقا، 2087 مطعما وملهى ليليا، 188 مؤسسة سياحة وسفر، و93 مؤسسة تأجير سيارات، علما ان هذه الكارثة دفعت افخم الفنادق واقدمها، والتي تعتبر من المعالم السياحية في بيروت (Phoenicia,hilton،le grey،monroe) الى الاقفال التام او الجزئي، وهي ما زالت لغاية اليوم، بعد عام على الانفجار، مقفلة.

اما الشكوى الابرز فتبقى من تقاعس شركات التأمين عن التعويضات لان القضاء لم يحدد بعد سبب الانفجار اذا كان ناتجا عن عمل ارهابي او غيره، وبالتالي فان المؤسسات التي حصلت على تعويضات من شركات التأمين هي التي لديها امكانات مادية وقبلت المساومة مع شركات التأمين، اي انها قبلت بخفض قيمة تعويضاتها من 1.5 مليون دولار الى 750 الف دولار، وحصلت منها على حوالي 400 الف دولار fresh و350 الف دولار بموجب شيكات مصرفية، مفضلة استباق احتمال صدور اي قرار قضائي يشير الى وجود عمل ارهابي ادى الى انفجار المرفأ....


التعويضات.... استنسابية!

الى ذلك، فإنه بعد مرور عام على كارثة 4 آب 2020، لا يزال اكثر من 18 الف شخص مبعدين قسراً عن منازلهم بسبب نقص التعويضات التي لم يصرف منها الا 10 في المئة لان الاموال المخصصة للتعويضات قليلة. لقد اعطى الجيش الذي يتولى توزيعها الاولوية للتعويض على الوحدات السكنية المصابة باضرار متوسطة او دون المتوسطة على ان يكون تعويضات الوحدات المدمرة في "مراحل مقبلة" يبدو انها ليست قريبة. واللافت في هذا المجال، انه من اصل 1500 مليار ليرة نص عليها قانون حماية المناطق المتضررة من تفجير المرفأ (القانون 194/2020) حولت الهيئة العليا للاغاثة الى الجيش اللبناني 150 مليار ليرة فقط انهى توزيعها في آذار الماضي. هذه الاموال التي لا تتجاوز نسبتها 10 في المئة من اجمالي التعويضات المستحقة لمتضررين واجهوا الموت وخسروا اماكن سكنهم وارزاقهم، وزعت بشكل "غامض" و"غير مفهوم" بحسب بعضهم، على "محظوظين" فيما لا يزال كثيرون ينتظرون، ويشكون غياب المعايير الواضحة في توزيع مساعدات لم تعد تكفي اليوم لتغيير "مسكة باب" او حتى "حنفية" فيما بدا جليا حجم الفوضى التي حكمت ادارة الملف وغياب التنسيق بين الجمعيات وعناصر الجيش الذين لجأوا الى اجراء مسوحات ميدانية اكثر من مرة في بعض الاحيان. والواضح ان المساعدات المالية التي وزعت عبر الجيش ركزت على دفع تعويضات لاعادة اصلاح الابواب والنوافذ واعمال الصيانة الخارجية، اما عمليات التبليط والدهان وتغيير الاثاث وغيرها فبقيت في ايدي عشرات الجمعيات التي استلمت اعمال اعادة تأهيل بعض الشقق مع "وساطات" كان نتيجتها ان "بعض الابنية انفقت عليها بعض الجمعيات ملايين الدولارات فيما لم يصرف على حي اخر اكثر من 200 الف دولار. 

 بعض المتضررين اكدوا ايضا، ان التعويضات دفعت لـــ "من حضر" بعدما اشترط الجيش ان يوجد اصحاب المنازل المتضررة فيها اثناء توزيع المساعدات واجراء المسح، ما حرم كثيرين من حقهم لعدم امكان وجودهم في المنازل المتصدعة او بسبب اصاباتهم او انشغالهم في دفن اقرباء.

 اما المفارقة الكبرى فتكمن في اعطاء اولوية التعويض للوحدات السكنية المصنفة ضمن فئة "متوسطة الاضرار" و"دون المتوسطة" باعتراف الجيش الذي عقد مطلع آذار الماضي مؤتمرا صحافيا اعلن فيه ان "الشقق السكنية التي تحتاج الى اموال طائلة لترميمها ستترك الى مراحل ثانية". وحتى الان لم يحن وقت تلك "المراحل الثانية" وتوقفت التعويضات عند عتبة الــــ 150 مليار ليرة التي لم توزع على كل المتضررين. عنى ذلك استمرار تهجير اكثر من مئة الف شخص تركوا منازلهم المدمرة قسراً: ورغم غياب اي احصاءات دقيقة ورسمية لعدد العائلات التي هجرت منازلهم، يقدر مخاتير الاحياء المتضررة ان نحو 25 في المئة من السكان هجروا من منازلهم بعد الانفجار، 15 في المئة منهم تمكنوا من العودة، ولا يزال 10 في المئة خارج منازلهم لعدم حصولهم على تعويضات وبالاستناد الى الارقام التقديرية التي خلص اليها المسح الميداني الذي اجراه الجيش اللبناني وتفيد بأن اضراراً مادية لحقت باكثر من 62 الف وحدة سكنية، فإن التقديرات تقود حكماً الى ان سكان نحو 6200 وحدة لم يعودوا الى منازلهم، اي ان 18 الف شخص على الاقل (بمعدل ثلاثة اشخاص لكل وحدة سكنية) لا يزالون مبعدين قسراً عن بيوتهم بسبب غياب التعويضات!.

ويقترح بعض المطلعين على هذا الملف انشاء صندوق للتعويضات بشكل واضح كي لا يبقى الالتباس قائماً ومعه علامات الاستفهام التي تكاثرت في الايام الاخيرة!.