تفاصيل الخبر

البطاقة التمويلية تتأرجح بين نصوص قانونية ومعايير تطبيقية.... ومصادر تمويلها!

11/08/2021
جلسة مجلس النواب خلال إقرار البطاقة التمويلية للأسر الأكثر فقراً.

جلسة مجلس النواب خلال إقرار البطاقة التمويلية للأسر الأكثر فقراً.


 في 30 حزيران (يونيو) الماضي، أقر مجلس النواب قانون استحداث بطاقة تمويلية للأسر الاكثر فقراً في خطوة تزامنت مع قرار ضمني برفع الدعم عن المواد الأساسية وأهمها المحروقات والدواء، في بلد بات اكثر من 55 في المئة من سكانة تحت خط الفقر وفق تقديرات الهيئات الدولية المعنية. غير أن اقرار البطاقة التمويلية التي تقدر كلفتها بـــ 556 مليون دولار، يحتاج الى خطوات عملية اخرى كي يصبح نافذاً، والوقت يمر والاجتماعات تتوالى من دون نتيجة علماً ان الدولة تأمل في ان تتمكن من تحويل 300 مليون دولار من القيمة الاجمالية عبر قروض من البنك الدولي سبق ان اقرها مجلس النواب لكن سيصار الى تغيير وجهتها، كي يتوافر المال لاستهداف حوالي نصف مليون عائلة على ان يتم استثناء عائلات تستفيد اصلا من برامج مساعدات اخرى ويقدر حجمها بنحو 250 الف عائلة تمول من هبة من الاتحاد الاوروبي قيمتها 55 مليون يورو مخصصة لتمويل برنامج الفقر المدقع الذي يستهدف 70 الف عائلة، فضلاً عن شبكة الامان الممولة من البنك الدولي والذي يدعم ذوي الدخل المحدود ويستهدف 180 الف عائلة....

لا تستطيع الحكومة ان تدعي ان مجلس النواب الذي تأخر في السابق في اقرار قانون البطاقة التمويلية مستمر في التأخير، لان النواب فتحوا اعتمادا بقيمة 566 مليون دولار وفق الاتفاق المعمول به مع مصرف لبنان كي يتولى تمويل البطاقة التمويلية الى حين الانتهاء من الاجراءات النهائية مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي كان اعلن مؤخرا ان لبنان سيحصل على ما قيمته 860 مليون دولار من احتياطات حقوق السحب الخاصة على ان يستخدمها "بحكمة" ويفترض ان يذهب جزء من هذا الاحتياطي لتمويل باقتي كلفة البطاقة التمويلية. لكن ما فعله مجلس النواب لا يزال محصوراً بالنواحي القانونية والتشريعية، في حين ان المطلوب هو اجراءات تنفيذية لا تزال حكومة تصريف الاعمال "تتباطأ" باتخاذها على رغم الاجتماعات التي تتوالى في هذا الاتجاه والتي تركز على مسألتين: المعايير التي سيصار على اساسها تحديد المستفيدين من البطاقة، وكيفية الدفع وما اذا كانت العملية ستحصل بالليرة او بالدولار، نقدا او عن طريق الدفع بالبطاقة. ولا يزال هذا الشق من النقاش في عهدة وزارة المال ومصرف لبنان اللذين لم يحسما بعد وجهة الدفع بالدولار على عكس الجهات المقرضة. وبين هذا الرأي والرأي الآخر يتأرجح موضوع البطاقة التمويلية وإن كانت المصادر المتابعة تقول إن اللجنة الوزارية المعنية بمتابعة هذا الملف قاربت من الاتفاق على القسم الاول من النقاش والمرتبط بمعايير الاستفادة التي وضعت على اساس الاستثناء، على اعتبار ان الغالبية من اللبنانيين باتت تحتاج الى الدعم الذي تؤمنه -ولو نسبيا- البطاقة لتعويض الدعم الذي كان يسدده مصرف لبنان في ثمن المحروقات والادوية وبالتالي سيكون كل لبنان مستفيدا، الا في بعض الحالات التي ستحددها المراسيم التنظيمية التي لا تزال الحكومة تتأخر في اصدارها، مع العلم ان وزارة الشؤون الاجتماعية كانت تعمل على توحيد قيمة المبلغ المستفاد منه بين كل برامج المساعدات ليكون 93,3 دولار او ما يوازيه....




ارتفاع نسبة الفقر يسابق المعايير

وفي المعلومات المتوافرة ان المعايير التي وضعت سيتم شطب من لائحة المستفيدين، الحالات الاتية:

- الاسر التي تقيم في لبنان فترة زمنية تكون ما دون الـــ 183 يوماً، اي ستة اشهر.

- من تجاوز مدخوله الشهري الـــ 800 دولار او السنوي 10 الاف دولار

- اصحاب الحسابات المصرفية التي تتجاوز قيمتها الــ 10 الاف دولار

- الاسر التي تصلها حوالات خارجية تتخطى قيمتها السنوية الــــ 3000 الاف دولار.

- الاسر التي تدفع بدل ايجار سنوي يتجاوز الـــ 10 الاف دولار.

- من يملك سيارتين تم تسجيلهما بعد العام 2018.


نظرياً يبدو المشروع سهل التطبيق وتقترب البطاقة من الخروج من نفق النقاشات البيروقراطية. ولكن فعلياً ثمة استحالة في اعتماد معايير شفافة او في التأكد من عدم تطابق هذه المعايير على المتقدمين بطلبات الاستفادة. ومع ذلك يحاول رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب دفع اللجنة الى تسريع وتيرة عملها كي تنجز هذه المهمة في اسرع وقت ممكن، ذلك لان لحظة الانفجار الكبير باتت على مقربة ايام بعدما ابلغ مصرف لبنان الشركات المستوردة للمشتقات النفطية. نيته بعدم فتح اي اعتماد بعد الان!.


يجري كل هذا النقاش في لبنان حول البطاقة التمويلية، في وقت اكد فيه المرصد الاورو متوسطي لحقوق الانسان في تقرير اصدره بعنوان "لبنان الانزلاق الى الهاوية" ان الازمات المتفاقمة في لبنان وعجز الحكومة عن التعاطي معها، اوصلت الاوضاع في البلاد الى مستوى غير مسبوق من التدهور، بمعدلات فقر تجاوزت 55  في المئة  فيما بات اكثر من 50 في المئة من العمال عاطلين عن العمل، محذراً من التبعات الخطيرة على عيش وسلامة ملايين السكان... والواقع ان التقرير الذي استند الى مشاهدات ميدانية ولقاءات اجراه فريقه خلال وجوده في لبنان، وضع النقاط على الحروف لاسيما لجهة الاشارة الى انه على الرغم من ان لبنان يعاني ازمات عدة بخلاف الازمة الاقتصادية مثل جائحة كورونا وتوابع انفجار مرفأ بيروت، الا ان الازمة الاقتصادية كان لها الاثر السلبي الاكبر على حياة اللبنانيين. اذ عانت الدولة خلال العام الماضي من كساد اقتصادي كان سببه انكماش النمو في اجمالي الناتج المحلي بنسبة 20,3  في المئة بالاضافة الى وصول معدلات التضخم لاكثر من  100 في المئة فضلا عن ان سعر صرف الليرة اللبنانية يشهد تدهورا غير مسبوق، ومعدلات الفقر تتزايد بشكل حاد. وابرز ازمة الارتفاع الحاد في اسعار السلع والخدمات الاساسية في لبنان، بصفتها احدى اكبر الازمات التي يعاني منها اللبنانيون، اذ قفزت اسعار نحو 17 سلعة اساسية، شملت الخضار والفواكه والحبوب واللحوم والزيوت ومشتقات الحليب والالبان. بنسب وصلت الى 350 في المئة  بسبب تدهور سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار والتي فقدت ما نسبه 100 في المئة  من قيمتها خلال اقل من عامين.

وذكر التقرير ان العمال المهاجرين في لبنان تضرروا ايضا من الازمة الاقتصادية بشكل حاد، اذ بات اكثر من نصف العمال المهاجرين عاطلين عن العمل وغير قادرين على تلبية حاجاتهم الغذائية ويقيمون في ظروف غير آمنة ودون المستوى المطلوب، بسبب عدم ملاءمة المساكن، وارتفاع الايجارات والتهديد بالاخلاء.


واشار التقرير الى ان "ازمة القطاع الصحي" والتي اضحت تهدد حياة مئات المرضى الذين اصبحوا غير قادرين على تأمين ما يلزمهم من الادوية الرئيسة الشحيحة اصلا، خصوصا تلك المتعلقة بالامراض المزمنة كالضغط والسكري والخطيرة كالسرطان فضلا عن عدم توفر المستلزمات الطبية في المستشفيات الحكومية بشكل كاف، على النحو الذي اثر بشكل كبير على الخدمات الصحية المقدمة للبنانيين. بما في ذلك الفحوصات التشخيصية والعمليات الجراحية. وأوصى المرصد الاورومتوسطي، "السلطات اللبنانية بضرورة وضع خطة عمل عاجلة لمعالجة الازمات الرئيسية، للحيلولة دون تدهورها بشكل اكبر، على ان تشمل الخطة اجراءات متوازية في مختلف القطاعات لضمان احداث تغيير ايجابي فعلي في حياة اللبنانيين"، كما حث السلطات "على تنفيذ عمليات اصلاح اداري واقتصادي شاملة، لمواجهة احتمالية انهيار امني كبير نتيجة الفقر وغياب الحاجات الاساسية والفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة". ودعا "الى اتخاذ اجراءات عاجلة وحازمة للضغط على السلطات اللبنانية لمنع تفاقم الازمات التي يعاني منها اللبنانيون وضمان توفير الحاجات الاساسية لهم، بما في ذلك مراقبة اداء السلطات اللبنانية في ما يتعلق بتوجيه المساعدات المقدمة للبنان، ومراقبة اداء مؤسسات الدولة بهدف مكافحة الفساد وتعزيز دور السلطة القضائية".