تفاصيل الخبر

تراجع رواتب العسكريين في مختلف الأسلاك يسبب فراراً او تخلفاً أو سفراً بلا عودة...

11/08/2021
قائد الجيش العماد جوزيف عون.

قائد الجيش العماد جوزيف عون.


 لاحظ المراقبون ان قائد الجيش العماد جوزف عون كثف في الاسابيع الماضية زياراته الميدانية الى الثكنات العسكرية ومقرات الألوية والافواج المقاتلة في مختلف المناطق اللبنانية حيث التقى العسكريين، ضباطاً ورتباء وافراداً وتحدث اليهم حول الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد ودور الجيش في هذه المرحلة الدقيقة وغير ذلك من الكلام العام الذي يهدف الى اعطاء معنويات للعسكريين في هذه الظروف الصعبة. لكن الغاية الاساسية من هذه الزيارات تكمن في اشعار العسكريين من قرب القيادة اليهم وتحسسها بالمعاناة التي يعيشونها بعد التراجع الكبير في قيمة رواتبهم مع ارتفاع سعر الدولار قياساً الى الليرة اللبنانية، بحيث بات راتب العسكري لا يتجاوز المئة دولار واحياناً الخمسين دولاراً، فيما لا يتعدى راتب الضابط مئتي دولار اميركي...

هذا الواقع الصعب الذي ينسحب على سائر افراد الاسلاك العسكرية احدث نزفاً متواصلاً في الاجهزة الامنية من جيش وقوى امن داخلي وامن عام وامن دولة مع تسجيل نسبة فرار مئات العناصر وامتناع عدد من الضباط عن الالتحاق بمراكز خدمتهم، لاسيما وان رواتب العسكريين لا تكفي لسد الرمق حتى بات بعضهم يفضل الحصول على "كرتونة اعاشة" والبقاء في المنزل، بدلاً من الذهاب الى خدمة لا يكفي راتبها لشراء محتويات "الكرتونة" نفسها!.

وتحمل الاحداث روايات متعددة عن عدم تمكن عسكري من دفع فارق ولادة زوجته ما جعل المستشفى "يحتجز" المولود الى حين تسديد المبلغ، الى رواية اخرى عن غياب الادوية المزمنة في صيدليات المؤسسات العسكرية وعدم قدرة العسكري على شرائه من السوق السوداء. ولعل الحدث  الابرز في هذا السياق انه بعد اعمال الشغب التي حصلت امام منزل وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي قبل اسبوعين بين عناصر مكافحة الشغب واشخاص اندسوا في صفوف التظاهرة السلمية لاهالي ضحايا شهداء المرفأ اصيب عدد من العسكريين بجروح ونقلوا الى احد المستشفيات للمعالجة، لكن المفاجأة كانت حين ابلغ هؤلاء ان علاجهم سيكون على نفقتهم الخاصة من دون ان تبادر المديرية العامة لقوى الامن الداخلي الى معالجة سريعة للمسألة، ما انعكس في اليوم التالي امتناع عدد من افراد القوى السيارة من تنفيذ مهمة امنية اسندت اليهم، الامر الذي استدعى تدخلاً مباشراً من المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان لاقناع العسكريين بتنفيذ المهمة واعداً بتوفير مساعدات لهم لمواجهة الحالة المذرية التي يعيش فيها العسكريون بصورة عامة.

ويسمع رواد الثكنات الامنية على تنوع اسلاكها، احاديث متعددة عن "احباط" في صفوف العسكريين من مختلف الرتب، وعن امتعاض من الحالة التي وصلوا اليها اجتماعيا ومعيشيا، الامر الذي يدفع بالضباط الى غض النظر عن بعض الممارسات مثل التأخر في الوصول الى العمل لاسيما للقاطنين في اماكن بعيدة عن سكنهم، او ارتباط العسكري بعمل آخر خارج دوام الخدمة، او العمل في مؤسسات امنية خاصة خلال فترات اجازاتهم وغيرها من المسائل التي تشكل مخالفات صريحة للقوانين والانظمة العسكرية، لكن الظروف الموضوعية فرضت التساهل في هذه الامور. ويبقى الاصعب هو تزايد طلبات التسريح او الاستقالات من الاسلاك بعد تلقي هؤلاء العسكريين فرص عمل في مؤسسات او شركات خاصة، ومنهم من بات يفضل العمل في "الحقل" في بلدته وبيع محاصيل بستان يملكه، على الحضور الى العمل في الثكنة  وتعريض نفسه للخطر مقابل راتب لا يكفيه لاسبوع على الاكثر.




طلبات استقالة او استيداع ... وفرار!

مصادر عسكرية تقول في هذا الصدد ان طلبات الاستقالة او الاستيداع وحتى الاذونات بالسفر يتم رفضها لعلم القيادات الامنية ان مغادرة هؤلاء العسكريين للبنان في اجازة او اذونات ستؤدي الى عدم عودتهم وانقطاعهم عن الخدمة خصوصاً ان حالات مماثلة حصلت خلال الاشهر الماضية بعدما تنازل كثيرون عن التعويضات التي يحصلون عليها بدل سنوات خدمتهم ما وفر عملياً على الدولة مليارات من الليرات لاسيما للذين تفوق سنوات خدمتهم العشرين سنة. وتضيف هذه المصادر ان ثمة اقتراحات يتم درسها لمعالجة هذه الحالات لتعويض النقص الحاصل في عدد العسكريين، منها تطويع لمدة خمس سنوات مع طبابة لكن من دون تعويض نهاية الخدمة او الاستفادة من المنح المدرسية. وفي تقدير المصادر نفسها ان حالة الاستنزاف هذه لا يمكن ان تستمر لان القدرة على الاحتمال تتراجع بسرعة فضلا عن جعل العسكريين من مختلف الرتب في حالة نفسية واجتماعية سيئة قد تدفع بالبعض منهم الى انحرافات وممارسات تتناقض مع القواعد والانظمة العسكرية. ان هذا الوضع الدقيق بات يهدد بانهيار الركيزة الاساسية التي تستند اليها الدولة خصوصا في هذه الايام الحرجة حيث مهمات العسكريين الى تزايد لضبط الامن ومنع التعديات على الاوضاع الامنية مع تزايد حوادث السلب والقتل والسرقة وغيرها وتنامي ظاهرة تهريب المخدرات وترويجها.

وتتحدث مصادر مطلعة عن فرار اكثر من 1000 عسكري من الجيش، ومئات من عناصر قوى الامن الداخلي، ونحو 400 عنصر من جهاز امن الدولة. فيما عسكريو الامن العام ليسوا افضل حالا ويسجل يوميا امتناع عناصر في هذا الجهاز عن الالتحاق بمراكز خدمتهم.

الجيش وبقية المؤسسات الامنية تتحفظ عن الخوض في اعداد الفارين وتحيط الامر بكتمان شديد للحفاظ على معنويات العسكريين، الا انها لم تجد حلا جذريا لضمان صمود العسكريين وحتى الان، تعتمد حلول فردية ترقيعية كاستغلال بعض الضباط لعلاقاتهم الخاصة في الحصول على حصص غذائية شهرية وتوزيعها على عناصرهم، او محاولتهم التخفيف من ضغط الخدمة اليومية لهؤلاء للتقليل من كلفة تنقلاتهم، فيما يجري التداول باقتراح لاجراء تشكيلات للعسكريين بحسب اماكن سكنهم. اي ان تكون خدمة ابن البقاع في البقاع وابن الشوف في الشوف وابن عكار في الشمال وابن الجنوب في الجنوب.... وهكذا دواليك ، علما ان مثل هذا التدبير لا يجد صدى ايجابيا لدى القيادات العسكرية لان خزان المؤسسات العسكرية هو في البقاع والشمال والجنوب، فماذا عن بيروت وجبل لبنان؟