تفاصيل الخبر

مؤتمر باريس: مساعدات عبر الأمم المتحدة والمجتمع المدني وشبه "طلاق" مع الطبقة السياسية ...

11/08/2021
الرئيس ميشال عون يستمع الى كلمة الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" خلال مؤتمر باريس لدعم لبنان.

الرئيس ميشال عون يستمع الى كلمة الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" خلال مؤتمر باريس لدعم لبنان.


 النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي لدعم شعب لبنان الذي نظمه الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" والامين العام للامم التحدة "انطونيو غوتيرييس" في باريس في الرابع من آب (أغسطس) الجاري، تميزت الى رمزية التوقيت في الذكرى الاولى لتفجير مرفأ بيروت، بالاشارات المباشرة التي ارسلها المشاركون والذين بلغ عددهم 33 دولة و13 منظمة دولية و5 ممثلين عن المجتمع المدني اللبناني، والتي تناولت نقاطاً مهمة لا بد ان تكون محور تقييم السلطات اللبنانية التي لا تزال غارقة في البحث عن جنس الملائكة في تشكيل الحكومة الجديدة، وفي طريقة التعاطي مع المجتمع الدولي ومواجهة مطالبه، ناهيك عن التعثر في حل الازمة المعيشية والاقتصادية التي تزداد حدة وصعوبة يوماً بعد يوم. واذا كان الرئيس "ماكرون" نجح من خلال الاتصالات التي اجراها بتأمين مشاركة الرئيس الاميركي "جو بايدن" في اول اطلالة مباشرة له على الملف اللبناني، فإن المشاركة الابرز كانت للمملكة العربية السعودية التي كانت نأت بنفسها عن الدخول في كل ما يتصل بالوضع اللبناني مباشرة ام مداورة. وفي هذا السياق تقول مصادر ديبلوماسية ان التمهيد للمشاركة السعودية تم خلال اللقاء الثلاثي الذي جمع قبل اسابيع وزراء خارجية اميركا "انطوني بلينكن" وفرنسا "جان ايف لودريان" والسعودية فيصل بن فرحان في روما حين اثير الوضع اللبناني كمادة اساسية للبحث. يومها، تقول المصادر، بدا الوزير السعودي متصلباً حيال الدور الذي يمكن ان تلعبه بلاده للمساهمة في حل الازمة اللبنانية، وقال لزميليه الاميركي والفرنسي ان الرياض دفعت مليارات من الدولارات في لبنان خلال السنوات الماضية ولم يتغير شيئاً في اداء السلطة اللبنانية التي ظلت "اسيرة حزب الله وايران" وبالتالي فهي غير مستعدة لدفع اي مبلغ اضافي بعد اليوم ما لم يتغير الواقع القائم في لبنان و"يتحرر" من النفوذ الايراني الذي يمثله حزب الله داخل السلطة اللبنانية. فهم الوزيران "بلينكن" و"لوردريان" يومها ان القرار السعودي محسوم في هذا الاتجاه، الا انهما لم يقطعا الامل في اقناع الرياض ومعها دولة الامارات العربية المتحدة في المشاركة بأي دعم مادي مباشر بل دعوات الى ضرورة مساعدة لبنان. فيما كانت الاشارة السعودية الى دور حزب الله، النقطة الوحيدة النافرة في المؤتمر.

اما الخلاصة الابرز التي يمكن تسجيلها فهي اجماع المشاركين على ضرورة التضامن مع الشعب اللبناني في مواجهة الازمة الاقتصادية والمالية التي اعتبرها المؤتمرون واحدة من اسوأ ثلاث ازمات شهدها العالم منذ اواسط القرن التاسع عشر وفق ما ذكره البنك الدولي، وهي ايضا ازمة اجتماعية بفعل عدم ايصال المواد الاساسية ومتطلبات الخدمات الضرورية لقسم كبير من الشعب، كما انها ازمة غذائية تتحول تباعاً الى ازمة انسانية. وفي هذا الاطار ابدى المشاركون ارتياحهم مع الحاجة الى 357 مليون دولار اميركي للاشهر الـــ 12 المقبلة، والتعهد بدعم مالي اجماله 370 مليون دولار اميركي تضاف الى مساعدات انسانية عينية. والهدف هو بشكل خاص تلبية الحاجات الاكثر الحاحاً من غذاء وامن ومياه ومواد صحية، اضافة الى شؤون تربوية. الا ان الدول المشاركة حرصت على التأكيد بأن انسياب هذه المساعدات لن يكون عبر مؤسسات الدولة اللبنانية التي نخرها الفساد والرشى، بل عبر منظمات الامم المتحدة العاملة في لبنان، ومن خلال مجموعات من المجتمع المدني الذين شارك ممثلون عنها في المؤتمر للمرة الثانية على التوالي.


التدقيق المالي الجنائي مطلب دولي

ثمة اشارة ثالثة اشار اليها المؤتمر في اطار الاصلاحات المرتقبة من الحكومة اللبنانية، وهي مسألة التدقيق المالي الجنائي التي اشار اليها بوضوح رئيس البنك الدولي "دافيد مالباس" الذي دعا الى مراجعة حسابات مصرف لبنان المركزي ومؤسسات كهرباء لبنان، وهي دعوة اشارت اليها ايضاً رئيسة صندوق النقد الدولي "كريستالينا جورجييفا" التي شددت على المعالجة المباشرة للمشكلة الجوهرية المتعلقة بضعف الحوكمة من خلال تعزيز مكافحة الفساد وتحسين اداء وظائف الدولة ولاسيما ادارة الشركات المملوكة منها، مركزة على قطاع الطاقة باعتباره اهم مجال للتحرك، واستكمال تدقيق حسابات مصرف لبنان والشركة المعنية بتقديم امدادات الكهرباء. لقد بدا واضحا من كلام "مالباس" و"جورجييفا" ان مسألة التدقيق المالي الجنائي التي لا تزال تشهد عرقلة روتينية للبدء فيها، محطة مهمة في وجهة نظر المشاركين في مؤتمر باريس في دعوة صريحة الى المسؤولين اللبنانيين الى الكف عن المماطلة في تطبيق التدقيق الجنائي لانه المدخل الطبيعي والاساسي لاي عملية اصلاحية من جهة، ولاي دعم دولي مباشر من جهة اخرى.

اما الاشارة الرابعة الحادة التي ميزت مؤتمر باريس، كانت سياسية اذ حمل الخطباء، ولاسيما منهم الرئيس الفرنسي "ماكرون"، القادة السياسيين مسؤولية الازمة السياسية التي تعصف بالبلاد واتهموهم بــ "المماطلة" في تشكيل حكومة قادرة على تطبيق الاصلاحات الاكثر حاجة، مركزين على وجود ازمة ثقة بين الشعب اللبناني وقادته، وبين هؤلاء القادة والمجتمع الدولي. لقد بدا ان المجتمع الدولي اصيب باليأس من المجموعات السياسية وحصل نوعا من الطلاق الذي لن يكون من السهل تفادي تداعياته، علما ان البيان الختامي للمؤتر اشار بوضوح الى ان السلطة اللبنانية لا تزال تتأخر في تطبيق القرارات الاصلاحية التي تشكل المدخل لتأمين دعم دولي للبنان علماً انه سبق ان تبلغ لبنان مباشرة او مداورة من دول عدة ان الاصلاحات هي المفتاح الذي سيفتح باب المساعدات الدولية الجاهزة سواء من خلال مبادرات فردية للدول، او من خلال مبادرات جماعية برزت خصوصاً خلال مؤتمر "سيدر" الذي عقد في باريس في العام 2018. ورأت مصادر ديبلوماسية ان التعابير التي استعملها المشاركون في المؤتمر كانت لاذعة بحق المنظومة السياسية اللبنانية وصلت ال حد "التوبيخ" خصوصاً من الرئيس "ماكرون" الذي سبق ان كرر عبارات مماثلة في مناسبات عدة وحذا حذوه وزير خارجيته "لودريان".

ترحيب بميقاتي ودعم حكومته

ولعل الاشارة الخامسة التي ركزت على "ترحيب" المشاركين بتكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة العتيدة، عكست رغبة دولية واضحة في توفير الدعم للرئيس ميقاتي في مهمته الجديدة وهي تشكيل حكومة وصفها المجتمعون بانها "حكومة انقاذ" للبنان، ودعوتهم الى الاسراع في تشكيلها، لتطلق بسرعة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لمعالجة الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد. اما المهمة الثانية المطلوبة منها، فهي اجراء الانتخابات النيابية العام 2022 التي يجب ان تكون بحسب المؤتمرين- شفافة ونزيهة وتتم وفق البرنامج المحدد لها. واعتبر المراقبون هذه الاشارة بمثابة خارطة طريق رسمها المجتمع الدولي للمسار الذي يفترض ان تسلكه حكومة ميقاتي التي يفترض الا يتأخر تشكيلها، علما ان لدى غالبية المشاركين في مؤتمر باريس، صورة واضحة للصعوبات والعراقيل التي وضعت في طريق التشكيل.... حتى الان على الاقل، لقد شكلت اشارة مؤتمر باريس الى دعم الرئيس ميقاتي في تشكيل الحكومة رسالة الى الداخل اللبناني توازي من حيث اهميتها الرسائل الاخرى التي وجهت الى الداخل والخارج معا والتي لن يكون من السهل تجاوزها في الحسابات الداخلية لتشكيل الحكومة على رغم "المناورات" السياسية التي لا يزال يعتمدها البعض لعرقلة ولادة الحكومة او على الاقل محاولة جعلها تتناغم مع مصالح هذه الجماعات السياسية التي باتت "مرذولة" من المجتمع الدولي الذي يركز على التعاطي مع ممثلي المجتمع المدني اكثر بكثير من تعاطيه مع المؤسسات الرسمية التي فقدت الثقة الدولية بنزاهتها وشفافيتها وبعدها عن الفساد والمرتكبين. من هنا كانت اشارة المؤتمرين الى ان حصول لبنان قريباً على 900 مليون دولار تشكل حصته من المساعدات الدولية غير المشروطة وفق حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي بهدف اساسي لمعالجة الركود ونتائج الازمات الصحية، يجب ان تستعمل وفق طريقة شفافة بشكل تام وبالتواصل مع المجتمع المدني، وان تخضع للمراقبة الانية وللتقييم في مرحلة ما بعد استعمالها، والمساهمة في التحضير لسياسات شعبية ملائمة.

تجدر الاشارة الى ان مؤتمر باريس تطرق الى انفجار المرفأ مسجلاً "قلق" المشاركين من التأخير في التحقيق، مع الدعوة الى اتخاذ التدابير الفورية اللازمة للقيام بالاصلاحات الكافية لاعادة اعمار اجزاء المرفأ التي تم تدميرها، اذ مرت سنة كاملة على الجريمة ولم تسجل اي خطوة في هذا المجال.... ويتضح من البيان الصادر في ختام المؤتمر التركيز على دور المجتمع المدني في لبنان، ولولا مشاركة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في المؤتمر والقائه كلمة بعد "ماكرون" وممثلة الامين العام للامم المتحدة، لبدا المؤتمر وكأنه يحاكي المجتمع المدني اللبناني ويتجاهل كلياً الطبقة السياسية التي فقد المؤتمرون الامل في ان تكون فاعلة ومؤثرة في اعادة بناء لبنان الجديد!.