تفاصيل الخبر

" قطب مخفية" قد تعرقل من جديد انطلاقة عملية التدقيق الجنائي المالي!

11/03/2021
الرئيس ميشال عون وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وثالثهما التدقيق المالي.

الرئيس ميشال عون وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وثالثهما التدقيق المالي.

 مرة جديدة يعود ملف التدقيق الجنائي المالي في حسابات مصرف لبنان والمؤسسات والإدارات والوزارات والمجالس والصناديق الى الواجهة مع تكاثر علامات الاستفهام حول ما اذا كان هذا التدقيق سيبصر النور ام يبقى القرار الحكومي في هذا المجال حبراً على ورق. حدثان أعادا هذا الملف الى الواجهة من جديد، الأول لقاء جمع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بوزير المال غازي وزني تم خلاله الاستيضاح عن مسار عملية التدقيق بعد صدور قانون تعليق السرية المصرفية وورود إجابات مصرف لبنان على الأسئلة التي طرحتها شركة "الفاريس ومارسال" كشرط لقبولها المباشرة بالعمل. اما الحدث الثاني فكان لقاء الرئيس عون مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والطلب اليه تسهيل عمل الشركة وتوفير المعلومات المطلوبة بوضوح من دون غموض لأن الشركة تريد ان تسير "على ضو" في عملها حتى لا تقع في مفاجآت آخر لحظة...
ومن يستعرض رحلة المطالبة بالتدقيق الجنائي منذ إقرار مجلس الوزراء اعتماد هذه الخطوة في شهر آذار (مارس) الماضي وما رافقها من تعرجات، يصل الى قناعة بأن هذا الملف سيبقى اسير المماطلة والعقبات التي لا تنتهي، فالكرة تارة في ملعب وزارة المال، وتارة أخرى في ملعب مصرف لبنان، وتارة ثالثة في ملعب شركة "الفاريس ومارسال" التي أعطيت التزام التدقيق الجنائي فاعتذرت أولاً عن العمل، ثم قبلت على مضض بعد تعليق السرية المصرفية، لكنها ربطت الموافقة الفعلية بالاجابة الصريحة عن أسئلة ترى بأنها ضرورية لتحديد طبيعة العمل مع بلوغ عدد الأسئلة الموجهة من الشركة الى مصرف لبنان عبر وزارة المال 136 سؤالاً!.
في اجتماع بعبدا، قال الحاكم سلامة لرئيس الجمهورية انه حاضر لتسهيل مهمة الشركة وانه كان إيجابياً وفتح لها كل الأبواب التي كانت مقفلة وان المصرف جاهز لتقديم كل العون المطلوب، حتى الطلبات التي وصفت بـ "الملتبسة" فإن الحاكمية مستعدة للاجابه عنها. بدا سلامة متعاوناً الى اقصى درجات التعاون مع رغبة الرئيس عون الذي حرص على تسجيل هذا التجاوب في بيان رسمي صدر للمرة الأولى من قصر بعبدا على نحو غير مألوف في العمل الإعلامي الذي اعتاد عليه القصر الرئاسي، الى درجة ان الانطباع الذي تكون لدى الجميع ان ساعة الصفر لانطلاق الشركة في عملها باتت قريبة ولم تعد سوى بضعة أيام، الا ان العنصر الجديد الذي طرأ والذي يخشى البعض ان يعيد الموضوع الى نقطة الصفر فكان في محاولة صياغة عقد جديد بين الشركة والدولة اللبنانية يمكن ان يستدعي احالته للحكومة المقبلة لاقراره مرة أخرى، ما يعني "فرملة" التدقيق الجنائي مرة جديدة واسقاطه بــ "ضربة معلم" تبقي الملف مجمداً من جهة، والتدقيق في خبر كان من جهة ثانية. ويعتقد متابعون لملف التدقيق الجنائي المالي ان مجرد إحالة الموضوع الى عقد جديد، قد يعني ترتيب التزامات او شروط جديدة بموجب هذا العقد، وهو ما سيمنع حكومة تصريف الاعمال من المصادقة على العقد، بسبب محدوديـــة صلاحيتها من هذه الناحية. اما إحالة العقد الى الحكومة المقبلة، فسيعني توريط الملف بالسجال المتوقع حول المؤسسات الرسمية التي ينبغي ان يبدأ منها التدقيق الجنائي، خصوصاً بعد ان لوح رئيس المجلس النيابي نبيه بري بضرورة انطلاق التدقيق الجنائي من وزارة الطاقة قبل أي مؤسسة رسمية أخرى. مع العلم ان هناك من يخشى أيضاً من توسيع نطاق العقد المقترح منذ الآن، بانتظار مصادقة الحكومة المقبلة على العقد، ليشمل التدقيق مؤسسات أخرى غير المصرف المركزي، وهو ما يمكن ان يحمل مسار التدقيق الجنائي الغاماً إضافية كفيلة بتفجيره منذ الآن، في حال شموله مؤسسات لا ترغب بعض القوى السياسية بفتح ملفاتها. 
اما التخوف الآخر فهو إمكانية وجود نية للتفاوض على نطاق التدقيق الجنائي داخل المصرف المركزي نفسه، او الأهداف التي ينبغي ان يذهب اليها. فعقد التدقيق الجنائي السابق كان واضحاً من ناحية استهدافه عمليات الهندسات المالية، والتحولات التي جرت في حسابات المصارف لدى مصرف لبنان خلال فترة حصول هذه الهندسات، بالإضافة الى أمور أخرى كنوعية الشركات والافراد الذين استفادوا من التحويلات التي جرت عبر المصرف المركزي. اما طلب الاجتماع مع الشركة لاعادة البحث في مهامها، فيمكن ان ينطوي على محاولة لتمييع اهداف التدقيق او تغييرها، كجزء من تسوية ما قبل إعادة اطلاق هذا المسار!

ما هي الأهداف؟
وطرحت مصادر حكومية تساؤلات عن أهداف وزارة المال من العودة الى مناقشة نطاق واهداف العقد نفسه، كما طلب الوزير، لاسيما وان بنود العقد السابق كانت واضحة جداً من هذه الناحية ولا حاجة بالتالي لمثل هذا النقاش الا في حال وجود نية للتحايل على نوعية المهام المطلوبة من "الفاريز ومارسال" داخل مصرف لبنان، علماً ان طريقة وزارة المال "الغامضة" في التعاطي مع هذا الملف تزيد من هذه الهواجس لأن الوزارة لم تعلن توجهها العام بخصوص هذه الخيارات. 
ويقول المتابعون لهذا الملف ان شركة "الفاريز" كانت تدرك سلفاً نوعية الألغام الموجودة في قانون رفع السرية المصرفية، من مسألة التغاضي عن ذكر حسابات المصارف لدى مصرف لبنان صراحة ضمن الحسابات المشمولة برفع السرية المصرفية، الى مبدأ توازي التدقيق بين مصرف لبنان ومؤسسات الدولة الأخرى. ولذلك، لم ترغب الشركة منذ البداية بخوض النقاش القانوني مع مصرف لبنان بعد توقيع العقد الجديد، فلجأت الى توجيه رسالة خطية وطلب إجابات مكتوبة من قبل مصرف لبنان، تضمن تعاونه في حال استئناف التدقيق الجنائي لتفادي الاخذ والرد. لكن بعد موقف مصرف لبنان، من خلال ابداء الإيجابية المقرونة بالقانون الملغوم نفسه، عاد وزير المال للطلب من شركة التدقيق مناقشة طلباتها في ضوء هذا القانون أيضاً. بمعنى آخر، بدا واضحاً ان وزير المالية يحاول اليوم توريط الشركة في تفاوض جديد حول طلباتها السابقة، بالارتكاز على القانون الذي حاولت تفادي الغرق في الفترة المقبلة، خصوصاً ان الشركة لم تبد سابقاً أي استعداد للمساومة على مصداقيتها بالقبول بعملية تدقيق لا تستند الى معلومات كاملة حددتها بوضوح في رسالتها المكتوبة.
في أي حال، المخاوف كثيرة ومشروعة، ذلك ان المعلومات تشير الى ان الشركة الملتزمة ترفض رفضا قاطعاً حتى خوض النقاش القانوني بخصوص التفسيرات المحتملة لقانون رفع السرية المصرفية لغايات التدقيق الجنائي، وتصر كطرف خارجي على إعطائها ضمانات تؤكد حصولها على المعلومات المطلوبة، بمعزل عن تفسير أي طرف للقانون. اما في حال طلب وزير المال إعادة التفاوض على نطاق العقد وأهدافه، سواء عبر توسيعه ليشمل مؤسسات أخرى، او عبر تغيير غاياته داخل مصرف لبنان، فستتعامل الشركة مع طلبات الدولة اللبنانية كما تتعامل مع أي طلب جديد، أي دراسته وتحديد كلفته واشتراط وجود المعلومات التي تحتاجها لاتمام المهمة.
والسؤال الأهم هو سبب عدم السير بالعقد السابق نفسه، طالما ان الشركة محددة فيه شروطها بوضوح ومن دون الحاجة لمناقشات ومفاوضات جديدة، وطالما ان وزير المال يحمل في جعبته موافقة مجلس الوزراء على العقد بكل مندرجاته. كما ينبغي السؤال هنا عن سبب الإصرار على الدخول في مباحثات مع الشركة بخصوص شروطها، بدل الضغط على المصرف المركزي لاعطاء أجوبة نهائية وحاسمة بخصوص تساؤلات الشركة، وفقاً لتفسير الحاكم نفسه لبنود قانون رفع السرية المصرفية. ففي هذه الحالة، ستحدد المسؤوليات بوضوح، من ناحية الأطراف التي تسهل او تعرقل هذا المسار، كما سيكون بإمكان المجلس النيابي ادخال ما يلزم من تعديلات قانون لسحب آخر الذرائع القانونية التي ما زالت تعرقل مسار التدقيق الجنائي.