تفاصيل الخبر

هل تصبح مطالبة عون بالمداورة في الحقائب "حجة" لميقاتي للاعتذار عن تأليف الحكومة؟

05/08/2021
الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي..هل يخرج الدخان الأبيض إيذاناً بالتفاهم أم يعتذر الأخير؟

الرئيسان ميشال عون ونجيب ميقاتي..هل يخرج الدخان الأبيض إيذاناً بالتفاهم أم يعتذر الأخير؟



أخطأ رئيس الحكومة المكلف تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة الرئيس نجيب ميقاتي عندما ظن أن مهمته ستكون سهلة، وأن ولادة الحكومة العتيدة ستكون سريعة خلافاً لما كانت عليه الحال مع سلفه الرئيس المكلف سابقاً سعد الحريري الذي بقي نحو تسعة أشهر حاملاً التكليف من دون أن يقترن بالتأليف لينتهي به المطاف معتذراً عن التأليف. لقد اعتقد الرئيس ميقاتي أن تسميته من 72 نائباً، وأن الدعم الفرنسي والأميركي له، سيسهلان مهمته، وبالغ في التفاؤل عندما ظن في وقت من الأوقات أن ولادة حكومته ستكون طبيعية وليست قيصرية، لاسيما وأن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان استبق الاستشارات النيابية الملزمة بالتصريح أنه جاهز للتعاون معه خصوصاً أنه قادر على "تدوير الزوايا" والوصول الى تفاهم حول التركيبة الحكومية. وعلى هذا الاساس حمل ميقاتي ملفه وصعد الى القصر وكله أمل في إعلان الحكومة قبل 4 آب (أغسطس) الجاري، الذكرى الاولى لتفجير مرفأ بيروت فيحدث بذلك صدمة ايجابية لدى الرأي العام تكمل تراجع سعر الدولار أمام الليرة اللبنانية كما حصل في اليوم الأول للتكليف، واستمر في التراجع الى حين اتضح أن المهمة لن تكون ميسرة، وأن الأمر يحتاج الى مزيد من الوقت والتشاور والزيارات المتكررة الى قصر بعبدا، إلا أن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، إذ وجد الرئيس المكلف أمامه العقبة التي واجهت سلفه وهي مطالبة رئيس الجمهورية أن تكون وزارة الداخلية من حصته وليست من حصة الطائفة السنية كما كانت الحال في الحكومات السابقة التي تناوب على حقيبة الداخلية فيها وزراء سنة هم نهاد المشنوق (مرتين) وريا الحسن، وصولاً الى العميد المتقاعد محمد فهمي في حكومة الرئيس حسان دياب .... ولم يبد الرئيس عون مرونة حيال هذه المسألة على رغم العلاقة الشخصية الإيجابية القائمة بينه وبين الرئيس ميقاتي، خلافاً لما كان عليه الوضع مع الرئيس الحريري. وفي هذا السياق، يقول متابعون لمسار "المفاوضات" بين عون وميقاتي إن السهولة التي برزت في التواصل بين الرئيسين لتوزيع الحقائب المعروفة بالحقائب الأساسية والخدماتية والعادية بحيث أمكن توزيعها من دون أي إشكالية، غابت خلال البحث في الوزارات السيادية الأربع، الدفاع والخارجية والداخلية من حصته مبرراً طلبه الملح بأن المكون المسيحي لم ينل هذه الوزارة منذ ما قبل نهاية عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، تماماً كما بالنسبة الى وزارة المالية التي استأثر بها المكون الشيعي في حكومة الرئيس تمام سلام الأخيرة في عهد سليمان، واستمر الوضع على حالة في الحكومات الثلاث التي شكلت في عهد الرئيس عون الذي وإن كان سلم على مضض ببقاء حقيبة المال في عهدة الشيعة، وتحديداً الرئيس نبيه بري من خلال الوزير السابق النائب علي حسن خليل، ثم الوزير غازي وزني، إلا أنه لم يتقبل بأن تبقى الداخلية في عهدة السنة بعدما كان توافق مع الرئيس الحريري على أن تكون هذه المرة من حصة المسيحيين واختلف معه على اسم الوزير الذي كان من المفترض أن يتسلمها، اذ اقترح الحريري في حينه اسم القاضي الأورثوذكسي زياد أبي حيدر، فيما اقترح الرئيس عون اسم المحامي عادل يمين.


الداخلية سبب الخلاف


لقد تكرر المشهد نفسه بين عون وميقاتي الذي أجرى تبديلات في الحقائب الأساسية والخدماتية والعادية لم يعترض عليه رئيس الجمهورية، إلا أن جاء دور الحقائب السيادية، فحصلت المواجهة التي ظلت هادئة بعيداً عن أي تحديات لا في الإعلام ولا على طاولة الاجتماعات التي عقدت عليها جلسات البحث بين عون وميقاتي. شرح الرئيس عون للرئيس المكلف سبب مطالبته بالداخلية قائلاً لشريكه في التأليف إنه يمثل فريقاً له أكبر كتلة نيابية في مجلس النواب، وأكبر كتلة مسيحية، فضلاً عن كونه رئيساً للجمهورية ولم يحصل منذ انتخابه رئيساً للجمهورية على حقيبة الداخلية ومن حقه أن يطالب بها هذه المرة لاسيما وأن حكومة ميقاتي قد تكون آخر حكومة تتشكل في عهده الذي ينتهي في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، ويريد بالتالي أن ينال هذه الحقيبة كي لا تكرس للسنة، كما صار الحال بالنسبة الى وزارة المال للشيعة. ذلك أن الرئيس عون يعتبر، وفقاً لمصادر مطلعة على موقفه، بأن لا شيء يمنع من تسلم المسيحيين (وليس بالضرورة الموارنة) هذه الوزارة، على أن يأخذ السنة وزارة الخارجية او وزارة الدفاع. ردّ الرئيس ميقاتي بأنه يتفهم موقف الرئيس عون ويحترمه، إلا أنه غير قادر على الاستغناء عن وزارة الداخلية في هذا الظرف بالذات، خصوصاً أن الشيعة رفضوا المداورة وأصروا على الاحتفاظ بوزارة المال. ولا يمكنه استطراداً أن يتحمل أن يقول "صقور السنة"، أي رؤساء الحكومة السابقين والمجلس الاسلامي الشرعي الأعلى برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، إنه "تنازل" عن وزارة الداخلية في وقت لم يتنازل فيه الشيعة عن وزارة المالية..... مقترحاً أن يبقى القديم على قدمه، اي الداخلية للسنة والمالية للشيعة والخارجية للموارنة والدفاع للأورثوذكس أو العكس بالعكس. وكرر ميقاتي أنه لا يستطيع أن "يعطي" الداخلية لرئيس الجمهورية طالما أن الشيعة في وزارة المالية خصوصاً أن من أبرز مهام الداخلية هذه المرة، إجراء الانتخابات النيابية في ربيع 2022 التي يفترض أن تفرز مجلساً نيابياً سيتولى انتخاب رئيس يخلف الرئيس عون في سدة الرئاسة بعد انتهاء ولايته.

وتضيف المصادر المتابعة أن الرئيس عون عندما وجد إصراراً من الرئيس ميقاتي على موقفه، ذكره أن المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" في الأول من أيلول (سبتمبر) 2020 والتي حظيت بموافقة جميع الأطراف السياسيين كانت تنص على المداورة في كل الحقائب الوزارية من دون استثناء، ولأن الذين أيدوا تسمية ميقاتي بمن فيهم "الثنائي الشيعي" يعلنون تمسكهم بالمبادرة الفرنسية بكل مندرجاتها، فهذا يعني قبولهم بالمداورة في الحقائب وبالتالي فإن رفض المداورة يتناقض مع المبادرة الفرنسية، فضلاً عن أن تجاهل هذه المسألة أحدث إشكاليات في مسار تشكيل الحكومة ما سبب في تأخير ولادتها على يد الحريري، وهو لا يريد أن يتكرر الأمر نفسه مع ميقاتي، علماً أن الصيغة الأولى للتشكيلة الحكومية التي قدمها الحريري أول مرة اعتمدت المداورة في الحقائب، ما عدا المالية، قبل أن يغير رأيه ويقدم في الصيغة الثانية توزيعاً مختلفاً أبقى الداخلية في عهدة السنة. وقال عون إن الالتزام المعلن من الأطراف السياسيين بالمبادرة الفرنسية يفترض بالتالي احترام بنودها وفي مقدمها مبدأ المداورة في توزيع الحقائب الذي اعتبر عون أنه يشكل حلاً طبيعياً للاشكالية القائمة حول التمسك بحقائب معينة، وعدم اعتماد المداورة فيها.


عون... والمداورة في الحقائب


وفيما أبدى ميقاتي تأييده لإجراء مداورة شرط أن يقنع الرئيس عون "الثنائي الشيعي" بها، اعتبر رئيس الجمهورية أن هذه المهمة هي من صلاحية الرئيس المكلف الذي يتولى هو تشكيل الحكومة وعرضها على رئيس الجمهورية للاتفاق معه على إصدارها، معتذراً بذلك من عدم القيام بهذه المهمة هو، لاسيما وأنه يعلم سلفاً أن الشيعة لن يقبلوا معه أي تنازل عن المالية لاعتبارات مختلفة. وفي اللقاء الذي جمع الرئيسان عون وميقاتي قبل ذكرى 4 آب (أغسطس)، توقف البحث عملياً بعد اصرار ميقاتي على عدم تغيير التوزيع الطائفي على الحقائب السيادية كي تبقى كما هي في توزيعة حكومة دياب المستقيلة.... وفيما كان ميقاتي يغادر بعبدا معلناً هذا الموقف لئلا يفتح عليه "وكر الدبابير" كما قال، كانت بعبدا تطلق "معركة" سياسية وسعت فيها "بيكار" المواجهة إذ اعتبرت أن تمسك الشيعة بالمالية والسنة بالداخلية لا يتناقض مع المبادرة الرئاسية الفرنسية فحسب، بل كذلك يهدف الى عدم تكريس أعراف جديدة مخالفة للدستور لجهة تخصيص حقائب وزارية الى طوائف محددة وحجبها عن طوائف أخرى ما يحدث تمييزاً بين الطوائف اللبنانية من جهة، ويخالف مبدأ المساواة بين اللبنانيين ويجعل طوائف معينة "تحكم" وزارة محددة وتمنعها عن طوائف أخرى ما يعود سلباً على الميثاقية ويضرب الشراكة الوطنية في الصميم. ولاحظت بعبدا أن وثيقة الوفاق الوطني التي انبثقت عن اتفاق الطائف لم تلحظ حصرية في توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف بدليل أنه منذ البدء بتطبيق اتفاق الطائف توزعت كل الطوائف على الوزارات كافة لاسيما منها الوزارات السيادية التي لم تكن حكراً على طائفة محددة، وأن ما حصل خلال السنوات الأخيرة من تخصيص حقيبتي المالية للشيعة والداخلية للسنة، أحدث حالات تتناقض ومبدأ التوازن الوطني الذي اختل وسبب خلافات سياسية أعاقت في حالات كثيرة عمليات تشكيل الحكومات وفي أحسن الأحوال تأخيرها، ومن غير الجائز أن يستمر هذا الخلل. ودعت بعبدا الى العودة الى مبدأ المداورة في توزيع الحقائب الوزارية كافة، إحقاقاً للعدالة والمساواة بين اللبنانيين وحفاظاً على الشراكة الوطنية التي عمادها الوحدة والعيش المشترك، ما يسهل عملية تشكيل الحكومة العتيدة لمواجهة الظروف الدقيقة التي يمر بها الوطن.

غير أن التوجه الرئاسي لاعتماد المداورة سرعان ما قوبل برفض من "الثنائي الشيعي" الذي أصرّ على الاحتفاظ بحقيبة المالية ما أسقط عملياً منطق بعبدا وجعل الرئيس المكلف وسط تناقضين: إصرار الرئيس عون على اعتماد المداورة في الحقائب الوزارية، ورفض الشيعة مثل هذا الطرح، ما يعني عملياً فتح مادة خلافية جديدة بين الرئاسة الأولى والرئاسة الثانية لا بد أن تنعكس على إرادة الرئيس المكلف إنجاز تشكيل حكومته، خصوصاً أن عدم التوافق بين عون وميقاتي تحول خلافاً بين عون والثنائي الشيعي من غير الواضح الى أين يمكن أن يصل، خصوصاً إذا نأى ميقاتي بنفسه عن هذا الخلاف وآثر الخروج من اللعبة كي لا يزيد الشرخ اتساعاً من خلال استحداث اصطفاف شيعي - سني في مواجهة رئيس الجمهورية وفريقه السياسي الممثل بــ "التيار الوطني الحر" برئاسة النائب جبران باسيل الذي لم يدخل علناً في هذه المواجهة، وإن كان يدعم عملياً موقف الرئيس عون في إعطاء المسيحيين حقيبة الداخلية من خلال اعتماد مبدأ المداورة في الحقائب الوزارية كافة.

واللافت أن هذا الخلاف المتجدد يقع في ظرف يكثر فيه الضغط الخارجي على المسؤولين اللبنانيين للإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة لتباشر بالاصلاحات التي ينادي بها المجتمع الدولي، والتحضير للانتخابات النيابية المقبلة في ربيع 2022. وقد تجلى هذا الضغط مرة جديدة في المداخلات التي سجلت خلال مؤتمر دعم الشعب اللبناني في نسخته الثالثة الذي عقد افتراضياً يوم الأربعاء الماضي بدعوة مشتركة من الرئيس الفرنسي "ماكرون" والأمين العام للأمم المتحدة "انطونيو غوتييريس". فهل دخلت البلاد مرحلة اعتذار ثالث لتشكيل الحكومة بعد اعتذارين من السفير مصطفى أديب والرئيس الحريري أم أن الساعات المقبلة قد تحمل مؤشرات إيجابية من بينها تنازل السنة عن وزارة العدل وإعطائها للمسيحيين مع بقاء الداخلية في عهدة السنة من خلال وزير يتوافق على اسمه الرئيسان عون وميقاتي؟

قبيل مغادرة ميقاتي قصر بعبدا يوم الاثنين الماضي سأله الصحافيون إذا كانت مهلة التشكيل مفتوحة، فرد بانفعال: "إن المهلة غير مفتوحة وليفهم من يفهم"... فهل كان الرئيس ميقاتي يلمح من خلال هذا الجواب الى أن خيار الاعتذار بدأ يقترب وهو الذي قال للرئيس عون خلال إحدى الجلسات إنه ليس في وارد أن يبقي التكليف معه أشهراً كما فعل الرئيس الحريري؟