تفاصيل الخبر

المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء هيئة قضائية منتخبة ... لكنها غير فاعلة !

04/08/2021
البرلمان اللبناني ينتخب أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء .

البرلمان اللبناني ينتخب أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء .


 لا تزال الاستدعاءات التي وجهها المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار الى رئيس الحكومة حسان دياب والنواب غازي زعيتر وعلي حسن خليل ونهاد المشنوق والوزير السابق يوسف فنيانوس للاستماع الى افادتهم حول مسألة ادخال "نيترات الامونيوم" الى مرفأ بيروت عبر الباخرة "روسوس" وبعضهم مدعى عليه، تتفاعل في الاوساط الرسمية والسياسية لاسيما لجهة مثول الوزراء السابقين امام التحقيق واشكالية الحصانات الدستورية التي يتمتعون بها، مع تصاعد الحديث حول رفع الحصانات او عدمه، او احالة الوزراء السابقين الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والنواب، خصوصا بعد العريضة التي وقعها عدد من النواب لاحالة زملائهم الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والذين تعرضوا لحملة قوية من اهالي شهداء المرفأ وعدد من السياسيين والمفكرين الذين وصفوا موقعي العريضة بــ " نواب العار"، وتحركت جمعيات معينة بملف المرفأ معترضين عما اعتبروه "محاولة للالتفاف على التحقيق وتمييعه" خصوصا ان هذا المجلس غير فاعل ولم يسبق له ان نظر في اي قضية او دعوى، فضلا عن تشكيك الكثير من القانونيين بقدرة المجلس الاعلى كمحكمة استثنائية على الانعقاد واصدار الاحكام....

وتصاعدت الاعتراضات الشعبية الى حد دفع عدد من النواب الذين وقعوا العريضة الى سحب تواقيعهم تجنبا لردود الفعل الشعبية الغاضبة، في وقت تبارى كثيرون من موقعي العريضة في الحديث عن اسباب توقيعهم بالتزامن مع كلام كثير حول ضرورة رفع الحصانات عن جميع المسؤولين ابتداء من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وصولا الى اصغر مسؤول معني بشكل او بآخر في جريمة المرفأ سواء عن علم بوجود "النيترات" او في التقصير في سحبها من المرفأ وغيرها من الاسباب. واستبق كثيرون ما يمكن ان ترسو عليه الدعوات الى مقاربة هذا الملف مع حلول الذكرى الاولى للجريمة التي اوقعت اكثر من 200 ضحية وجرح اكثر من ستة الاف شخص، فضلا عن الدمار الذي حل بنصف العاصمة. وتوج رئيس الجمهورية المواقف باعلانه خلال استقباله المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات انه مستعد للادلاء بافادته امام المحقق العدلي اذا رغب في الاستماع اليه، متجاوزا الحصانة التي يمنحها له الدستور حيث لا تبعية على الرئيس الا في حالتي الخيانة العظمى وانتهاك الدستور، او في حال ارتكب خلال رئاسته جريمة موصوفة وهذه التهم لا تنطبق على مسألة تفجير المرفأ، خصوصا انه عندما وصله تقرير امن الدولة عن وجود "النيترات" في المستودع رقم 12 احاله على الامانة العامة لمجلس الدفاع الاعلى لاجراء المقتضى القانوني اي الى الطلب من الجهات المعنية بالمرفأ بمعالجة المسألة بسرعة.

ودخلت البلاد في حقل واسع من المزايدات حول استدعاءات القاضي بيطار بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، من دون ان يؤدي ذلك الى وضوح في الخطوات التالية التي ستتبع، وذلك حسب ما سيكون عليه موقف النواب من العريضة المرفوعة لاحالة المعنيين الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء كما ينص الدستور، والذي لا يمكن تعديله الا بشروط محددة في نصوصه وهي غير متوافرة حاليا ومنها ضرورة انعقاد المجلس لتعديل الدستور خلال دورة عادية، في حين انه حاليا في دورة استثنائية الى حين تشكيل الحكومة الجديدة. ويرى قانونيون ان امكان تجاوز النصوص الدستورية ممكنة اذا ما قرر المدعى عليهم او المدعوون للمثول امام المحقق العدلي، ان يتجاوبوا طوعا مع دعوة القاضي بيطار من دون التذرع بالحصانات التي يتمتعون بها. لقد تحولت القضية من اطارها القانوني الى اطار سياسي اختلط به الحابل بالنابل ولم يعد معروفا لمن الحق او على من الحق، خصوصا ان المواقف التي صدرت من كل حدب وصوب زادت الامور غموضا، ولم يعد في الامكان تبيان الخيط الابيض من الخيط الاسود، لاسيما في ظل رأي قانوني يقول ان الدعاوى التي تطرح امام المجلس العدلي، الذي هو اعلى سلطة قضائية تحاكم المتهمين واحكامها غير قابلة لاي نوع من انواع الطعن، لا تنطبق عليها المحاذير او الموجبات التي تنطبق على الدعاوى القضائية الاخرى.


المجلس الأعلى .... غير منتج!

لكن المشكلة تكمن في ان ثمة من يشكك بعمل المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وبعدم فعاليته لانه لم يجتمع ولو مرة واحدة للنظر في دعوى قضائية طاولت وزيرا او نائبا، حاليا او سابقا، وذلك منذ تأسيسه في العام 1990 تنفيذا لما جاء في وثيقة الوفاق الوطني التي اقرت في مؤتمر الطائف بهدف محاسبة المسؤولين المحميين بالحصانات بموجب مناصبهم في حال ارتكابهم مخالفات خلال ممارسة مهامهم الدستورية. واعضاء المجلس الاعلى عينوا في جلسة للهيئة العامة لمجلس النواب العام 2020 وتتألف من سبعة نواب اصيلين و3 احتياطيين و8 قضاة اصيلين و3 احتياطيين. وظل السؤال الذي يراود الاوساط السياسية والرسمية على حد سواء هل من الضرورة ان يمثل المدعى عليهم الوزراء السابقون امام المجلس الاعلى لاسيما وان ثمة لدى الكثيرين قناعة بانه غير فاعل؟. فما هي قصة انشاء هذا المجلس وفاعليته ومسؤولياته؟

يقول قانونيون حول المجلس ان المادتين 60 و 71 من الدستور خصصت محاكمة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء بالمجلس الاعلى الذي ينظر بجرائم خرق الدستور والخيانة العظمى والاخلال بواجبات الوظيفة وهي عمليا جرائم سياسية وليست جرائم عادية، من دون ان ينفي ذلك انه ينظر بالجرائم العادية التي يرتكبها رئيس الجمهورية وفق احكام قانون العقوبات ايضا، على ان تبقى الجرائم العادية التي يرتكبها رئيس مجلس الوزراء من صلاحية المحاكم العادية، التي تنظر فيها وفق قانون اصول المحاكمات الجزائية، وتطبق عليها احكام قانون العقوبات. ويضيف القانونيون ان رئيس مجلس الوزراء والوزراء يحاكمون امام المجلس الاعلى بعد اتهامهم من مجلس النواب بموجب قرار يصدر عن غالبية الثلثين من مجموع اعضائه، وذلك عن جريمتي الخيانة العظمى والاخلال بالواجبات المترتبة عليهم، لافتين الى انه وبما يتعلق برئيس الجمهورية، فقد اقر الدستور اللبناني مسألة عدم مسؤوليته عن مجمل التصرفات والاقوال التي تصدر عنه خلال قيامه بوظيفته ولكن هذه الحصانة السياسية لا تحول دون ملاحقة جزائيا في حال ارتكابه الجرائم العادية او الخيانة العظمى او خرق الدستور. وفي هذه الحالات، يجب صدور قرار الاتهام عن مجلس النواب بغالبية ثلثي مجموع اعضائه، وعندها يتوقف الرئيس عن ممارسة مهماته، وتناط صلاحياته وكالة بمجلس الوزراء ويحاكم امام المجلس الاعلى، حتى اذا ما صدر حكم بادانته اعفي من منصبه وانتخب رئيس جديد بدلا منه.


نصوص لم تطبق يوماً

 الا ان ثمة من يعتبر في معرض تشكيكه بعمل المجلس الاعلى ان هذا المجلس وجد كاداة بيد مجلس النواب لكبح القضاء عن ملاحقة النواب عندما يجد البرلمان ان هذه الملاحقة لا تصب في مصلحة الاكثرية النيابية، فاما ان يرفض راهنا طلب رفع الحصانة او يقوم بتمييع الموضوع من خلال احالة شكلية لهذا المجلس. ويصف احد الحقوقيين المجلس بــ "الهجين والمسخ بتركيبته بحيث انه يجمع بين قضاة ونواب معا وهذا بحد ذاته يضرب مبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية، اضف انه بحاجة لتوافق سياسي على الاتهام بعيد كل البعد عن القانون والقضاء وهذا الاتهام يجب ان يصدر عن النواب باكثرية ثلثي عدد اعضاء المجلس النيابي وهو غالبا ما يكون متعذرا". ويوضح ان "ادانة المجلس للمتهمين تتطلب اكثرية موصوفة تربو الى 10 اعضاء من اصل 15 عضوا يتألف منهم المجلس". معتبرا "انه ثبت ان هذا المجلس غير فاعل ولم يفض الى اي محاكمة في تاريخه"، ومارس المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء صلاحياته مرتين فقط. الاولى كانت في وجه الرئيس امين الجميل الذي كان يخطط للعودة الى لبنان خلال عهد الوصاية السورية مطلع التسعينات حيث تم التلويح بملاحقة قضائية في صفقة الطوافات "البوما" الفرنسية التي جرت خلال عهده ودارت حولها شبهات فساد.

وثبت للجنة تحقيق نيابية بعد سنتين ( 1993- 1995) ان لا ادلة على تورط الرئيس السابق للجمهورية في عمولة غير قانونية. اما المرة الثانية فكانت مع الوزير السابق للنفط شاهي برصوميان، بتهمة بيع رواسب نفطية لوحق بها امام القضاء العادي عام 1999 قبل ان يستعيد مجلس النواب الملف ويضعه لديه برسم المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. من دون ان يبت به حيث لا يزال الملف عالقا.

من هنا، ترى مصادر متابعة ان لا فائدة ترتجى من احالة ملف الوزراء المعنيين بالادعاء الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، لان ذلك يؤشر الى ان ثمة من يعمل على تمييع الملف وتجهيل المسؤولية، وهو امر يمكن ان تكون له مضاعفات سلبية وسط الاجواء الشعبية الضاغطة بعد مرور سنة على وقوع الجريمة من دون ان ينتهي التحقيق فيها وتحديد المتهمين وتحقيق العدالة بهم!.