تفاصيل الخبر

حكومة ميقاتي: دعم محلي وخارجي أمن التكليف وضغط مماثل لولادة الحكومة قبل 4 آب وليس بعده!

29/07/2021
الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي بعد التكليف.

الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي بعد التكليف.


لم تأت تسمية الرئيس نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة بعد تسعة اشهر من استقالة الرئيس حسان دياب مصادفة، تماماً كما لم يأت هذا الخيار بعد محاولتين فاشلتين، الأولى تكليف السفير مصطفى اديب واعتذاره، والثانية تكليف الرئيس سعد الحريري واعتذاره، محض مصادفة ايضاً. فالرجل الآتي الى رئاسة الحكومة للمرة الثالثة بعد مرتين الأولى في 2005 والثانية في 2010، ما كان ليقبل هذه المهمة "المفخخة" لولا ثقته بأنه سيكون قادراً على اجتياز الممر الضيق من التكليف الى التأليف. صحيح ان 72 نائباً سموه لتحمل هذه المسؤولية، مقابل 42 امتنعوا وثلاثة غابوا، لكن الصحيح ايضاً ان الدعم الخارجي له لا يمكن تجاهله او التقليل من اهميته. من هنا فإن محاولة تفشيله، سواء اتت من فريق العهد، كما يتهم البعض، او من اطراف آخرين، لن تكون مهمة سهلة لا بل ان  نجاحها – اذا حصل – ستكون له مضاعفات خطيرة على الواقع السياسي اللبناني من جهة، وعلى قيادات رسمية وسياسية من جهة اخرى . ثمة من قال إنها "الفرصة الاخيرة" للبنان للخروج من ازماته المتسارعة وبدء مسيرة نهوض قد تتعثر لكنها سوف تستمر ولو على مراحل، فيما اعتبر آخرون ان نجاح المعرقلين، الى اي فريق انتموا، سيدفع الى مزيد من الانهيار والسقوط لأن الامر سوف يعني دخول البلاد في ازمة نظام لها تداعياتها في الاشهر الاخيرة المتبقية من عهد الرئيس ميشال عون الذي برز في وجهه الكثير من الصعوبات والمشاكل والاحداث تضافرت بعضها مع البعض الاخر وآلت الى النتيجة التي وصلت اليها البلاد.

من هنا، فإن الاوساط السياسية المطلعة تدعو الى التعاطي بمسؤولية حيال تكليف الرئيس ميقاتي من حيث الافساح في المجال امامه كي يتمكن من تشكيل حكومة يريدها حكومة انقاذية على مختلف المستويات تحسباً لما هو اسوأ. ولأنه يدرك اهمية تسلمه " كرة النار" التي قذفت اليه واختار التقاطها طوعاً، فهو اظهر في الايام الاولى بعد تكليفه حنكة في التعاطي مع عقد التأليف خلال اللقاءات التي عقدها مع الرئيس عون للوصول الى اتفاق يؤدي الى ولادة الحكومة على رغم بروز بعض العقد لعل ابرزها واكثرها حدة، عقدة وزارة الداخلية والبلديات التي يطالب الرئيس عون بأن تكون من الحصة الرئاسية، فيما يرى الرئيس المكلف ان تكون من حصة الطائفة السنية طالما انه من المتعذر اجراء المداورة في الحقائب السيادية الاربع بفعل اصرار الشيعة على ان تكون وزارة المالية من حصتهم.

اما العقدة الثانية فهي وزارة العدل التي يطالب بها الرئيس عون ايضاً، فيما يرى ميقاتي ان تكون من ضمن الحصة الشيعية ولأن لا خلاف على بقية الحقائب التي سوف تتوزع على الطوائف اولاً وعلى الكتل السياسية الرئيسية التي سمت ميقاتي لرئاسة الحكومة ثانياً، فإن الجهد سوف ينصب على ايجاد "حل وسط" يؤدي الى حل عقدتي الداخلية والعدل من خلال اتفاق "لا يكسر" الفريق الرئاسي من جهة، ولا يضعف الرئيس المكلف من جهة ثانية لأن على " كتفه" يتحرك "صقور" الطائفة السنية الممثلين برؤساء الحكومة السابقين والمجلس الاسلامي الشرعي الاعلى وغيرهم، في انتظار ان "يتراجع" الرئيس ميقاتي، فتنهال عليه تهم "التخاذل" و"التفريط" بحقوق الطائفة السنية وغيرها من النعوت الموجعة خصوصاً قبل اشهر من حصول الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، والرئيس ميقاتي قرر خوضها في دائرة طرابلس حيث رصيده الشعبي لا يستهان به....


مرونة ميقاتي غير صلابة الحريري

الصيغة التي يعمل عليها في التركيبة الجديدة، هي صيغة الـــ 24 وزيراً، وهي نفسها التي اعتمدت في آخر صيغة قدمها الرئيس سعد الحريري الذي كان يدرك ان امكانية عودته الى السراي بدت في وقت من الاوقات صعبة لاعتبارات داخلية عنوانها الخلاف بينه وبين الرئيس عون، واعتبارات خارجية تتمظهر من خلال عدم الرضا السعودي على توليه رئاسة الحكومة لأسباب تتعلق بالشأن السعودي الخاص بين الحريري والقيادة السعودية منذ الحادث الذي حصل في الرياض قبل اعوام في ظروف يحرص الحريري على عدم الحديث عنها، لا بل ينفي حصولها على رغم ان الوقائع ثابتة في هذا المجال وما ينقل عن مسؤولين سعوديين يؤكدها.

النقاش في صيغة التأليف قد يأخذ وقتاً بين الرئيسين عون وميقاتي بسبب التباين في وجهات النظر حول عقدتي الداخلية والعدل، لكن عدم تشكيل الحكومة سوف يعني ان حلفاء ميقاتي والذين كانوا في مقدمة داعمي تولي هذه المسؤولية، ومنهم بشكل رئيسي الرئيس الرئيس نبيه بري وحزب الله، سوف يتضامنون مع المكون السني في عدم ترشيح شخص آخر غيره في حال اعتذاره، ما يغرق البلاد في ازمة خلافية جديدة تترك المزيد من التدهور على الاوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية المتدهورة اصلاً بسرعة قياسية. لذلك ترى الاوساط المطلعة ان من مصلحة الجميع، لاسيما الفريق الرئاسي، الوصول الى تسوية مع ميقاتي حول الحقائب المتنازع عليها، وعدم الذهاب الى "صدام" له مردوده السيء. وما يشجع على هكذا تسوية ان ميقاتي قابل للاخذ والعطاء، وقادر على تدوير الزوايا، ويتعاطى بمرونة في الحالات المماثلة على حد تعبير الرئيس عون نفسه في حديثه الى جريدة "الجمهورية" فضلاً عن ان اي اعتذار محتمل للرئيس ميقاتي عن متابعة المهمة سيتحمل العهد تبعاته وهو في الاشهر الاخيرة من الولاية الرئاسية.

لقد اصاب الرئيس بري عندما قال وهو يغادر قصر بعبدا بعد تبلغه نتيجة الاستشارات النيابية الملزمة، إن العبرة تبقى في التأليف لأنه يدرك ان الشيطان يكمن في التفاصيل من جهة، ولأن تجارب سابقة جعلت الحذر سيد الموقف من جهة ثانية. فضلاً عن الانطباع السائد بأن قواعد اللعبة لم تتغير كثيراً لا في بعبدا ولا لدى الرئيس المكلف على رغم تبدل بعض اللاعبين وبالتالي فإن ثمة مخاوف من ان تكون نتيجة تكليف ميقاتي مماثلة لنتيجة تكليف الحريري، الذي نال للمرة الاولى تسمية الجناح الثاني من "الثنائي الشيعي" اي حزب الله في خطوة غير مسبوقة اثارت الكثير من الاجتهادات والتحليلات والتكهنات  علماً ان نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم اقرّ بأن خطوة تسمية الحريري لرئاسة الحكومة كانت "خطوة جريئة" من قبل الحزب، مورداً اربعة اسباب لها، الاولى مقاربة المسألة من زاوية ان الاولوية لتشكيل الحكومة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، اما السبب الثاني فهو ان الحزب اقترح الرئيس سعد الحريري لاسباب عدة لكن في اعتذاره تقرر تأييد تسمية من يسميه الحريري اي الرئيس ميقاتي، اما السبب الثالث فيعود لكون ميقاتي الخيار الوحيد المطروح لرئاسة الحكومة، فيما السبب الرابع ان هذا الاختيار لديه قدرة تواصل عربية ودولية، فضلاً عن " قطع الطريق" على اي متربص لاثارة الفتنة بين السنة والشيعة.....




دعم حزب الله خطوة غير مسبوقة

وفيما يرى المراقبون ان العلاقة الشخصية "الطيبة" بين الرئيسين عون وميقاتي قادرة على تذليل بعض العقبات وليس كلها، فإن ثمة من يؤكد ان الدعم الخارجي لميقاتي من قبل الفرنسيين والاميركيين وعواصم عربية وازنة، والعقوبات الاوروبية على المعرقلين قد تكون كافية لدفع العهد الى الذهاب نحو حكومة انقاذية والى التخلي عن شروطه التي باتت معروفة (حصة وازنة وتسمية وزراء لاسيما المسيحيين والاستحواذ على بعض الحقائب الاساسية)، خاصة اذا كان حزب الله باقياً في موقع الداعم لميقاتي فضلاً عن ان العامل القادر على كسر المراوحة هو خفض ميقاتي سقف الشروط الذي كان الحريري رسمه وتخلي العهد عن واحد لا اكثر من مطالبه. ويرى مراقبون ان دعم حزب الله لترشيح ميقاتي والاستعداد لتذليل العقبات امام التشكيل يستفيد منه ميقاتي اولاً والحزب ثانياً لأنه يسقط اتهامات خصوم الحزب بأنه - اي الحزب - "مستفيد" من التعطيل المتمادي وانه لا يريد تشكيل حكومة وانه كان يناور خلال الاشهر السابقة  لمنع الحريري من تأليف الحكومة، فأتى التصويت لميقاتي المدعوم من الحريري ليظهر بالوجه الشرعي ان الحزب يريد "تشريج " بطاقة تكليف ميقاتي بالرصيد الذي من شأنه ان يسهل مهمته، كما ان في تلك الخطوة تفكيك المقولة التي سوقت فكرة ان الحزب متواطىء مع "التيار الوطني الحر" في عرقلة التشكيل ويتلطى خلفه للتمويه على حقيقة موقفه، بحيث ان تمايزه عن "التيار" في التسمية بدد نظرية "المناورات المشتركة" واظهر ان هناك تباينات حقيقية بينهما حيال الملف الحكومي تحت سقف التنوع داخل التحالف، وليس توزيعاً للادوار كما قد يتهيأ للبعض.

كذلك فإن من الاسباب محاولة تأمين ولو الحد الادنى الممكن من متطلبات مواجهة التحديات الخدماتية والمعيشية التي تتحكم بهذه المرحلة وتتقدم على اي ملفات اخرى، ما يستدعي براغماتية ومرونة في التعاطي السياسي من دون التخلي عن الضوابط والثوابت المتصلة بالخيارات الكبرى. ولا ينكر المطلعون استشعار الحزب بالخطر الناتج من استمرار تفاقم معاناة الناس الذين انهكتهم الازمات اليومية ومن ضمنهم جمهور المقاومة، وبالتالي السعي الى تخفيف الاعباء الاقتصادية والاجتماعية عنهم، الامر الذي لا يمكن ان يتحقق من غير تشكيل الحكومة التي باتت ممراً حتمياً للعبور نحو تخوم "منطقة الامان" ولجم الانهيار.

وربطاً بكل هذه المقاربة، من المتوقع ان يسري دعم الحزب لميقاتي في التكليف على مفاوضات التشكيل انطلاقاً من قاعدة ان كل طرف يعرف ضمناً الخطوط الحمر لدى الآخر والمساحات المشتركة التي يمكن البناء عليها.

ويبقى السؤال هل تتشكل الحكومة قبل 4 آب (أغسطس) المقبل كما يرغب الرئيس ميقاتي ومعه المجتمع الدولي، فتحمل الذكرى الاولى لتفجير المرفأ ولادة حكومة جديدة، ام يتأخر التشكيل الى ما بعد هذا التاريخ ؟ ثمة من يقول انه اذا لم تولد الحكومة قبل 4 آب (أغسطس) ، فإن الوضع السياسي والامني سيهتز، فيما يرى آخرون ان تمر الذكرى مع ما يمكن ان يرافقها من تظاهرات تتحمل حكومة دياب مسؤولية التعاطي معها، وتأتي حكومة ميقاتي لــ "تقطفها"، الا انه في الحالتين ثمة مخاطر لا يجوز الاستهانة بها... وقديما قيل "خير البر عاجله"....


الرئيس ميقاتي مع الرئيس سعد الحريري خلال  الاستشارات غير الملزمة في مجلس النواب.

الرئيس ميقاتي مع الرئيس سعد الحريري خلال الاستشارات غير الملزمة في مجلس النواب.