تفاصيل الخبر

تقارير أمنية عن تحركات مقلقة تواكب إحياء الذكرى الأولى لتفجير المرفأ!

28/07/2021
أحداث الشمال وعمليات قطع الطرق هناك.

أحداث الشمال وعمليات قطع الطرق هناك.


 انشغال الوسطين الرسمي والسياسي في عملية تشكيل الحكومة الجديدة بعد التعقيدات التي رافقتها على اثر اعتذار الرئيس سعد الحريري عن الاستمرار في عملية التشكيل، لم يحجب الاهتمام بالوضع الأمني في البلاد في ضوء التقارير التي ترد الى الأجهزة الامنية المختلفة عن مخاوف من حصول اضطرابات تحت عنوان تراجع الأوضاع المعيشية وتزايد حدة فقدان المواد الاساسية من محروقات وادوية وانقطاع التيار الكهربائي وامتداد ذلك الى المولدات التي تغذي الأحياء بالتيار. صحيح أن قادة الاجهزة الامنية يرسلون تقارير الى السلطة السياسية توصف ما يجري وتضيء على بعض التحركات التي تحصل في عدد من المناطق اللبنانية، لاسيما الحدودية منها في الشمال والبقاع، لكن الصحيح ايضاً ان حجم الاجراءات الوقائية التي يفترض بهذه الأجهزة ان تتخذها تبقى دون ما يناسب هذه التحركات التي تجد في بعض التراخي الامني باباً للنفاذ منه من اجل التحرك على الارض والتحضير لتحركات امنية عندما تأتي الساعة، او عندما تسمح الظروف بذلك.

 خلال الاسبوعين الماضيين أمكن رصد سلسلة مؤشرات اعتبرها الامنيون "رسائل" لفتوا المسؤولين السياسيين الى دقتها والى احتمال تشعبها، لكن المجلس الاعلى للدفاع الذي التأم الاسبوع الماضي لم يدخل في تفاصيل هذه التحذيرات الواردة في التقارير وخصص جلسته، في غياب القادة الامنيين، للبحث في مسألة رفع الحصانة عن المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا بناء على طلب قاضي التحقيق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار، من دون الوصول الى نتيجة حاسمة على اساس ان طلب القاضي بيطار برفع الحصانة، ارسل الى رئيس مجلس الوزراء حسان دياب، في حين انه يفترض ان يرسل الى الامانة العامة لمجلس الدفاع الاعلى، بعدما افتت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ان من يتخذ قرار رفع الحصانة عن اللواء صليبا هو المجلس الاعلى للدفاع مجتمعاً وليس رئيسه رئيس الجمهورية، او نائب رئيسه رئيس الحكومة. لكن ذلك لم يلغ ان التقارير الامنية التي كانت ارسلت الى المراجع الرسمية عددت بعض هذه المؤشرات الامنية التي تشي بإمكانية حصول اضطرابات لاسيما مع حلول الذكرى الاولى لتفجير المرفأ حيث من المقرر ان تشهد البلاد تحركات اعتراضية واسعة ظاهرها منظم، لكن المخاوف كبيرة من احتمال اندساس عناصر من خارج الجهات المنظمة للتحركات الشعبية بقصد افتعال اعمال شغب والاعتداء على القوى الامنية بهدف الاصطدام معها، الامر الذي يحرف المسار الشعبي الاعتراضي على التفجير، الى مكان آخر.

تحركات في الشمال وبيروت والخط الساحلي

 ولعل ما يزيد من قلق المسؤولين الامنيين، معلومات توافرت عن محاولات جرت الاسبوع الماضي لاستدراج الجيش الى لعبة الشارع في وقت يعاني فيه العسكريون من مختلف الاسلاك الامنية من ازمة معيشية ومالية خانقة، مثلهم مثل جميع اللبنانيين لاسيما اولئك الذين يشكلون الطبقة ما دون المتوسطة، والطبقة الفقيرة في ظل الارتفاع الجنوني وغير المضبوط لسعر صرف الليرة قياساً الى الدولار الاميركي. فالذي حصل في منطقة جبل محسن في طرابلس خلال قيام وحدات من الجيش بمهمة اعادة فتح الطرق تجاوز مسألة القاء قنبلة يدوية في اتجاه عناصر الجيش ما ادى الى جرح خمسة عسكريين، الى تمادي الاعتداء على الجيش خلال محاولته فتح الطريق التي قطعت والتي تؤدي في جانب منها الى ثكنته، ما اعاق تحرك الجيش في المنطقة على نحو غير مسبوق. واظهرت التحقيقات ان الذي القى القنبلة على دورية الجيش في اثناء تأديتها مهمتها، هو شاب سوري قدم مؤخراً الى المنطقة، وانخرط مع مجموعة من الشبان السوريين الذين امتهنوا النزول الى الشارع خلال التظاهرات السلمية للمعترضين على الاوضاع، وتحويل هذه التظاهرات الى دموية من خلال ارتكاب اعمال شغب ضد الممتلكات العامة والخاصة، والتعرض للقوى الامنية ومقاومتها. وحرص الوجهاء في جبل محسن على ابلاغ القيادة العسكرية ان هذا الشاب مع المجموعة التي انخرط فيها لا يعكس موقف ابناء المنطقة الذين يرفضون التعرض للقوى المسلحة التي طالما حمتهم خلال الاشتباكات التقليدية التي حصلت قبل سنوات بين الجبل وباب التبانة.


اما المؤشر الآخر الذي اقلق المسؤولين، فكانت التحركات التي حصلت بعيد اعتذار الرئيس الحريري عن تشكيل الحكومة بالقرب من المدينة الرياضية في بيروت والتجمعات الشبابية التي سجلت ورافقها قطع طرق واشعال اطارات ومواجهة قوى الجيش التي انتقلت الى المكان لفتح الطريق التي تعتبر اساسية، وذلك تنفيذاً لقرار القيادة بعدم قطع الطرق الحيوية وإعاقة تنقل المواطنين واقلاق راحتهم. وقد اتضح ان قسماً كبيراً من هؤلاء قدم من مخيمي صبرا وشاتيلا، واطلقوا شعارات استفزازية سجلت للمرة الاولى منذ تحرك الشارع في لبنان. ورصد الامنيون ان هؤلاء الشبان تصرفوا بعنف مع القوى العسكرية في وقت كانوا يطلقون فيه عبارات اتهامية بأن الجيش "ميليشيا" وانه "جيش السلطة" وغيرها من التعابير التي تسيء الى المؤسسة العسكرية. وتطور الامر الى حد رمي العسكريين بالحجارة والادوات الحادة ما اوقع عدداً من الجرحى في صفوف العسكريين، من دون ان يؤدي ذلك الى استفزاز الجيش واستدراجه الى مواجهة كان في مقدوره انهاءها بسرعة لو اراد استعمال القوة. لقد ضبط العسكريون النفس تنفيذاً لأوامر قائد الجيش العماد جوزف عون الذي نوه بــ "شجاعة" الضباط والعسكريين وحكمتهم وانضباطيتهم، وهو موقف اراد خلاله العماد عون التأكيد على ان الجيش ليس في وارد مواجهة الناس المعترضين عن حق على الغلاء الفاحش وعلى انقطاع البنزين والمازوت وارتفاع اسعار الادوية الخ.... لكنه في المقابل لن يسمح بحصول فلتان واسع قد يصعب ضبطه الا اذا لجأ الى استعمال العنف وهو امر غير وارد.

استهداف منزل وزير الداخلية

غير ان ما رفع منسوب القلق من تدهور امني مرتقب من خلال استغلال التحركات الشعبية السلمية، هو ما حصل امام منزل وزير الداخلية والبلديات العميد محمد فهمي حين تسلل شبان الى التظاهرة السلمية لاهالي ضحايا المرفأ ووقفتهم الاحتجاجية وراحوا يواجهون حراس منزل الوزير فهمي ولم يكن عددهم كبيراً، وخلعوا بوابة المدخل الحديدية وحطموا زجاج مدخل البناية وكادوا ان يصعدوا الى منزل الوزير. وبدا الفارق بين التحرك السلمي للاهالي، وحركة المتسللين عندما انسحب اهالي الضحايا، فيما ظلت العناصر "الداخلية" ترفض الانسحاب واصطدمت مع القوى الامنية المولجة حماية منزل وزير الداخلية الذي كان في منزله مع عائلته، وهو ابدى استعداداً لمقابلة وفد من الاهالي، لكن الحابل اختلط بالنابل، وحصلت المواجهة التي لم تنته الا بعد وصول وحدات من فرق مكافحة الشغب في قوى الامن، ولو متأخرة، استعمل افرادها القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين.... وبدا لافتاً ان الجيش تأخر في إرسال قوة دعم لمؤازرة قوى الامن الداخلي على رغم ان دقة الموقف ووضع الوزير فهمي كان يفرضان مثل هذه الخطوة الضرورية في حالات كهذه حيث يصبح من المتعذر معرفة كيف ستنتهي المواجهة بين القوى الامنية والمعترضين.

اما العامل الاكثر خطورة، فهو معاودة قطع طريق الجنوب في محلة الناعمة والتي سبق ان حذر الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من قطعها لانها الطريق الى الجنوب، ومسار تحرك رجال المقاومة في انتقالهم من الضاحية الجنوبية الى الجنوب. هذا الوضع الحساس على الاوتوستراد الجنوبي كان دائماً مدار متابعة نظراً لخطورة استمرار قطع الطريق مع الخوف من حصول مواجهة بين قاطعي الطريق والمعترضين على قطعها، كما حصل سابقاً بين عشائر خلدة ومناصرين من حزب الله. ويتخوف الامنيون من تكرار الحوادث المماثلة على طريق الجنوب لان ردود الفعل على قطع الطريق غير مضمونة العواقب. ولعل انتشار قوى الجيش على الاوتوستراد الدولي من العوامل التي ادت الى استمرار الطريق الدولية الى الجنوب مفتوحة تحسباً لأي طارىء.

يقول مصدر أمني رفيع إن ما حصل في الاسبوع الماضي في بيروت وطرابلس وعلى طريق الجنوب وأمام منزل الوزير فهمي، إشارات مقلقة تدعو الى التنبه الى ضرورة ابقاء الوضع الامني ممسوكاً، لأن القوى العسكرية جاهزة لتحقيق هذه الغاية على رغم معاناة افرادها وضباطها، لكن الامور مرهونة بأي تطورات يمكن ان تحصل تخرج عن المحتمل والمتوقع في ظل المعطيات التي تؤكد وجود من يعمل على احداث شغب امني تحت ستار الاعتراض على الظروف المعيشية الصعبة، وان هناك خلايا نائمة قد تصحو في اي لحظة لتزيد الاجواء احتقاناً وتوسيع اطار الفلتان الامني الذي يشبه لعبة "الدومينو" اذ يكفي سقوط حجر لتكر بعدها كل الأحجار الأخرى، والأرض الشعبية مع استمرار الغلاء وانقطاع الدواء والبنزين والكهرباء، تساعد على ذلك بسبب النقمة الشعبية التي يتم التعبير عنها من خلال التحركات الشعبية السلمية التي يخشى ان تخرج في لحظة من اللحظات عن إطارها السلمي وتقع المواجهة مع القوى الامنية وهنا مكمن الخطورة. وما يزيد من منسوب القلق الواقع المعيشي الصعب الذي ترزح تحته القوى العسكرية لاسيما بعد تسجيل حوادث فرار من الاسلاك العسكرية والأمنية كافة لا تزال محدودة لكنها قد تتسع في اي وقت اذا ما استمر التدهور المعيشي على ما هو عليه وارتفاع سعر صرف الليرة في مقابل الدولار وحصيلته ارتفاع جنوني وغير مسبوق في الاسعار. ويؤكد المصدر الامني ان قيادة الجيش تعمل على تدبر امر عناصرها وضباطها من خلال السعي الدؤوب الى تأمين الحاجات المعيشية من خلال مروحة دعم دولية موعودة، الا ان الانهيار المستمر لسعر صرف الليرة يرهق كامل افراد المؤسسة العسكرية. وقد طرح البعض فكرة استحداث صندوق خاص لدعم الجيش والقوى الامنية تحت رعاية دولية ذلك ان المعادلة واضحة إذ إنه كلما كان وضع الجيش سليماً، كلما تأمنت الحماية اللازمة للساحة اللبنانية من مخاطر التفتيت والاقتتال الداخلي، ومسؤولية الجماعة السياسية في هذا المجال كبيرة وأساسية.

الاعتداء على منزل وزير الداخلية محمد فهمي.

الاعتداء على منزل وزير الداخلية محمد فهمي.