تفاصيل الخبر

مؤتمر دعم الشعب اللبناني في باريس يتجاوز المؤسسات الرسمية الى الهيئات الأهلية

28/07/2021
الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" خلال زيارته مرفأ بيروت بعد الانفجار.

الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" خلال زيارته مرفأ بيروت بعد الانفجار.


 يوم الأربعاء في الرابع من آب (أغسطس) المقبل، لن يكون فقط الذكرى السنوية الأولى للتفجير في مرفأ بيروت، مع ما تحمله هذه الذكرى من مآسٍ على اللبنانيين الذين دمر نصف عاصمتهم وسقط أكثر من 200 شهيد وستة آلاف جريح، وتضررت منازل وممتلكات وشركات ومؤسسات، اضافة الى ما حصل في المرفـأ من دمار هائل.... بل سيكون ذلك اليوم موعداً للمؤتمر الذي دعا اليه الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" لدعم الشعب اللبناني، وهو الثالث من هذا النوع منذ انفجار المرفأ. وكان من المقرر عقد المؤتمر في 20 تموز (يوليو) الجاري، الا ان الرئيس "ماكرون"، وبعد التشاور مع الامين العام للامم المتحدة "انطونيو غوتييريس"، نقل الموعد الى 4 آب (أغسطس) على أمل تحقيق أمرين: الأول إعداد المؤتمر إعداداً جيداً ليأتي بالنتائج المرجوة من خلال الاتصالات التي باشرت فيها الديبلوماسية الفرنسية في اكثر من اتجاه ودولة، والثاني لكي يتزامن مع ذكرى التفجير فيعطي املا للبنانيين الذين سيعيشون ذلك النهار ذكريات اليمة عن جريمة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. اما الهدف الثالث الذي ابلغته باريس الى المسؤولين اللبنانيين، فهو الافساح في المجال امام تشكيل حكومة جديدة ترتكز في تركيبتها على المبادرة الرئاسية الفرنسية المعلنة في الاول من ايلول من العام الماضي، علماً ان هذا الاول كان عبّر عنه الفرنسيون، قبل اعتذار الرئيس سعد الحريري عن تشكيل الحكومة واعادة خلط الاوراق على الساحة السياسية اللبنانية.

وكشفت مصادر ديبلوماسية اوروبية ان تاريخ 4 آب يتجاوز ابعاد ما حصل او ما يمكن ان يحصل في لبنان، الى بعد فرنسي، ذلك ان الدعوة الى المؤتمر تتزامن تاريخياً مع مناسبة فرنسية وطنية، لأن الفرنسيين يحييون كل عام منذ 4 آب 1789 اقرار قانون قمع الامتيازات الاقطاعية، ما اعتبر ضرورياً ولازماً لتثبيت الثورة وامتصاص نقمة الفرنسيين. يومها، اقرت الجمعية التأسيسية الوطنية الفرنسية هذا القانون، في حدث عد عظيماً للثورة الفرنسية بوضعها حداً للنظام الاقطاعي. استمر الاجتماع من السادسة مساء الى الثانية فجراً، ونتج عنه الغاء كل الحقوق والامتيازات الاقطاعية وكل امتيازات الطبقات والمحافظات والمدن والشركات واعلان المساواة التامة في الحصول على الوظائف العامة بين جميع المواطنين،  بناء على مبادرة من نادي بريتون le club Breton  المسى لاحقاً نادي اليعاقبة  le club des jacobins  وتمثلت الحقوق الاقطاعية بضريبة العشر الكنسية والعدالة الاقطاعية ونظام السخرة، والغاؤها عنى انهيار النظام الملكي وتدشين مجتمع فرنسي جديد، بثلاثيته الشهيرة: حرية، مساواة، اخوة، وعليه قرر الايليزيه عقد مؤتمر اغاثة لبنان في توقيت مفارقتي : الذكرى الاولى لتفجير المرفأ، والذكرى الـــ 232 لالغاء الامتيازات الاقطاعية وانبثاق النظام الفرنسي السياسي - المجتمعي الجديد.


المساعدات عبر الهيئات الأهلية!ٍ 

رسمياً، لم يتبلغ لبنان بعد الدعوة الى المشاركة في مؤتمر 4 آب (أغسطس) المقبل ولا مستوى التمثيل الذي سيكون عليه المشاركون، هل على مستوى رئاسي ام على مستوى وزير الخارجية "جان ايف لودريان"، كما لم يصل جدول الاعمال ولا برنامج اليوم الذي يبدأ ظهراً ويستمر من حيث المبدأ الى حين انتهاء مداخلات المشاركين فيه افتراضياً. ومع ذلك تتحضر الدوائر اللبنانية للمشاركة في المؤتمر على اي مستوى كان، مع افضلية بأن تكون المشاركة على مستوى رئاسي حيث ستكون هناك كلمة للبنان يعرض فيها باختصار الحاجات الانسانية الملحة التي يريدها للتخفيف من حدة الازمة التي يعيشها اللبنانيون، لكن ما يقلق المسؤولون في بيروت، هو ما وصل الى مسامعهم بأن المشاركين في المؤتمر، كما المحضرين له، يعملون على ان تصل المساعدات الى الهيئات والمنظمات الاهلية وليس مؤسسات الدولة اللبنانية وادارتها، لأن الجانب الدولي لديه ملاحظات كثيرة حول اداء المؤسسات الرسمية التي يعشش فيها الفساد، وغالبية القيمين عليها، ينظر اليهم المجتمع الدولي كــ "مرتكبين" ومشجعين على الفساد والرشى وكل من ينتمي الى عائلة "الانحراف" بصلة... 

وفي هذا السياق، ينقل عن المصادر الديبلوماسية نفسها القول إن المسؤولين في قصر الايليزيه وابرز معاوني الرئيس "ماكرون"، باتوا على قناعة بأن النظام اللبناني على ما هو عليه من ثغرات دستورية واستحالات سياسية وتناقضات انتظامية ونتوءات مجتمعية، لم يعد قابلاً للاستمرار وتالياً، لا بد من خطوات تحديثية وتطويرية تقودها طبقة سياسية جديدة تحظى بدعم دولي يتيح لها تحقيق اختراقات جوهرية لن تهضمها بسهولة ويسر الدولة العميقة القائمة على ثنائي تحالف مافيا الميليشيا والفساد الحي بجسارة ووقاحة منذ العام 1990 وليس افضل من الانتخابات النيابية للاتيان بالتغيير، لو قضماً وعلى مراحل . كما ليس افضل من توظيف تآمر التحالف المافيوي لإبطاء العدالة في قضيتي تفجير المرفأ والتحقيق الجنائي، شعاراً للطبقة الجديدة المبتغاة، يحملها  الى المجلس النيابي المرتقب ربيع سنة 2022.

 وباتت باريس اقرب الى القناعة بأن التعاطي مع المؤسسات الرسمية "والجماعة السياسية" اياها، ليس بالأمر المفيد او المنتج من هنا، جاء اعلان ماكرون عن الاتفاق الدولي على آلية لتمويل استمرار الخدمات العامة للبنانيين، ما يشكل في نظر المصادر نفسها، مدخلاً لمشروع دولي متكامل للبنان قد يصل ربما الى التأسيس لمرحلة ثانية تتمثل بدخول دولي على خط التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، لاسيما وان باريس وغيرها من الدول الاوروبية، تتابع بقلق المماحكات الجارية على صعيد التحقيق الذي يتولاه المحقق العدلي القاضي طارق بيطار "والصراع" القائم بينه وبين مجلس النواب بعد طلبه رفع الحصانة على النواب علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق الذين تولوا سابقاً مسؤوليات وزارية في وزارات المال والاشغال العامة والنقل والداخلية وكانوا على علم بوجود "نيترات الامونيوم" في المستودع الرقم 12 الذي انفجر وأوقع الكارثة... وفي هذا السياق ترى باريس، ان "المنظومة" اياها التي تعرقل الاصلاحات وتمنع مكافحة الفساد وتضع العصي في دواليب التدقيق المالي الجنائي، تقف هي نفسها، مجتمعة او متفرقة، في طريق تسهيل عمل المحقق العدلي والتجاوب مع طلبه المعلل برفع الحصانة والحصول على اذونات لملاحقة الموظفين المدعويين الى التحقيق، لكن باريس، وفق المصادر نفسها تطمح الى رؤية بدء ورشة دستورية - اصلاحية لتحديث النظام على أسس مختلفة عن الأسس القديمة التي قام عليها النظام في لبنان طوال السنوات الماضية والتي اوصلت البلاد الى ما هي عليه حالياً من تدهور وتراجع غير مسبوقين. وتوقفت المصادر عند تقرير نشرته صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية المقربة من القيادة الفرنسية ومن كبار مستشاري الرئيس "ماكرون"، وفيه ان من اسباب تعثر استمرار الرئيس سعد الحريري في عملية تشكيل الحكومة، عدم الترحيب به اميركياً وسعودياً، فضلاً عن توجيه اتهام مباشر الى حزب الله بتخزين "نيترات الامونيوم" في مرفأ بيروت لمصلحة النظام السوري. اما العنصر الابرز في التقرير، فكان الاشارة الى امكانية وضع لبنان تحت الوصاية الدولية بإعادة تفعيل الفصل الثالث عشر من ميثاق الامم المتحدة، كنتاج لمؤتمر دولي تشارك فيه ايران والسعودية وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة الاميركية وغيرها. ويلفت التقرير الى ان ادارة الرئيس "ماكرون" باتت مقتنعة بأن الاصلاح المطلوب لن يتحقق عن طريق "الطبقة السياسية" التي تعتاش من الزبائنية، عملاً بالمثل القائل انه من الصعب الحصول على الجديد من خلال القديم!.