تفاصيل الخبر

لا دقة لأرقام الأسد عن الودائع السورية في المصارف اللبنانية لا قبل الحرب ولا بعدها

28/07/2021
الرئيس بشار الأسد يخطب في حفل قسم اليمين.

الرئيس بشار الأسد يخطب في حفل قسم اليمين.


 كلام الرئيس السوري بشار الأسد، في خطاب قسم اليمين لولايته الجديدة، عن أن "العائق الأكبر أمام الاستثمار في سوريا يتمثل في الأموال السورية المجمدة في البنوك اللبنانية المتعثرة" وأن "التقديرات تشير الى وجود ما بين 40 مليار دولار و60 ملياراً من الأموال السورية المجمدة في لبنان"، لم يكن الاول من نوعه اذ سبق للرئيس الاسد أن قال في تشرين الاول الماضي كلاماً مماثلاً تحدث فيه عن "حجز" ودائع بمليارات الدولارات تعود لسوريين في البنوك اللبنانية، لكن في ذلك الوقت كانت ارقام الاسد تتحدث عن 20 مليار دولار و42 مليار دولار قال عنها الرئيس السوري انها "فقدت" في القطاع المصرفي اللبناني "وهذا الرقم بالنسبة الى اقتصاد سوريا رقم مخيف".

 في الاطلالتين الاعلاميتين للرئيس الاسد الذي تناول فيهما مسألة ودائع السوريين في المصارف اللبنانية، أراد، كما تقول مصادر معنية، تبرير الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه سوريا نتيجة الحرب التي تمر بها منذ العام 2011، فضلاً عن "هروب" رساميل سورية تحسباً من اصحابها من تدهور الاوضاع منذ اندلاع الحرب. لكن الواقع الذي تدحضه الارقام وتؤكده مصادر مصرفية لبنانية موثوق بها، ان الودائع السورية في لبنان تراوح بين 6 مليارات و7 مليارات دولار وبعضها مشترك بين لبنانيين وسوريين بسبب شراكات عمل، او للبنانيين من اصول سورية مجنسين، وهؤلاء من عائلات عريقة موجودة في لبنان منذ عقود. ويذكر المتابعون كم حوى مرسوم التجنيس الذي صدر في عهد الرئيس الياس الهراوي من اسماء سوريين معظمهم من رجال الاعمال الميسورين، وتكرر الامر نفسه في  عهد الرئيس ميشال سليمان في مرسوم التجنيس الشهير الذي قيل فيه "الكلام الكبير" عن وجود اسماء لرجال اعمال سوريين دفعوا مبالغ راوحت بين 500 الف دولار ومليون دولار لوضع اسمائهم في المرسوم، وبعض هذه الاسماء اضيفت بخط اليد بعد توقيع المرسوم في وزارة الداخلية والبلديات ورئاسة الحكومة! كذلك الامر في عهد الرئيس ميشال عون، صدر مرسوم تجنيس آخر تضمن اسماء سوريين معظمهم من الميسورين ورجال الأعمال وأبناء عائلات سورية عريقة اختاروا الاستقرار في لبنان او على الاقل ان يكون لديهم موطىء قدم فيه دائماً.

وفي هذا السياق، يرى خبراء مصرفيون ضرورة التفريق بين الودائع السورية قبل العام 2011، اي قبل اندلاع الحرب السورية، وبين الودائع التي وصلت الى القطاع المصرفي اللبناني بعد الحرب. ذلك انه قبل العام 2011 ابقى معظم السوريين اموالهم في المصارف السورية ولم يودعوها المصارف اللبنانية لانه في خلال تلك الحقبة كان لبنان، في جزء منه على الاقل، على المستويين الشعبي والرسمي، في حالة مواجهة مع النظام السوري بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعمل لجان التحقيق الدولي وما استتبعها من محكمة دولية واجواء 14 آذار، ما جعل رجال الاعمال السوريين ينكفئون عن وضع اموالهم في المصارف اللبنانية، اما بعد العام 2011 فقد خرجت اموال من سوريا، ودخلت النظام المصرفي اللبناني، لكن "بشكل مؤقت"، اي على شكل "ترانزيت" او محطة قبل نقلها مرة ثانية الى دبي او تركيا او مصر. لكل هذا يقول المطلعون لم يكن كلام الاسد دقيقاً على الاطلاق، والارقام التي اطلقها  كان مبالغاً فيها بشكل كبير جداً، لم يعرف ما الذي استند اليه الاسد حتى بنى هذه التقديرات. فهل احتسب الاموال المودعة في المصارف اللبنانية الموجودة في سوريا ضمن هذا الرقم، ام استثناها، وكيف اعتبر ان اموالاً خاصة لمواطنين سوريين هي حكماً اموال تخص النظام السوري او تدخل في الحسابات الاقتصادية السورية.؟

لماذا المبالغة بالأرقام؟

وتفسر مصادر مصرفية اخرى سبب مبالغة الرئيس الاسد في الارقام التي اوردها فيما الواقع انها لا تتعدى 6 مليارات دولار، فتقول ان المتمولين السوريين وحتى قبل اندلاع الحرب في سوريا وابان الوصاية السورية على لبنان كانوا يتجنبون وضع اموالهم في المصارف السورية لعلمهم بسهولة وصول اجهزة النظام الى هذه الودائع ومعرفة حجمها والضغط على اصحابها، لذلك فضل هؤلاء الذهاب بودائعهم ومصالحهم الى دول اخرى مثل مصر والامارات والاردن وتركيا ودول اوروبية ايضاً، علماً ان العلاقة بين النظام المصرفي اللبناني ومودعين سوريين هي علاقة قديمة تعود الى الستينات بسبب الهاجس الذي كان موجوداً عند هؤلاء من تأميم هذه الاموال والممتلكات كما ان بعض هؤلاء قدامى المودعين اصبحوا حاملين للجنسية اللبنانية. المصادر المصرفية قالت ان المصارف اللبنانية لا تصنف الودائع بحسب جنسيات المودعين ولذلك لا يمكن تحديد رقم دقيق يتعلق بقيمة ودائع السوريين ولكنها في كل الاحوال من المستحيل ان تصل الى الارقام التي تحدث عنها الاسد، وكشفت هذه المصادر ان الودائع بالدولار بالمصارف اللبنانية تبلغ 107 مليارات دولار فهل يعقل ان يكون للسوريين اكثر من نصفها؟  علماً ان حجم ودائع غير المقيمين يبلغ 21 في المئة من مجموع الودائع بالدولار والليرة اللبنانية والتي تصل الى 135 مليار دولار وبين هؤلاء اللبنانيون المنتشرون في العالم.

وترى المصادر المصرفية، ان من اسباب المبالغة في كلام الرئيس الاسد ان حجم مجموع الودائع لغير المقيمين في المصارف اللبنانية قبل الازمة لم يكن يتجاوز 28 مليار دولار بينها قسم مهم لمودعين لبنانيين مغتربين فضلوا التسجيل في خانة غير المقيم، وما تبقى من هذه الودائع مقسوم بين المودعين الاجانب من كل الجنسيات بما فيها الخليجية والعراقية، وهي جنسيات لديها نسبة لا يستهان بها من مجموع ودائع غير المقيمين، فضلاً عن ان نوعية المودعين السوريين تنقسم الى مجموعة فئات. هناك المودعون المعارضون للنظام، وقد انسحبوا منذ سنوات طويلة من النظام المصرفي اللبناني، بعدما دخلت سوريا الى لبنان، ولم يعد هؤلاء يشعرون بالطمأنينة لوجود اموالهم هنا. وهناك فئة من السوريين المحسوبين على النظام، وهؤلاء توافدوا بكثرة الى النظام المصرفي اللبناني في خلال وجود سوريا في لبنان. لكن بعد اندلاع الحرب في الداخل السوري، وإقدام الولايات المتحدة الاميركية على وضع المصرف المركزي السوري على اللائحة السوداء، بالاضافة الى عدد من الشخصيات السورية المحسوبة على النظام، أقدم عدد كبير من هذه الفئة على سحب امواله من لبنان، بعدما بات يشعر بأن المصارف اللبنانية الملتزمة تطبيق القوانين الدولية، والقرارات الاميركية المتعلقة بالعقوبات، لم تعد الملاذ الآمن للاختباء من الرقابة الدولية، وهكذا خرج قسم كبير من هذه الاموال من لبنان.

 يشار الى ان 7 مصارف لبنانية تعمل في سوريا، وهي : بنك عودة سوريا، بنك سوريا والمهجر، بنك بيبلوس سوريا، بنك بيمو السعودي الفرنسي، فرنسبنك سوريا، بنك الشرق (يملكه البنك اللبناني الفرنسي)، وبنك سوريا والخليج. ولكن هذه المصارف منفصلة عن تلك اللبنانية في محاسبتها ومجالس ادارتها، ويفترض الا يكون لها اي علاقة بالازمة اللبنانية.

بنك عودة يعمل في سوريا.

بنك عودة يعمل في سوريا.