تفاصيل الخبر

السلطة على أبواب المُحاسبة الدولية

بقلم علي الحسيني
28/07/2021
الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري .. المحاسبة أولاً.

الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري .. المحاسبة أولاً.


 دخلت البلاد في مُنعطف جديد عقب اعتذار الرئيس سعد الحريري عن مُهمّة تأليف الحكومة، ويكاد يكون هذا المُنعطف، بحسب ما يجري تسريبه من خلف كواليس السياسة الخارجية، بمثابة حجر الزاوية الذي عليه سيُعاد ترتيب الوضع اللبناني على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وعليه، تُشير مصادر سياسية إلى أن الواقع الحالي، وتحديداً بعد الاعتذار، لا بد أن يوصل في مكان ما، إلى نهاية طريق مُظلم امتدّ سواده لأكثر من تسعة أشهر، حتّى في ظل تسمية شخصيّة بديلة عن الحريري تتولّى عنه مُهمة التأليف.

الوصاية أكثر ما يحتاجه لبنان

لبنان تحت الوصاية الدولية! بغض النظر حول صحّة هذا القول من عدمه، إلّا أنه يُترجم في أكثر من مكان، رغبة اللبنانيين بالخروج من الشرنقة الموجعة التي أحاطتهم بها السلطة منذ عامين وحتّى اليوم. ويُمكن القول إن انفراط عقد تأليف الحكومة، هو أفضل ما حصل للشعب اللبناني على الإطلاق في هذه المرحلة، والذي دلّ على انهيار التسويات السياسية التي كانت بدأت في شباط عام 2006 بين "حزب الله" و"التيّار الوطني الحر"، والتي انضمّ اليها لاحقاً كل من حركة "أمل" وتيّار "المستقبل" وحزب "القوّات اللبنانية"، وإن من بوابات أو تسميات أخرى، وهي التي سمحت بوصول الجنرال العائد إلى رئاسة الجمهورية.

برأي المصادر السياسية، أن التسويات هذه، بكل فروعها هي التي سلّمت لبنان إلى "حزب الله" قبل أن تنتهي مع اعتذار الحريري. لكن هذا، برأي المصادر، لا يعني "عفا الله عما مضى"، بل أن الجميع سيدفع ثمن هذه الإرتكابات، حتّى ولو حاول البعض نفض أيديهم مما حصل، أو التلطّي خلف "الثورة" وشعاراتها. علماً أنه يُسجّل لرئيسي حزب "القوّات اللبنانية" سمير جعجع و"التقدمي الاشتراكي"، تراجعهما عن أفعال "الجرم" التي ارتكباها من خلال التسويات على قاعدة "أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً".

تخبّط جماعي

تعود المصادر السياسية لتشرح الوضع المُنتظر، فتشير إلى أن الضغوطات الخارجية من الآن وصاعداً، هي التي ستتحكّم بمصير لبنان، حتى ولو عمل الحلف المُتبقّي على تأليف الحكومة، لذرّ الرماد في العيون حفاظاً على ماء وجهه. وهذه الضغوطات سوف تسفر عنها انتخابات نيابية جديدة، حتى في ظلّ القانون الانتخابي الحالي، وهذا سيؤدي في نهاية الأمر إلى تصحيح موازين القوى السياسية في لبنان، وإلى إنتاج بيئة صحية شبابية تُعيد تصويب الأمور على قاعدة وطنية لا حزبية أو طائفية.

وبحسب المصادر، فإن الفرنسي عرّاب المُبادرة الحكومية، لم يتعاط هو الآخر مع أفراد هذه السلطة كما كانت طريقة التعاطي من قبل. فعلى سبيل المثال، فإن تعاطيه مع الرئيس سعد الحريري خلال فترة التأليف، لا يليق بحجم الرجل السياسي والشعبي ولا بتاريخ العلاقة التي جمعت آل الحريري بالدولة الفرنسية لسنوات طويلة، وقد ظهر هذا التعاطي يوم أُجبر الحريري على التوجّه إلى قصر "الصنوبر" للقاء وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، علماً أن آل الحريري، لطالما كانوا ضيوفاً في قلب قصر الإليزيه وغيره وعلى مائدة الرؤساء والأمراء.

وتختم المصادر السياسية قولها: المؤكد أن هذه السلطة بكل أحزابها وشخصياتها، لم تنتهِ بعد، لا سياسياً ولا شعبياً، ولكن المؤكّد، أن الانتخابات النيابية سوف تحدّ حتماً من قدرتها وسطوتها، وسوف تسحب من تحت بساطها، مقاعد وزارية ونيابية، وقد بدأ يظهر تراجع دورها، داخل النقابات التي سيطرت عليها لعقود من الزمن.

على خط التكليف الجديد

من جهته، يجهد "حزب الله" من وراء الكواليس السياسيّة، للسير بموضوع تأليف حكومة برئاسة شخصيّة بديلة عن الحريري خصوصاً وأن العبرة في التأليف وليس بالتكليف، ذلك ضمن خطّين متوازيين يُعالج من خلالهما الوضع السياسي القائم حيث  يرسم ملامح المرحلة المُقبلة لجهة التعاطي مع الملف اللبناني بشكل عام، وتحديداً الشقّ المتعلّق في كيفيّة تشكيل الحكومة المُنتظرة لجهة تركيبتها وتوجّهها. 

وفي الوقت نفسه، يسعى رئيس "التيّار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، لرفع مسؤولية التعطيل عن نفسه من خلال قبوله بمعظم "الشروط" أو العناوين التي ستطرحها الشخصيّة السُنيّة البديلة هذه المرّة، لكن ضمن سياسة "التبادل" وحفظ التوازنات والاحتفاظ بـ"المكاسب". 

والسؤال الذي يُطرح اليوم، يتعلّق بنسبة حظوظ نجاح أي مهمّة تشكيل حكوميّة خصوصاً في ظل "الهيمنة" المفروضة من قبل حلفاء السلطة على عمليات التأليف كلها، والشروط التعجيزيّة التي يضعونها أمام أي اسم يصل إلى "منصّة" التكليف، حتّى وإن بدت هذه السلطة وعلى رأسها "حزب الله"، مُستعجلة في الخطّ الأوّل لإنهاء التشكيل قبل حلول موعد الذكرى السنوية الأولى لانفجار المرفأ في الرابع من آب، لأسباب كثيرة يتعلّق أبرزها، بحركة الاعتراضات في الشارع والتي ستتزايد في الأيام المُقبلة، ومنعاً لتكرار ما حصل أمام منزل الوزير محمد فهمي خشية تأثيرها السلبي، على مهمّة الرئيس المُكلّف الجديد.

فيّاض: المُشكلة في الأولويات

استاذة علم النفس الدكتورة منى فياض ترى أن المُشكلة في لبنان تكمن، في أن هناك من يطالب بالإصلاح الإداري وهناك من يصوب على المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وهناك من يصوّب على قانون الانتخابات ويريد انتخابات مبكرة لتغيير المعادلة، وهناك من يتابع القضاء والسياسيين. لا شك أن الثورة نجحت في خلق جو عام وسلوكيات جديدة كالمراقبة والمساءلة وسجنت السياسيين في مخابئهم. مع ذلك، خلال أكثر من عام لم تصل إلى الهدف المنشود، وهو القضاء على الفساد أو تغيير السلطة الحاكمة.

وتُضيف فيّاض: الفساد موجود منذ القدم، لكن مؤشرات محاربته وتتطلب الطهارة الشخصية والمالية، كمعيار أساسي في العمل السياسي لم تظهر سوى بعد الحرب الباردة. فالفساد أو الواسطة، في جزء منه استمرارية لنمط التعامل في البنى الاجتماعية الموروثة. لكن عندما تظهر الدولة تصبح الخدمات حقوقاً. ففي دولة القانون لا تعود هناك من حاجة إلى "واسطة" للحصول على خدمات، لأنها حقوق مكتسبة. لكن خلل الأوضاع المستمر، جعل كل لبناني محتاجاً ومستفيداً بشكل أو بآخر من خدمات أحدهم "الشخصية"، بدل أن يحصل عليها كحقوق من الدولة. 

وتختم فياض: إنها معركة تحرر وطني تتطلب تشكيل أوسع تحالف من كل لبناني مستعد لحمل مطلب تطبيق الطائف والدستور والقرارات الدولية. القضاء المستقل ومساواة المواطنين أمام القانون هما الشرطان الأساسيان لمحاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، ولا قضاء مستقل يحاسب المرتكبين دون سيادة. وأمام خطر انهيار لبنان الدولة، لا نملك ترف رفض من يراجع نفسه من الطبقة السياسية ويحارب من أجل استعادة السيادة، والمحاسبة على سرقة المال العام تأتي لاحقاً.

الدكتورة منى فياض:  الثورة نجحت في خلق جو عام وسلوكيات جديدة كالمراقبة والمساءلة وسجنت السياسيين في مخابئهم.

الدكتورة منى فياض: الثورة نجحت في خلق جو عام وسلوكيات جديدة كالمراقبة والمساءلة وسجنت السياسيين في مخابئهم.

النائب جبران باسيل و"حزب الله" المسؤولية واحدة.

النائب جبران باسيل و"حزب الله" المسؤولية واحدة.

قصر العدل.. من هنا المطالبة بالعدالة.

قصر العدل.. من هنا المطالبة بالعدالة.