تفاصيل الخبر

الشارع يغلي والحرائق ستطاول الجميع.
الشارع يغلي والحرائق ستطاول الجميع.
11/03/2021

هل يفرض الشارع الملتهب تشكيل الحكومة بعد تردد الفرنسيين وانكفاء الخارج و"دلع" الداخل؟!

 لم يكن ينقص الشعب اللبناني "العظيم" سوى ان يهدد رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب بالاعتكاف عن ممارسة مسؤولياته الحكومية "اذا كان الاعتكاف يساعد على تشكيل الحكومة"، كما قال يوم السبت الماضي معلناً جهوزيته للجوء الى الاعتكاف مع انه يعرف تداعياته السيئة ، معتبراً "انه في ظل تعاظم التحديات يجب الا يتقدم أي عمل على جهود تشكيل حكومة جديدة لأن المعادلة واضحة".

لقد زاد موقف الرئيس دياب الوضع السياسي في لبنان تأزماً وتعقيداً، لكنه اضاء في المقابل على خطورة استمرار البلاد من دون حكومة وسط معطيات اقتصادية ومالية واجتماعية وامنية لا تبشر بالخير، بل بالعكس تنذر بالانهيار الكامل الوشيك، وسط تغييب كامل للحلول الممكنة للخروج من الازمة الحكومية التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. وما يزيد من خطورة الموقف الحكومي وتأزمه عدم وجود مؤشرات الى حلول قريبة مع استمرار موقف فريق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون  و"التيار الوطني الحر" من جهة، ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وفريقه من جهة أخرى على المواقف ذاتها والشروط والشروط المضادة، فضلاً عن بقاء الرئيس الحريري في غالبية الأوقات خارج لبنان في رحلات لم يعرف بعد الهدف منها لاسيما زياراته المتكررة الى دولة الامارات العربية المتحدة.

واذا كانت الحركة في الداخل بفعل المواقف المتصلبة التي تصدر عن الفريقين المعنيين بالتأليف، أي رئيسي الجمهورية والرئيس المكلف، فإن الإشارات الواردة من العاصمة الفرنسية باريس حيث انطلقت مبادرة الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون"، لا توحي بأن ثمة رغبة فرنسية في التوقف عن السعي لتشكيل الحكومة لكن دون ضغط متواصل باستثناء "الرسائل" التي تصل من حين الى آخر من باريس حول ضرورة الإسراع في التفاهم بين اللبنانيين لاطلاق عملية النهوض التي لا تنطلق، حسب الفرنسيين، الا من خلال تشكيل حكومة من دون تأخير على حد تعبير السفيرة الفرنسية في بيروت "آن غريو"، تكون مستعدة للعمل بجدية لاسيما وان الوضع الطارئ على الصعد الصحية والاقتصادية والاجتماعية، تتطلب يقظة، لما يستوجب ان يتحمل جميع الافرقاء السياسيين مسؤولياتهم. الا ان ترجمة كلام "غريو" عملياً لا يزال محدوداً اذ تؤكد باريس أن "دعمها " يتمثل بالاستمرار في الوفاء بتعهداتها بطريقة تتكيف مع حاجات اللبنانيين، وسيترجم ذلك من خلال تقديم مساعدة استثنائية بقيمة 1.1 مليون يورو الى منظمات تؤمن مساعدة مباشرة لسكان طرابلس وجوارها، لاسيما في عكار، في مجالي المساعدة الغذائية والصحية للحد من التهميش الذي تعاني منه ثاني مدن لبنان مع انها غنية جداً بتنوعها وتاريخها، في حين انه يمكنها بفضل قدراتها ومواهب شبابها بشكل خاص ان تقدم الكثير لتنمية لبنان واشعاعه. اما الحالة الطارئة الأخرى فتبقى بطبيعة الحال الوضع الصحي. في الأيام القليلة المقبلة، ستقدم فرنسا هبة جديدة وهي كناية عن معدات طبية أساسية من اجل مكافحة جائحة "كورونا". سوف تسمح هذه المعدات، التي يمولها مركز الدعم والأزمات التابع لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية بدعم مستشفيات لبنانية ومراكز رعاية صحية أولية ومنظمات مشاركة في هذه الاستجابة الطارئة للازمة، مثل الصليب الأحمر اللبناني والخطوة الإضافية ستكون إعادة تأهيل مستشفى الكرنتينا الحكومي الذي تضرر بشكل كبير من جراء انفجار مرفأ بيروت. 


"ماكرون" منزعج ...ومتردد

لكن السؤال الأساسي يبقى هل ان المطلوب من باريس حكومياً، الدعم الإنساني والاجتماعي فقط، ام خطوات عملية لتحقيق حلحلة سياسية للأزمة الحكومية؟ عن هذا السؤال تجيب مصادر ديبلوماسية مطلعة بأن الرئيس ماكرون "المنزعج" من مواقف رؤساء الكتل السياسية اللبنانية و"لا مبالاتهم " حيال التأزم الحاصل حكومياً، يركز خصوصاً على ما يمكن ان يقوم به الرئيس عون ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل من جهد لتسهيل تأليف الحكومة، من دون ان يعني ذلك تجاهل مسؤولية الرئيس الحريري في عدم المثابرة في تقديم مقترحات "عملية" للخروج  من الازمة وتمسكه بمواقف قد يصعب معها الوصول الى نتائج إيجابية 

 الأفرقاء الثلاثة (عون وباسيل والحريري) يعرفون ان المسعى الفرنسي لا يزال يلقى دعماً اميركياً متجدداً من الإدارة الجديدة، والمعطيات الديبلوماسية تشير الى ان المسؤولين عن الملف في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، يبدون حرصهم على العمل مع الجانب الفرنسي ولو ان هذه الإدارة ما زالت في طور ترتيب أوضاعها الداخلية، وهذا قد يتطلب بعض الوقت. الملفت ان رئيس الاستخبارات الأميركية "وليام بيرنز" زار لبنان مرات عدة وعمل سفيراً في الأردن في الفترة ذاتها التي عمل خلالها رئيس الاستخبارات الفرنسية الحالي "برنار ايمييه"، سفيراً أيضاً في الأردن الذي هو واسع الاطلاع على الملف اللبناني كونه كان سفيراً في لبنان وعمل مستشاراً للرئيس الفرنسي الراحل "جاك شيراك". وتربط "ايمييه" بـ"بيرنز" علاقة زمالة قديمة والاثنان على علم واسع بالمنطقة وبالمسؤولين فيها. كما ان المسؤولة عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا في البيت الأبيض "باربارا ليف" هي سفيرة سابقة في الامارات العربية المتحدة، عملت لثلاث سنوات في ملف الشرق الأوسط في السفارة في باريس في عهد الرئيس "شيراك" وخدمت في البصرة وهي طليقة باللغة العربية. وكل هذه المعطيات تساعد على جعل التنسيق الفرنسي- الأميركي بالنسبة الى الوضع اللبناني يأخذ مدى واسعاً وفاعلاً، خلافاً لما كان عليه في عهد إدارة الرئيس السابق "دونالد ترامب" الذي لم يكن ينظر الى لبنان الا من زاوية سلاح حزب الله وعلاقته مع ايران!.

اما الرسالة الفرنسية الأبرز التي وصلت الى بيروت خلال الأيام الماضية، فكانت ان باريس لا ترى ان دعوة البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي لعقد مؤتمر دولي، تقدم حلاً للوضع الراهن علماً انها تشاركه رؤيته السيادية وضرورة تشكيل حكومة ومكافحة الفساد. كما ان "ماكرون" مصمم على عدم ترك لبنان رغم العرقلة الحالية، فيما تواصل اوساطه الاتصال والضغط على مختلف اللاعبين اللبنانيين. فالمسؤول عن ملف الشرق الأوسط في الرئاسة الفرنسية "باتريك دوريل" منهمك باجراء الاتصالات مع اللبنانيين، فيما يتابع رئيس المستشارين في القصر الرئاسي الفرنسي السفير "ايمانويل بون"، الذي عمل سابقاً سفيراً في لبنان ومستشاراً للشرق الأوسط في عهد الرئيس "فرنسواهولاند"، الأوضاع مع السفيرة "غريو" التي لها دور كبير في تنفيذ توجيهات رئيسها وفريقه، الا ان الرسالة اشارت الى "تعنت" المسؤولين اللبنانيين واستمرارهم في التعطيل الذي قد يكلفهم الكثير اذا استمروا في المزيد من اغراق البلد، الا ان فرنسا مستمرة في الضغط بكل ما لديها من وسائل من اجل الإسراع في حوار داخلي يؤدي الى تشكيل الحكومة في اقرب فرصة، خصوصاً ان الرئيس "ماكرون" ابدى "تساهلاً" في عدم تمسكه بكل الشروط التي وضعها في توصيف الحكومة آخذاً في الاعتبار الواقع اللبناني الخاص الذي يوجب اخذ بعض الاقتراحات "الواقعية" للوصول الى الهدف المنشود.


مطلوب تحرك من الداخل

وانطلاقاً من الرسائل الفرنسية الواضحة، فإن مصادر سياسية متابعة، ترى ان تحريك الملف الحكومي يتطلب خطوات من الداخل اللبناني ابرزها عودة التواصل بين الرئيسين عون والحريري خصوصاً بعد "الليونة" التي ظهرت في موقف عون لجهة الاكتفاء بتسمية خمسة وزراء إضافة الى وزير حزب الطاشناق الأرمني في حكومة من 18 وزيراً، على ان تكون وزارة الداخلية من حصة الرئيس عون، وهذه "التركيبة" كانت من ضمن الأفكار التي سوقها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم من ضمن الجهود التي يقوم بها على خط الحكومة لتقريب وجهات النظر بين بعبدا و"بيت الوسط" . الا ان هذه الصيغة رفضها الحريري بعد صدور كلام عن باسيل بأن نواب "التيار" لن يمنحوا الثقة للحكومة العتيدة ، اذ اعتبر الحريري ان في هذا الموقف "نسف" باسيل مبادرة اللواء إبراهيم انطلاقاً من عمله الدائم على نسف الحلول التي كانت تقوم الحل تلو الآخر. ويوجه محيط الرئيس الحريري اتهامات مباشرة الى باسيل عن عمله المستمر لعرقلة تشكيل الحكومة من خلال التأثير على الرئيس عون ودفعه الى تعديل مواقفه، لأن محيط الحريري يؤكد ان باسيل لا يريد عودة الحريري الى السرايا، وان المسألة أصبحت "شخصية " بين الرجلين اللذين لم يلتقيا الا خلال الاستشارات النيابية التي اجراها الحريري بعد تكليفه تشكيل الحكومة العتيدة. ومنذ ذلك التاريخ حصل تباعد واتسع الشرخ وهو على ازدياد وانعكس سياسياً وحكومياً الى درجة ان احد المطلعين على مسار الملف الحكومي يقول انه ما لم يلتق الحريري وباسيل ويتفاهمان على صيغة حكومية مقبولة، فإن لا امل بولادة الحكومة العتيدة، خصوصاً ان فريق الحريري يتحدث بقوة هذه الأيام عن "وضع يد" باسيل على القرارات في قصر بعبدا من خلال ارسال فريق من معاونيه الى القصر لممارسة دور "المستشارين" للرئيس عون في مجالات عدة، بينما الواقع- حسب فريق الحريري- ان هؤلاء "المستشارين" ينفذون ما يريده باسيل ويعمل من اجله وليس ما يريده رئيس الجمهورية وبالتالي فإن المواقف التي ستصدر عن بعبدا من الآن وصاعداً هي عملياً مواقف باسيل لاسيما ما يقال على ان الحريري "يضرب الميثاقية" و"يسطو على حقوق المسيحيين" و"يعمل على تحويل المناصفة الى مناصفة وهمية" و"يضرب المشاركة" وغيرها من التعابير التي لم يألف الحريري سماعها من الرئيس عون عندما كان يلتقي معه. وكان اللافت في هذا السياق التقاء "مصادر بعبدا" مع "مصادر التيار الوطني الحر" على ان ما يقوم به الحريري "لن يمر لا من جانب رئيس الجمهورية ولا من جانب "التيار الوطني الحر" حتى لو ذهب الى التصعيد". وتضيف المصادر "المزدوجة" انه اذا كان هدف الحريري مد اليد الى موقع المسيحيين في الميثاق والدستور فإنه سيفاجأ هو وغيره بما لا يتوقعه! وروجت المصادر نفسها ان الحريري منذ تاريخ تكليفه ولغاية اليوم لا يملك شيئاً ليعطيه. فقد وكالته السعودية، وقامت التظاهرات في وجه حكومته وليس لديه أي مشروع انقاذي للبلد، على ان أساس خوف بعبدا كما التيار من مسألة خطرة وهي رغبة الحريري انتاج النظام ذاته بالاشخاص انفسهم مالياً ونقدياً. ولذا هناك قناعة بأنه يريد ضرب فكرة التدقيق الجنائي من أساسها وهو يتكل على شركاء له في منظومة عاشت على الفساد والتفلت من المحاسبة. وتحمل المصادر الحريري مسؤولية تفاقم الازمة وتقول: "اذا لم يدرك الحريري خطورة المماطلة في عدم تشكيل الحكومة فإنه يتحمل عمداً مسؤولية الانهيار والذهاب الى الفوضى، وعليه ان يفهم ان الحكومة لا تشكل في عواصم الدول الأجنبية". لتسأل: "ما معنى ان يحدد بعد أسبوعين زيارة لموسكو سوى انه يقول بوضوح لا حكومة قبل أسبوعين وهو في هروبه الى الامام سيجد كل يوم عذراً جديداً.


الشارع الملتهب

على هذا الكلام القاسي الذي بات يُسرب باسم الرئيس عون وباسيل على حد سواء، والذي يؤكد على "شخصنة" الخلاف بين الحريري وباسيل، تقول مصادر رئيس الحكومة المكلف انه لن يتنازل عن مواقفه وشروطه المعلنة لتشكيل الحكومة مهما كان التصويب "العوني" عليه قوياً لانه يتمتع بدعم واسع داخل طائفته، ولدى حلفائه التقليديين خصوصاً الرئيس نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وزعيم تيار "المردة" سليمان فرنجية، فضلاً عن دعم عربي من مصر والامارات، علماً ان التمايز يبدو واضحاً بين أبو ظبي والرياض حيال الملف اللبناني عموماً والتعاطي مع الحريري خصوصاً. ويتحدث "الحريريون" عن تقاطع في المواقف بين القاهرة وأبو ظبي وباريس يلتقي على دعم الحريري في توجهاته، معطوفاً على دعم الثلاثي بري- جنبلاط - فرنجية داخلياً ما يحدث واقعاً سياسياً جديداً يقوي موقف الحريري، خصوصاً مع سياسة "النأي بالنفس" التي يمارسها حزب الله في الموقف من الملف الحكومي.

في أي حال، لن تتوقف الاتهامات المتبادلة بالتزامن مع عدم توقف المساعي لتسهيل تشكيل الحكومة، لكن بعض المراقبين بات يخشى من التحركات الشعبية التي تتكرر يومياً بسبب تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار وتردي الاوضاع الاقتصادية، ويرى هؤلاء ان المسألة تتجاوز مجرد قطع طرق واحراق دواليب مطاطية، وان المسألة اكبر من ذلك. ويخشى المراقبون من ان يفرض الشارع الملتهب إيجاد حل للأزمة الحكومية لأنه في حال استمرار تجاهل المعنيين للغضب الشعبي، يخشى ان تتطور الأوضاع نحو الاسوأ خصوصاً مع اعلان الرئيس دياب انه قد يعتكف تسيير أمور السلطة التنفيذية!

الرئيس حسان دياب .. تلويحه بالاعتكاف يزيد الأمور سوءاً. الرئيس حسان دياب .. تلويحه بالاعتكاف يزيد الأمور سوءاً.
الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري.. التواصل بينهما ضروري للوصول الى حل. الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري.. التواصل بينهما ضروري للوصول الى حل.