تفاصيل الخبر

رجال الدين يحتلون المنابر السياسية

11/03/2021
البابا "فرنسيس" والسيد علي السيستاني.. القداسة والمرجعية.

البابا "فرنسيس" والسيد علي السيستاني.. القداسة والمرجعية.

 يُلاحظ خلال الفترة الحالية، الدور البارز الذي يلعبه رجال الدين من مسلمين ومسيحيين على الساحة اللبنانية لجهة دخولهم على الخط السياسي لدرجة أن تساؤلات كثيرة كانت طُرحت خلال اليومين الماضيين حول طبيعة هذا الدور ومدى انعكاس الخطابات على المجتمع اللبناني بشكل عام وعلى الشارع المُنتفض بشكل خاص. واللافت أنه في ظل الحراك الديني الداخلي، الحاصل والمستمد شرعيته من حاجة الناس لمن يصدق معها وتعويضها عن الدجل السياسي القائم، كان لوصول البابا فرنسيس أكبر مرجعية دينية مسيحية في العالم إلى العراق، الأثر الأبرز في النفوس لجهة التعويل عليه في إنقاذ الدول التي تتخبّط بفعل الطبقات السياسية الحاكمة.


أصحاب العمائم إلى الواجهة

 كثُرت في الفترة الأخيرة خطابات أصحاب العمائم السوداء والبيضاء في لبنان، وتوزّعت المنابر مناصفة بين رجال الدين المسيحيين والمُسلمين، لكن مع فارق الاختلاف في نوعية ومضمون الكلام. واللافت في الموضوع، أن جزءاً كبيراً من هذه الخطابات، خُصّص للرّد المُتبادل بين هذه الجهة وتلك، حتى بدا المشهد وكأننا في سوق عكاظ يتبارى فيه أصحاب الرأي بإيصال الصوت بين الداخل والخارج، مع العلم أن سوء تنظيم "السوق" والسماح لأصحاب المنابر بإغداق ما عندهم، قد أدى إلى تمديد فترة "المُنازَلة" لفترة تزيد عن مرحلتين، على غرار المُدّة التي كانت مُتاحة في زمن الجاهلية.

تحوّل الاختلاف السياسي في لبنان، وخصوصاً في الفترة الأخيرة، إلى مادة خلاف وسجال حول طبيعة الكيان وما يجب أن يكون عليه، مما زاد في طين الأزمات بلّة، أدّت مفاعيلها إلى انقسام واضح بعدما ظهرت في خطابات رجال الدين الذين دخلوا على خط أزمة التأليف الحكومي بعد عجز أصحاب القرار عن أداء مهامهم بالشكل المطلوب، أو القيام بواجباتهم السياسية، ولو بالحد الأدنى من الاتفاقات التي تُعنى مباشرة بمصلحة الشعب.

لعل أبرز المطالعات السياسية التي تكفّل بها رجال الدين، دعوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي اللبنانيين إلى الوقوف في وجه السلطة السياسية، وعدم السكوت عن حقوقهم بعد اليوم. دعوة الراعي هذه، كانت سبقتها ولحقتها، دعوات لرجال دين آخرين من داخل الطائفة الشيعية، مؤيدين لطروحات "حزب الله" حول مبدأ "التدويل" و"الحياد"، ولعلّ أبرزها للمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، الذي ردّ على كلام الراعي ودعوته إلى الحياد، بكلام قاسٍ ومرفوض حتى ولو لم يُسمه، من خلال قوله إن "الحياد في زمن الاحتلال الإسرائيلي وداعش ليس وطنياً، بل أعتقد أنه ما زال خيانة". ومع هذا، فقد استلحق قبلان كلامه هذا بجملة كسرت من حدّة الاتهام بأن "بكركي رمز شراكة وطن وعيش مشترك وسلم أهلي، كانت وما زالت وستظل ما دام لبنان".


فيّاض: ما يحصل سببه فشل السلطة

 السؤال الأبرز الذي لا بد من التوقّف عنده، يتوقّف عند الأسباب التي استدعت رجال الدين الدخول في "اللعبة" السياسية وزواريبها، وأيضاً انفراج أسارير بعض السياسيين من كلام رجال الدين، مع العلم أنهم الجهة الأكثر مطالبة بفصل الدين عن السياسة.

في هذا المجال، تعتبر الأستاذة الجامعية والناشطة السياسية الدكتورة مُنى فياض، أن "بروز رجال الدين بالشكل الذي نراه اليوم واعتلاءهم المنابر الخطابية السياسية، سببه فشل السلطة الحاكمة في القيام بدورها وتباعدها عن الناس في الفكر والمنطق وفي التعاطي مع الأزمات، مع العلم أن هذه السلطة وصلت إلى المكانة التي تحتلها بسبب التناغم مع مطالب الناس قبل أن تعود وتنقلب على الشعب وتفضيل مصالحها الخاصة".

وتوضح فيّاض معنى فصل الدين عن الدولة، فتشير إلى أن "المقصود بالفصل هنا، عدم حكم الشعب باسم الدين وإلزامه بالنصوص الدينية رغماً عنه، ولرجل الدين حق التحدّث بالسياسة كغيره من البشر، شرط أن لا يكون لرأيه أفضلية على رأي الناس، وأن يعود للمجتمع حق الاقتناع بكلامه من عدمه". وتسأل فيّاض: "كيف لبلد مثل لبنان أن لا يتدخل فيه رجال الدين بالسياسة، في وقت ثمّة رجل دين يحكم البلد كلّه من خلال سلاح مَدّته به دولة خارجية، بالإضافة إلى المال. ومن يعترض على كلام الراعي في السياسة، هم أنفسهم لا يجرؤون على انتقاد رجال دين من أبناء طائفتهم يحكمون البلد ويتحكّمون بمصيره ومصير أبنائه، ويفرضون التشريعات الخاصة التي تتناسب مع مشاريعهم التابعة للخارج".

وتؤكد فيّاض أن "كلام البطريرك الراعي لم يتضمّن عبارة "تدويل" على النحو الذي تداوله البعض، هذا مع العلم أن لبنان لم يخرج من الحرب إلا من خلال التدويل، وكل القرارات الدولية المتعلقة بلبنان جاءت عن طريق التدويل. لبنان الوحيد الذي تُعتبر فيه حكومته عدوته، وبالتالي، لا آذان صاغية لكلام يصدر عن أي رجل دين ما لم يكن يُلبّي إرادة اللبنانيين".

رأي سياسي برجال الدين

في السياق أيضاً، يرى مصدر سياسي أن الدور الذي يقوم به رجال الدين في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان، يأتي في سياق إكمال الدور الذي يلعبه رجال السياسة بعد ان وصلوا إلى طريق مسدود في العديد من الملفات التي يُمكن أن تُنقذ البلد مما هو غارق فيه، ولعل أبرزها ملف تأليف الحكومة العالق بين "بعبدا" و"بيت الوسط". ولا يجب أن ننسى أن تحرك رجال الدين وبعيداً عن المناوشات السياسية في ما بينهم، يبرز بشكل أبرز وأكبر بعدما تجاوز سعر صرف الدولار حدود العشرة آلاف ليرة. ولا يجب أن ننسى أنها من المرّات القليلة التي يتوحّد فيها الرأي العام حول الجهة التي تتحمّل مسؤولية الوضع الاقتصادي.

ويُضيف المصدر: من حيث المبدأ فإن رجل الدين هو مواطن له الواجبات والحقوق نفسها التي هي لكل مواطن، لذلك يمكنه أن يتعاطى الشأن السياسي ذلك بسبب هذا الحق المشروع للجميع، ولكن ثمة ظاهرة باتت ملفتة للنظر، وهي جنوح العدد الكبير من العلماء وطلاب العلم إلى الانخراط في المجال السياسي وبذلك يريدون أن يجمعوا بين الأمرين، بين موقع ديني وموقع سياسي، ويبقى الأخطر، أن يتحوّل الدين إلى ذريعة تسهل دخول رجل الدين إلى الحقل السياسي بما يجعل الكثير من العامّة ينحازون إلى صف رجل الدين بوصفه ممثلاً للدين في السياسة، أي كأنما عدم انتخاب رجل الدين أو الإذعان لكلامه يصبح إثماً، وهذا أسوأ استغلال للدين وقيمه ومفاهيمه.


البابا في بغداد.. رسالة مصالحة ولقاء قمّة

وفي ما يتعلّق بالزيارة الأهم، زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، فقد دعا خلال وصوله إلى العاصمة العراقية، المجتمع الدولي لأداء دور حاسم في تعزيز السلام في العراق وكل الشرق الأوسط. وقال بابا الفاتيكان في كلمة ألقاها أمام رئيس الجمهورية العراقية، برهم صالح، في قصر بغداد "إن التحديات المتزايدة تدعو الأسرة البشرية بأكملها إلى التعاون على نطاق عالمي لمواجهة عدم المساواة في مجال الاقتصاد، والتوترات الإقليمية التي تهدد استقرار هذه البلدان.

وأضاف: "فلتصمت الأسلحة"، "وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة". كما شجّع الخطوات الإصلاحية المتخذة في العراق، ودعا إلى ضمان مشاركة جميع الفئات السياسية والاجتماعية، مؤكداً على ضرورة التصدي لآفة الفساد واستغلال السلطة.

وتعدّ هذه هي الزيارة الأولى للبابا فرانسيس للعراق منذ توليه الباباوية، وتأتي رغم استمرار تبعات تفشي وباء "كورونا" ووسط تصعيد أمني خطير في العراق. والأبرز في الزيارة، أنها رسالة تضامن مع المسيحيين والازيديين في العراق ورسالة مصالحة بين جميع الطوائف، وكان لافتاً فيها عقد أول قمّة روحية بين البابا وبين مرجع شيعي بمستوى السيد علي السيستاني.

الدكتورة منى فياض تدعو لفصل الدين عن الدولة.

الدكتورة منى فياض تدعو لفصل الدين عن الدولة.

البطريرك بشارة الراعي .. دعوة الى الحياد والتدويل.

البطريرك بشارة الراعي .. دعوة الى الحياد والتدويل.