تفاصيل الخبر

أبعاد سياسية وليست قانونية وراء الدعوى للتثبت من أهلية رئيس الجمهورية للحكم!

22/07/2021
الرئيس ميشال عون مترئساً اجتماع المجلس الأعلى للدفاع.

الرئيس ميشال عون مترئساً اجتماع المجلس الأعلى للدفاع.

 انشغلت الأوساط السياسية والديبلوماسية في بيروت الأسبوع الماضي، بطلب تقدم به ستة اشخاص لدى المحكمة البدائية في جبل لبنان، يطالبون فيه بالتثبت من أهلية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للحكم وللتصرف بمقاليد الحكم، وبتعيين لجنة أطباء لمعاينته. ومرد هذا الاهتمام كون مثل هذا الطلب يقدم للمرة الأولى في تاريخ رؤساء الجمهورية اللبنانية من جهة، ولأن الذين وقعوا الطلب يعتبرون من المقربين الى حزب "القوات اللبنانية" الذي نفى في وقت لاحق اي علاقة له بالموضوع. السابقة التي وقعها كل من ايزابيل اده ونوال المعوشي وحسين عطايا والدكتور انطوان قربان وريمون متري وسليم مزنر وشوكت حولا، طرحت علامات استفهام حول توقيتها من جهة، والمراد منها من جهة اخرى خصوصاً ان الطلب لم يرتكز على معطيات حسية بل استند الى معلومات عامة لا تحمل في طياتها مشروع تجاوب مع المطلب، سواء لجهة قول المدعين إن الرئيس عون بلغ السادسة والثمانين من العمر، او لجهة استعانته بمستشارين وبأقرباء لمعاونته في تحمل المسؤوليات الأمر الذي انعكس على الاداء اذ غالباً ما يشعر اللبنانيون ان القرارات التي تصدر عن رئاسة الجمهورية لم تعد تمثل الشخص الذي اعتاد اللبنانيون عليه وعلى نمطه منذ اكثر من 36 سنة في تحمل المسؤولية في قيادة الجيش وفي الحكومة الانتقالية بعد ذلك وفي الزعامة لاحقاً، مروراً برئاسة الكتلة النيابية فالوصول الى سدة الرئاسة سنة 2016.

 ويقول قانونيون إن استناد موقعي الطلب الى أن القرارات التي تصدر عن الرئاسة باتت "تأتلف اكثر مع رؤية الاشخاص الذين يحيطون بالرئيس، وهذا ما لم يألفه اللبنانيون خلال العقود الماضية حيث كان فخامته الموجه الوحيد لقراراته وقرارات مؤيديه ومريديه ومحازبيه"، امر لا يستقيم قانوناً اذ لا اثباتات او قرائن ارفقت في الطلب، ولا ادلة توثق ذلك ما يجعلها غير قائمة من الناحية القانونية. كذلك فإن قول أصحاب الإدعاء بأن "علامات استفهام" رسمت حول أداء رئيس الجمهورية وقدرته على ممارسة صلاحياته الدستورية "بالنظر الى تقدمه في السن"، يبقى مجرد استنتاج لا اساس متيناً له، لاسيما وأن الرئيس عون يمارس يومياً عمله الرئاسي في القصر الجمهوري ويستقبل شخصيات رسمية وسياسية ووفود دولية وسفراء وموفدين من رؤساء الدول الخ.... ويتابع التطورات في ادق التفاصيل، ويراسل رؤساء الدول وملوكها بشكل طبيعي في اطار ممارسته لمسؤولياته الرئاسية. ولم يلحظ  جميع من يلتقي الرئيس عون اي وهن او ضعف في التركيز او الحوار او المناقشة، بل يتحدثون بكثير من الاعجاب والتقدير عن حضوره الذهني المتوقد وذاكرته القوية ودخوله في التفاصيل واستعادة مواقف مرت عليها عقود كثيرة....

الاستثمار الإعلامي.... والسياسي

واللافت في هذه القضية هو استثمارها اعلامياً من خلال تقارير بثتها قنوات تلفزيونية معارضة، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنشورات صحفية هدفت كلها الى جعل الموضوع قيد التداول وإن كانت تعلم حق العلم أن ما تروج له غير صحيح ولا اساس له. واللافت ايضاً، ان النيابة العامة التمييزية بشخص المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات لم تتحرك عفواً كما تقتضي الاصول، لملاحقة مقدمي الدعوى امام المحكمة في جبل لبنان، بل تجاهلت الموضوع، الأمر الذي دفع بالمدعية العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون الى تحريك الملف والطلب من قاضي التحقيق في جبل لبنان القاضي نقولا منصور توقيف موقعي الطلب بعد الادعاء عليهم بتهمة القدح والذم والتحقير بمقام رئيس الدولة والطعن بما يمثله كأعلى سلطة سياسية في البلاد....

في غضون ذلك، ردت الغرفة الابتدائية الرابعة في جبل لبنان الناظرة في قضايا الاحوال الشخصية، الاستدعاء القضائي الذي تقدم به الاشخاص الستة بحق رئيس الجمهورية، بسبب انتفاء الصفة والمصلحة الشخصية والمباشرة لدى الجهة المستدعية، وكون حماية المصلحة العامة انيطت بالنيابة العامة التي اعطيت حق الادعاء في الاحوال المتعلقة بالنظام العام وذلك من دون البحث في موضوع الدعوى، ما يعني عملياً عدم الأخذ بالدعوى وتحميل المدعين المصاريف وكل ما ترتب عن الدعوى من اجراءات وخطوات. ومع صدور رد الغرفة الابتدائية بات السؤال عن الجهة التي تقف وراء هؤلاء الاشخاص والهدف الحقيقي من تقديم مراجعتهم مع علمهم بأن القانون واضح لجهة عدم اهليتهم هم على مراجعة القضاء في مسألة تتعلق برئيس الدولة الذي لا تبعة عليه الا اذا في حالتي خرق الدستور والخيانة العظمى، وهما امران غير واردين في حسابات احد.

مصادر مطلعة على مسار الملف اكدت ان الاجهزة الامنية على اختلافها قصّرت في استدراك وصول الدعوى الى المحكمة في بعبدا، خصوصاً ان المعنيين حاولوا بادىء ذي بدء تسجيل مراجعتهم في قلم محكمة الجديدة في المتن، الا ان الكاتبة المعنية بتسجيل الدعاوى لفتت هؤلاء الاشخاص الى عدم قانونية الدعوى وبالتالي لم تسجلها، ما جعل اصحاب الدعوى يذهبون الى محكمة بعبدا حيث وجدوا من يسجل المراجعة القضائية. واستطراداً، وفق المصادر نفسها، كان يقتضي بالاجهزة الامنية على تنوعها ان تكون على علم بمجريات الامور قبل الوصول الى نقطة النهاية بوصول الملف الى القضاء. كذلك فإن ثمة من رأى في المراجعة، غاية سياسية في لحظة مفصلية في البلاد التي تواجه ظروفاً سياسية واقتصادية ومالية غير مسبوقة وسط وجود حكومة تصرف الاعمال، وتعذر تشكيل حكومة جديدة واعتذار الرئيس المكلف تشكيلها عن القيام بهذه المهمة، ما يعني عملياً ان حالة من الفراغ على مستوى المؤسسات الدستورية كان يمكن ان تحصل في حال التشكيك بقدرة رئيس الدولة عن القيام بمسؤولياته الدستورية.

وتتحدث المصادر عن معطيات تكونت لدى المعنيين حول الجهة التي تقف وراء هذا التحرك من الاشخاص الستة الموقعين على المراجعة، بهدف احداث بلبلة في الرأي العام واستثمار ذلك في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لاسيما وان الجهة المعنية تدرك ان لا امكانية للتجاوب مع هذه المراجعة من الناحية القانونية، فضلاً عن المناعة الدستورية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية. وفي رأي المصادر نفسها أن البعد السياسي لخطوة الاشخاص الستة، يتجاوز البعد القانوني وهو يندرج في سباق الحملات التي يتعرض لها الرئيس عون منذ مدة لاسيما بعد التطورات التي حصلت على أثر "انتفاضة 17 تشرين" وما تلاها من أحداث سياسية وأمنية على حد سواء، فضلاً عن أن مثل هذا الحدث، سيشكل مادة اضافية للتداول بحيث يبقى موضوع عدم أهلية الرئيس عون محور تداول ومادة للاستثمار كل ما دعت الحاجة!.