تفاصيل الخبر

التدقيق الجنائي لا يزال أسير العراقيل فيما ملفات فساد كثيرة نائمة في الأدراج

22/07/2021
الرئيس ميشال عون خلال اجتماع مع وفد من "الفاريز ومارسال" في حضور الوزير غازي وزني.

الرئيس ميشال عون خلال اجتماع مع وفد من "الفاريز ومارسال" في حضور الوزير غازي وزني.


 حتى كتابة هذه السطور، لم يكن التدقيق الجنائي المالي في حسابات مصرف لبنان قد سلك طريقه بعد الى التنفيذ، ولا تزال الاجراءات التقنية المرتبطة به تتنقل من مكان الى آخر من دون الوصول الى نتيجة عملية تمكن شركة "الفاريز ومارسال" من الانطلاق في عملها على رغم التوصل مع المسؤولين عنها الى اتفاق حول العقد الجديد الذي يفترض أن يوقعه وزير المال غازي وزني مع الشركة بعد استنفاد كل "الاشكالات" القانونية والادارية التي عرقلت بدء التدقيق سواء من جهة تقسيط تعويض الشركة الذي تجاوز المليوني دولار اميركي، او من جهة توفير الاطار التقني لعملها ومكان تمركز المدققين وتسلمهم المستندات المطلوبة التي وضعها مصرف لبنان في عهدة وزارة المال. وخلال اللقاءات التي جمعت رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعدد من الوفود الدولية كان السؤال عن موعد بدء التدقيق الذي يعتبر من اولى النقاط الاصلاحية التي يتمسك بها في سعيه الى اطلاق عملية التدقيق، وهو اتهم مرجعيات رسمية بتأخير بدء التنفيذ لأسباب مختلفة منها ان الوصول الى نهاية في التدقيق قد تدين مسؤولين كباراً كان لهم الدور البارز في هدر المال العام او الاستفادة من "البقرة الحلوب" التي اسمها الحقيقي، مالية الدولة اللبنانية ومواردها.....

ولعل ما يجعل الخوف يتزايد لدى المسؤولين المهتمين ببدء التدقيق المالي الجنائي هو ان المهلة المحددة في قانون تعليق السرية المصرفية الذي اقره مجلس النواب تكاد تقترب من نهايتها ما سوف يحتم اقرار قانون جديد بتمديدها لئلا يصطدم المدققون من جديد بحاجز السرية المصرفية سوف يمنعهم عن المضي في عملهم استناداً الى مندرجات قانون السرية المصرفية المعتمد في لبنان. كثيرة كانت مراجعات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع الوزير وزني في ما آل اليه العمل من اجل اطلاق التدقيق الجنائي، وكثيرة كانت الاجوبة "العمومية" التي كان يسمعها الرئيس عون، لكن النتيجة كانت واحدة وهي ان لا عمل فعلياً بعد لوضع قرار الحكومة المتخذ منذ آذار (مارس) 2020 موضع التنفيذ، وفي كل مرة تبرز الحجج التي لم تكن كلها مقنعة او واقعية. وثمة "قطبة مخفية" وراء هذا التأخير المتعمد في الافراج عن مسببات عدم مباشرة شركة "الفاريز ومارسال" عملها وان كانت ثمة اجراءات ادارية واخرى مالية قد انجزت، في انتظار بعض الملاحظات القانونية التي تبرز يوماً بعد آخر وتعرقل عملياً بدء التدقيق.

هل من "تمييع" للتدقيق؟

وتتحدث مصادر متابعة لهذا الملف ان ثمة من يريد "تمييع" اجراء التدقيق كي لا يشكل "انجازاً" للعهد، فيما هو فعلياً حاجة ملحة تأتي في اولويات مطالب المجتمع الدولي والمبادرة الفرنسية التي تعلن القيادات السياسية تمسكها بها والحرص على تنفيذها! لكن الكلام شيء والواقع شيء آخر والدليل ان عمل المدققين لم يبدأ بعد، والمهل المحددة لانجاز هذا الملف تتسارع يوماً بعد يوم من دون بروز اي امل في تحقيق المطلوب الذي يفترض ان يساعد في تجاوب المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مع طلبات المساعدة المالية التي تعتبرها الحكومة اللبنانية اساسية في الحد من التدهور الحاصل في النظام المالي اللبناني من جهة، وفي سد الثغرات ولو تدريجياً، في حاجة الدولة الى دعم مالي خارجي مع نفاذ قدرة مصرف لبنان على تأمين السيولة اللازمة لتوفير الحد الادنى من الدعم للمستلزمات الحياتية والدوائية الضرورية التي تحد من تصاعد الازمة المعيشية من جهة، ونقمة اللبنانيين وغضبهم من جهة اخرى. علماً ان ثمة من يرى ان الانهيار الذي وصلت اليه البلاد لن تعوضه اي اجراءات مالية او اقتصادية واصلاحية موعودة. ويتوقع المعنيون ان تكون "الصرخة" عالية بعد عطلة الاضحى المبارك في ما لو استمر التردد "وتضييع" الوقت على النحو الذي هو عليه في الوقت الراهن، بالتزامن مع استمرار انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار ووصوله الى عتبة الـــ 23 الف ليرة للدولار الواحد، في وقت تظهر الارقام حجم الدين العام المتزايد والتي بلغت في نهاية شهر اذار الماضي اكثر من 97,26 مليار دولار موزعة كالآتي:

-60.58 مليار دولار بالليرة اللبنانية اي بنسبة 62.2  في المئة. 

-36.68 مليار دولار بالعملات الاجنبية اي بنسبة 37.8 في المئة. 

-علماً ان احتساب هذا الدين بالدولار وفقاً لسعر السوق (وليس وفقاً للسعر الرسمي المحدد 1.507.5 ليرة).


يخفض الدين العام من 97,26 مليار دولار الى 41,75 مليار دولار، اي بتراجع مقداره 55,51 مليار دولار ونسبة 57 في المئة واحتسابه بالليرة اللبنانية وفقاً لسعر السوق يجعله يناهز 751,564 الف مليار ليرة، وهكذا يكون قد تحقق ما تخوف منه بعض النواب والخبراء الاقتصاديين قبل نحو 27 عاماً.

مصير عشرات الاخبارات ... مجهول

وترى مصادر نيابية متابعة، ان المطالبة بالتدقيق المالي وضرورة انطلاقته، لا تلغي ضرورة معرفة مصير عشرات الاخبارات والملفات التي قدمت من رسميين او نواب او مواطنين في شأن الهدر العام والفساد في مؤسسات الدولة الى النيابة العامة المالية، والتي لو تم الكشف عنها والتحقيق فيها كما يجب لأودت برؤوس كبيرة الى السجن، وفي مقدمة ملفات الفساد التلاعب بحسابات الدولة التي من شأن التحقيق فيها والتدقيق بمسبباتها ان تكشف الكثير من الحقائق التي تسهل عملية التدقيق الجنائي المالي، لكن ثمة من يريد - وفق المصادر نفسها - تعمية الحقائق لحماية الفاسدين فيها من كشف الفساد بدلاً من مطالبة القضاء المخول وحده البت بالملف. وترد مصادر قضائية معنية ان المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم "ينتظر" ايضاحات واجابات "من مصرف لبنان منذ اكثر من سنتين ولم تصل تلك الاجابات من دون ان يتخذ القاضي ابراهيم اي اجراء بحق من يحجب المعلومات المطلوبة على القضاء. وتورد هذه المصادر مثلاً قضية ثلاثة مليارات دولار وجه القاضي ابراهيم طلبين الى مصرف لبنان لأنها جزء من ملف كبير يجري التلاعب فيه اذ لم تكن هذه المليارات المتأتية من هبات قد سجلت وفقاً للاصول، ولم يتم ذلك الا في العام 2021 بحيث كانت توضع سابقاً في حساب خاص في مصرف لبنان. وهناك ملف ثان هو ملف الاتصالات بما فيه الانترنت غير الشرعي والانفاق من شركتي الخليوي والذي يقدر الهدر فيه بمئات الملايين من الدولارات حيث تم تحويل هذا الملف الى قضاة التحقيق وحصلت ادعاءات لكن من دون نتيجة ملموسة، الى ان وضع ديوان المحاسبة يده على ملف الانفاق في شركتي الخليوي وهو يتجه الى الادعاء على وزراء اتصالات سابقين بسبب الهدر في الاموال العامة. كذلك من الملفات الكبيرة لدى النيابة العامة المالية ملف الصرف الصحي، وقدر الهدر فيه بحدود المليار دولار، وقد جرى الادعاء بداية على رئيس مجلس الإنماء والإعمار والعديد من الشركات المحسوبة على جهات سياسية، ولكن بورقة بخط اليد تم سحب اسم رئيس المجلس وعدد من الشركات من الدعوة بعد تدخلات سياسية.

ملف شائك آخر هو ملف استيراد المحروقات، واستيفاء الشركات رسوماً خلافاً للقانون بلغت قيمتها 20 مليون دولار، وهو عالق في القضاء ولم يتم استرداد هذا المال العام. وايضاً هناك ملف شامل بشأن الجمارك وضياع نحو مليار دولار من الاموال العامة التي كان يجب ان تدخل خزينة الدولة. وبحسب تقديرات اوساط مالية ان ما يضيع على الخزينة العامة سنوياً يناهز الملياري دولار وليس 800 مليون دولار كما تردد. هذا عدا عن ملف التعهدات التي كان مجلس الانماء والاعمار يوزعها على المحظيين المقربين من السياسيين وفق قاعدة "الترويكا" وليس آخرها قرض البنك الدولي لصيانة الطرق بقيمة 170 مليون دولار، وجاء توزيعه على المتعهدين السياسيين وكأن شيئاً لم يتغير في البلد.

هذا غيض من فيض، والسؤال: لماذا لا يحاسب القضاء الفاسدين، او على الاقل مصارحة اللبنانيين بأنه وصل الى حائط مسدود وأن يكشف حجم التدخلات السياسية للملمة تلك الملفات ومعها تضيع اموال الخزينة العامة واموال الشعب اللبناني؟ كل ذلك يشي بأن لا محاسبة لأي فاسد في البلاد، وأن تجهيل الفاعل هو السمة الابرز وأن المحسوبيات هي التي تتحكم بكل مفاصل الدولة ومنها القضاء الذي لا يستطيع ان يخالف تعليمات سلطة تعيّنه. وهذا الواقع يجعل المخاوف تزداد من ان يكون مصير التدقيق المالي مشابهاً خصوصاً مع استمرار العقد التي توضع امام بدء عمل شركة "الفاريز ومارسال" التي تنتظر...والخوف من أن يطول انتظارها!


القاضي علي إبراهيم.

القاضي علي إبراهيم.