تفاصيل الخبر

أزمة دواء حادة بعد رفع الدعم وخطة بديلة تثقل المواطن و"تصفي" المستورد"!

22/07/2021
رفوف فارغة في إحدى الصيدليات.

رفوف فارغة في إحدى الصيدليات.


  إذا كانت الأزمة الحكومية التي ستدخل مرحلة جديدة بعد اعتذار الرئيس سعد الحريري عن تشكيل الحكومة الجديدة شغلت اللبنانيين طوال الاشهر التسعة الماضية تقريباً، فاذا ذلك لم يسقط ارتفاع منسوب القلق لدى اللبنانيين حيال تدهور الاوضاع المعيشية على أنواعها بعد توجه مصرف لبنان الى رفع الدعم عن الكثير من المواد الغذائية الاساسية والمحروقات والادوية وغيرها ناهيك بالمستلزمات الطبية التي ستجعل كلفة الاستشفاء تفوق القدرة على تحمل اللبنانيين تداعياتها. قد تكون الحلول الموقتة التي تعتمد من حين الى آخر للحد من انعكاسات تراجع سعر الليرة امام الدولار على نحو دراماتيكي، معالجات مرحلية في حين أن المطلوب وجود حلول مستدامة، إلا أن ما اصاب قطاع الدواء من انعكاسات نتيجة القرار برفع الدعم، يضع صحة المواطنين على المحك، ويجعل الأمن الصحي في خطر، لاسيما وأن صرخات مستوردي الأدوية التقت مع صرخات اصحاب المستشفيات والجسم الطبي والهيئات الضامنة، الأمر الذي يؤشر الى وضع خطير في مقاربة الشأن الطبي في البلاد في الآتي من الأيام.

 لم تتمكن حكومة الرئيس حسان دياب في معرض تصريفها الاعمال، من الوصول الى حلول جذرية لمسألة الدواء وتداعياتها على الناس، كما لم تتمكن من اقناع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالابقاء على الدعم على الدواء بعد تراجع العملات الاجنبية في خزانة مصرف لبنان، فكان لا بد من حلول جزئية قد لا تشكل المدخل السليم لتفادي الانزلاق الخطير نحو مزيد من التدهور في الحياة الاجتماعية للبنانيين، لقد خاض وزير الصحة حمد حسن "معارك" على اكثر من جبهة لانقاذ موضوع الدواء من القدر المحتوم الذي ينتظره ليصل في النهاية الى ان لا مناص من رفع الدعم عن 75 في المئة من الادوية، وابقائه على الامراض المزمنة وحليب الاطفال واللقاحات والامراض النفسية والعصبية، لافتاً الى ان الادوية غير المدعومة تشمل ادوية سعرها اقل من 12 الف ليرة ويمكن تأمينها من خلال مراكز الرعاية الصحية الاولية وحسب المعلومات فإن ما قدمته وزارة الصحة بالنسبة الى الادوية غير المدعومة يعني تسعيرها على سعر 12 الف ليرة للدولار الواحد، وهذا يعني ان هذه الخطة سوف تخفض نسب ارباح المستوردين من 11 في المئة الى 6 في المئة، اضافة الى خفض هامش ربح الصيادلة من 22 في المئة الى 17 في المئة، وقد اثار هذا الواقع ردود فعل سلبية تخشى مصادر متابعة ان تتفاعل سلبا في الايام المقبلة ما يضيف ازمة جديدة معقدة على سلسلة الازمات المعيشية التي ترزح البلاد تحت عبئها الثقيل جداً.

لقد بدا الوزير حسن  في مكان، والجسم الصيدلاني ومستوردي الادوية في مكان آخر، لكن الوزير   حسن تمسك بالخطة التي وضعها والتي تتضمن لائحتين واحدة بالادوية المدعومة، والثانية بالادوية غير المدعومة، وهو يعتبر انها سوف تؤمن حيزاً من الامان الدوائي وفق النسبة المعلنة للدعم من قبل مصرف لبنان والتي تدفع بوزارة الصحة الى تحديد الاولويات. وضمن الخطة، التي لا تلاقي ترحيباً من الجسم الصيدلاني والمستوردين، فإن غالبية الادوية التي اعتمدت في اللوائح غير المدعومة يمكن ان يلجأ المواطن الى اكثر من مصدر لتأمينها عبر مراكز الرعاية الصحية الاولية حتى يتم العمل مع الشركاء الدوليين والمنظمات لتوسيع هذه الشريحة، ومع المصنعين المحليين لانتاج هذه الادوية بأسعار مقبولة او من خلال الاعتماد وعلى الجينيريك المدعوم....


اما الدعم فيطاول الجينيريك حيث اعتمدت وزارة الصحة السعر الادنى مع الجودة الاعلى. وثمة من يتحدث عن امكانية استفادة شركات الــ BRAND   من هذا الدعم للاستمرار في السوق اللبنانية من خلال مقاربة اسعارها لاسعار الجينيريك والاسعار تكون من حيث المبدأ، من ضمن قدرة المواطن، مع فتح باب المنافسة والسماح بالاستيراد والتسجيل السريع لبعض الادوية الشحيحة في السوق. وتحاول وزارة الصحة "استيعاب" ردود الفعل السلبية المتوقعة من خلال اعتماد مناقصة موحدة للجهات الضامنة على اساس انها ستؤمن السعر الادنى بناء على الكمية الاكبر المشتراة على اساس ان هذه المناقصة ستغطي المرضى المسجلين في الصناديق الرسمية الضامنة، ما سيخفض الفاتورة الدوائية التي ستدخل في الدعم، خصوصاً فئة الادوية المستعصية والمزمنة والحافظة للحياة.

أرقام مصرف لبنان.... تتكلم!

اما لماذا اصر مصرف لبنان على عدم استمرار الدعم الكلي للدواء ورفعه كلياً عن 75 في المئة من الادوية، فإن الارقام تجيب ومعها علامات استفهام كثيرة حول المسار الذي سلكته الادوية المدعومة والتي تم اما تهريبها الى خارج لبنان واما اعادة تصديرها باسعار مرتفعة كسباً للمال واستغلالاً للوضع القائم بغية الربح غير المشروع.

وفي هذا السياق، تشير ارقام مصرف لبنان الى ان فاتورة الدواء والمستلزمات الطبية للنصف الاول من سنة 2021 تتعدى كامل فاتورة العام 2020، كما اظهرت ارقام "المركزي" ان : قيمة الفواتير المسددة لغاية 30/6/2021 بلغت حوالي 536 مليون دولار. 

قيمة الفواتير العالقة لغاية 30/6/2021 بلغت حوالي 445 مليون دولار.

قيمة الفواتير المقدمة للموافقة المسبقة عليها بلغت حوالي 460 مليون دولار. كما بلغت قيمة الفواتير المسددة لاستيراد حليب الرضع لغاية 30 حزيران (يونيو)2021 بحسب مصرف لبنان نحو 20 مليون دولار مقابل 17 مليون دولار لكامل العام 2020 وبناء على ما تقدم، يصل المجموع لغاية 30 حزيران (يونيو) من العام 2021 الى حوالي 1.5 مليار دولار. 

ومع ذلك، فإن الادوية مفقودة، في حين ان الكلفة السنوية للمبالغ التي سددت من قبل مصرف لبنان لدعم استيراد الادوية والمستلزمات الطبية عن كامل عام 2020 بلغت حوالي 1.173 مليار دولار. ورداً على هذه الارقام، يرى مطلعون انه مع الاعتبار وسطياً ان الدعم بدأ في 1/7/2019 حتى تاريخه، يكون حجم الفواتير المقدمة للمصرف من 1/7/2019 حتى نهاية الـــ 2019 قد بلغ نحو 490 مليون دولار سدد منها في 2019 ما مجموعه 90 مليون دولار، وهذا يعني بقاء 400 مليون دولار تم ترحيلها للدعم في 2020 وبحسب وزارة الصحة، انه في عام 2020 تم تقديم فواتير للمصرف المركزي بقيمة مليار و182 مليوناً، سدد المصرف منها عام 2020 ما مجموعه مليار و 172 مليوناً: ومع احتساب كسر الـــ 400 مليون دولار التي لم يتم دفعها في العام 2019، سيكون ما تم تسديده بقيمة 772 مليون دولار. وهذا العام وحتى 30/6/2021، تم تسديد 538 مليوناً فيما الفواتير المقدمة للمصرف تبلغ 520 مليوناً، ما يعني بحسب وزير الصحة تسديد حوالي 400 مليون دولار عن عام 2020 ويبقى 128 مليوناً لم يتم تسديدها من فواتير مقدمة في عام 2021. واضافة الى ذلك، هناك فواتير تم تقديمها بعد قرار الموافقة المسبقة الصادر في 7 ايار وقيمتها تراوح ما بين 150 مليوناً و180 مليوناً، وفواتير مقدمة من الشركات لتحصيل الدعم بقيمة 486 مليوناً. في ملخص وزارة الصحة، وعلى مدى 24 شهراً من تموز 2019 الى تموز 2021 يكون المصرف المركزي قد دفع ملياراً و800 مليون ويبقى عليه تسديد 600 مليون، ما يشكل مجموعاً عاماً قيمته ملياران و400 مليون دولار، وهذا يعني ان الدعم خلال سنتين لم يتعد الــ 100 مليون دولار شهرياً.


"تصفية" المستوردين

لقد اعلم المجلس المركزي لمصرف لبنان وزارة الصحة انه يمكن ان يؤمن شهرياً نحو 40 مليون دولار لتمويل دعم الدواء فقط لا غير، الأمر الذي جعل الوزارة تضع لوائح بالأدوية التي يجب الابقاء على دعمها حسب الاولويات. لكن المشكلة برزت لدى مستوردي الادوية اذ اعتبر نقيبهم كريم جبارة ان ما قدمه وزير الصحة يستحيل على المستوردين الالتزام به، فكيف يمكن الطلب من المستوردين استيراد الدواء وتسعيره على اساس سعر دولار عند 12 الف ليرة فيما دولار السوق يتخطى 21 الف ليرة، ما يعني أن هؤلاء المستوردين عليهم اللجوء الى السوق مرة جديدة لشراء الدولار وتمويل الاستيراد، مستبعداً أن تؤمن وزارة الصحة شراء الدولار عبر منصة معينة على سعر 12 الف ليرة للدولار. كما يعتبر جبارة ان ما قدمته وزارة الصحة يدفع العديد من المستوردين لوقف الاستيراد نهائياً، مؤكداً أن تحرير الاسعار لوقف الدعم على الدواء يعني حكماً تسعيره على اساس سعر دولار السوق السوداء. اما بالنسبة الى الفواتير التي ما زالت عالقة في مصرف لبنان وقيمتها تقارب 600 مليون دولار، فيطالب جبارة مجدداً بضرورة تمريرها وصرف اموالها اي دعمها على أساس سعر 1500 ليرة للدولار، فهذه الفواتير تعود لادوية تم بيعها على اساس انها مدعومة على سعر الصرف الرسمي الحالي.

في اي حال، البلاد أمام أزمة جديدة وحادة، هي أزمة فقدان الدواء مع تعاظم الحاجة اليه، فكيف ستكون المعالجة؟ أسئلة تبقى من دون أجوبة، كما ستكون البلاد.... من دون دواء!

الوزير حمد حسن.

الوزير حمد حسن.