تفاصيل الخبر

هل يحقق التركيز الدولي على الانتخابات النيابية الهدف من إسقاط الطبقة السياسية "الفاسدة"؟

22/07/2021
الرئيس ميشال عون خلال اللقاء مع السيدة "ايلينا فالنسيانو".

الرئيس ميشال عون خلال اللقاء مع السيدة "ايلينا فالنسيانو".


 مطلبان يصر عليهما المجتمع الدولي بحيث لا تكاد تخلو رسالة من مسؤول دولي، او زيارة، من حديث عنهما: الاصلاحات والانتخابات النيابية في الربيع المقبل، حتى اصبح الحديث عن هذا الاستحقاق الانتخابي لازمة في كل اللقاءات والنداءات والبيانات التي تصدر يومياً من معظم دول العالم المهتمة بالشأن اللبناني. وقد ارتفع منسوب الاهتمام بالانتخابات النيابية في الآونة الاخيرة في معرض تحديد المهام المطلوبة من الحكومة العتيدة متى ابصرت النور.... الكل ينادي بانتخابات شفافة تعكس بأمانة تطلعات الشعب اللبناني، وتعبر عن آمال اللبنانيين في رسم مستقبل بلدهم. واذا كان موعد الانتخابات في الربيع المقبل، مبدئياً، فهذا يعني ان الفاصل الزمني لهذا الحدث لم يعد يتجاوز بضعة اشهر، لاسيما وأن اي محاولة لتأجيلها لن تمر بسلام هذه المرة، كما مرت في الاعوام الماضية، لأنه ستترتب على ذلك كلفة مرتفعة داخلياً ودولياً، علماً ان ثمة من يخشى من حصول التأجيل اذا ما استمرت الاوضاع على ما هي عليه، وبلغ الوضع الصحي الناتج عن وباء "كورونا" الخط الاحمر، او اذا ما حصل انفجار اجتماعي ضخم يؤدي الى قلب الموازين السياسية والاجتماعية على حد سواء.

 في الزيارة التي قامت بها الاسبوع الماضي الى بيروت، رئيسة اللجنة الاوروبية السابقة التي تولت الاشراف مع فريق عملها على انتخابات العام 2018 السيدة "ايلينا فالنسيانو"، تعهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بأن الانتخابات النيابية سوف تجري في موعدها الذي قد يكون في شهر نيسان (ابريل) المقبل نظراً لمصادفة شهر رمضان المبارك مع شهر ايار (مايو)، علماً ان ثمة من قال إن وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي حدد موعداً اولياً في 18 ايار (مارس) المقبل، على رغم الظروف المالية الصعبة التي تمر بها البلاد والمرشحة ان تتفاقم اكثر اذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة تطلق مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لمعالجة الوضع المالي المنهار في البلاد، لئلا تضطر الدولة الى اللجوء الى "الشحادة" من الدول الكبرى لتمويل الانتخابات وتغطية المصاريف التي تترتب لوجستياً وامنياً وتعويضات رؤساء اقلام الاقتراع ومعاونيهم الخ.... لقد كان وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي صريحاً مع الوفد الاوروبي الذي زاره الاسبوع الماضي لجهة طلب الدعم لاجراء الانتخابات، تاركاً للوفد ان يختار الآلية المناسبة لتقديم المساعدة على ان يستكمل البحث في اجتماعات لاحقة. وفي حساب الوزير فهمي ان "الدعم" المالي من الاتحاد الاوروبي، مثلا، لا يخفف الاعباء المالية على السلطة اللبنانية فحسب، بل يقفل ايضاً "مسارب" الهدر التي كانت تنشط تقليدياً خلال فترة الانتخابات، ناهيك عن توقع تزايد عمليات شراء الاصوات لأن الوضع الاقتصادي والمعيشي قد يدفع بكثير من الناخبين الى "بيع" اصواتهم لمن يدفع اكثر!.

ويروي الذين يزورون وزير الداخلية هذه الايام، عنه قوله إن الهدر كان يلتهم احياناً نحو 35 في المئة من الموازنة المخصصة للانتخابات مشيراً الى انه تبين له، على سبيل المثال لا الحصر، ان علب الحبر المستخدم في البصم بعد الاقتراع كانت تشترى بأضعاف مضاعفة عن سعرها الحقيقي، الى جانب مشتريات "ملغومة" اخرى.... وهو اذ يشدد على ان الانتخابات ستتم وفق الروزنامة الدستورية، يرى انه اذا كان هناك من يريد تأجيلها فعليه ان يتحمل مسؤولية موقفه، لكن اكثر ما يقلق فهمي- الذي يقول البعض إنه قد يكون رئيس حكومة الانتخابات- هو اهتزاز الامن الاجتماعي تحت وطأة الازمة الاقتصادية، لاسيما وانه يرى ان الأمن الكلاسيكي ممسوك الى حد ما، لكن الامن المجتمعي فهو ينحدر من سيء الى أسوأ والخشية ان تحمل الايام المقبلة ما هو اخطر مما يحصل هذه الايام.


الانتخابات الأصعب منذ الاستقلال

 هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فإن ثمة من يرى انه لو جرت الانتخابات منذ بضعة اشهر، كانت مطلق اي عمليات تصويت وفق القانون النافذ حالياً، لتعيد اغلبية القوى السياسية الرئيسة الى المجلس النيابي، مع تسجيل تراجع لحجم العديد من الكتل وبنسب متفاوتة، لكن اليوم، تعاظمت النقمة على القوى السياسية عموماً، بسبب الانهيار الذي اكتمل فصولاً على مختلف الصعد، الامر الذي ينذر بخسائر كبيرة لكثير من هذه القوى عند اجراء الانتخابات، في حال بقاء الامور على ما هي عليه حالياً، وبخسائر ضخمة في حال ساءت الأمور اكثر... وليس سراً أن من بين الاسباب المتعددة التي أخرت تشكيل الحكومة حتى اليوم، حسابات انتخابية دقيقة لكثير من الاطراف المعنية، تضاف الى الخلافات الداخلية والتأثيرات الخارجية، لأن ثمة قوى سياسية ترى ان الاولوية هي في تأمين افضل فرص لكسب تأييد المناصرين المعتادين ومحاولة سحب البساط من تحت أقدام قوى انتخابية منافسة وفي هذا السياق، ترى مصادر سياسية متابعة، ان انتخابات العام 2022 المقبلة ستكون الاصعب على مختلف القوى السياسية التي برزت منذ العام 2005 حتى تاريخه لأسباب عدة منها بروز نقمة شعبية متنامية على القوى السياسية التقليدية، وتنامي "نفس شعبي" ينادي بضرورة تغيير هذه القوى والتصدي للوائحها في اي محطة انتخابية. ولا يغيب عن البال ايضاً استمرار الانهيار الاقتصادي والمالي الحاصل في البلاد وتسارع وتيرته في المرحلة الاخيرة بما ينذر باحتمال الوصول الى موعد الانتخابات في ظل اوضاع معيشية وحياتية كارثية الأمر الذي سيدفع حتماً في اتجاه ازدياد نغمة الرأي العام وسعيه للتغيير وتتحدث هذه المصادر ايضاً عن تراجع قدرات الاغراء التي كانت تلجأ اليها القوى السياسية، ان عبر التوظيفات، او عبر الدعم المادي، او حتى عبر الوعود البراقة، الخ ما يفتح الباب امام تراجع غير معروف الحجم من جانب المؤيدين. وكذلك تراجع الاهتمام العام بالانقسام السياسي التقليدي، وبالانقسامات الطائفية والمذهبية، لصالح تقدم الهم المعيشي والحياتي. الامر الذي افقد الكثير من القوى السياسية المعنى المطلوب لحملاتها السياسية الانتخابية المعتادة. 

من هنا، بدأت مختلف القوى السياسية في لبنان بأعداد الدراسات الخاصة بالخطط الواجب اعتمادها للفوز بأكبر عدد من النواب، مع الأخذ في الاعتبار الوقائع الضاغطة المذكورة وبدأت من اليوم تتوضح الاجراءات التي سيتم اللجوء اليها، من الان وحتى موعد تنظيم الانتخابات النيابية المقبلة، وأبرزها السعي للتنصل من السلطة، حيث تتسابق الأحزاب والتيارات وبعض الشخصيات التي تصنف نفسها مستقلة، على الخروج مما كان يعتبر حتى الامس القريب، "جنة الحكم" وذلك لأن بناء الحملات الانتخابية من موقع المعارضة،  أسهل بكثير من موقع السلطة . وكلما زادت الاوضاع المعيشية والحياتية سوءاً، زادت فعالية خطاب المعارضة، وحملات التهجم على القوى والجهات في السلطة كذلك ثمة سعي لاعادة إحياء انقسامات سياسية وتقوقعات طائفية ومذهبية تعمي الناخب عادة وتدفعه الى التصويت غرائزياً. وهذا المنحى الذي لا يزال خجولاً حتى اليوم، مرشح للتصاعد تدريجاً مع الاقتراب من موعد الاستحقاق الانتخابي، حيث ستتصاعد الحملات الاعلامية المتبادلة المبنية على القاء مسؤولية كل ما حصل على جهة او على جهات سياسية محددة، وفق اجندة تخدم الطموح الانتخابي، مع الاخذ في الاعتبار السعي لتأمين دعم مالي من قبل بعض رجال الاعمال الاثرياء، ومن قبل جهات خارجية ايضاً، للوقوف الى جانب المناصرين والمؤيدين في الاشهر المقبلة التي ستسبق الانتخابات، وهذا الامر مرشح للتصاعد تدريجاً وهو سيشمل مساعدات طبية، وتربوية، وعينية، وحتى مالية من قبل البعض، في مقابل انواع اخرى من الرشوة ستلجأ اليها قوى لا تزال نافذة في الحكم، لجهة ادراج اسماء مؤيدين ومناصرين ضمن لوائح البطاقة التمويلية الموعودة.

تحالفات مع "الثورة" ....

 وفي تقدير المصـــادر نفسها ان الــلافت هو السعي لعقد تحالفات انتخابيــــة مع شخصيات معارضة محسوبــــة على "الثورة"، وذلك للظهور بمظهر معارض وبمظهر مؤيد للقوى التغييرية الرامية الى قلب تركيبة الحكم جذرياً. ويهدف هذا المنحى ايضاً الى التسبب بانقسام جماعات وهيئات "الثورة" التي يمكن ان تحقق انتصارات كبيرة في حال وحدت لوائحها، وان تلقى هزيمة كبرى وصادمة في حال خاضت الانتخابات بأكثر من لائحة متنافسة. وليس بسر ان انقسام لوائح جماعات وهيئات "الثورة" سيفيد تلقائياً القوى السياسية التقليدية التي تتفوق عليها بأشواط على المستويات اللوجستية والتنظيمية وغيرها.

 كل ذلك يجعل الصورة ضبابية حتى تاريخه، وهي ستزداد وضوحاً وانقشاعاً مع الاقتراب اكثر من موعد الانتخابات، لكن الاكيد ان احداً غير مهتم حالياً بانقاذ لبنان- الوطن، والشعب اللبناني، حيث ان التركيز هو على كيفية انقاذ هذا الحزب او التيار، او ذاك المرشح او "الزعيم" ولو على حساب دمار وخراب ما تبقى من اسس للكيان اللبناني. ومن الواضح ان اهتمامات الجماعات السياسية اللبنانية تختلف عن تلك التي تبديها الجهات الدولية المهتمة باجراء الانتخابات النيابية التي تريد من خلال اقتراع اللبنانيين، تأمين ولادة طبقة سياسية جديدة لأن المجتمع الدولي لم يعد يثق بالطبقة الحالية وسط حديث يزداد يوماً بعد يوم ان العقوبات الموعودة يمكن ان تساعد كثيراً في التأثير سلباً على قوة نفوذ هذه الجماعات ما يؤثر سلباً على حضورهم السياسي في الانتخابات المقبلة ويبعدهم تلقائياً عن اي تأثير لهم في نتائجها...

الوزير محمد فهمي.

الوزير محمد فهمي.