تفاصيل الخبر

أزمة تشكيل الحكومة باتت مدولة فهل يساعد ذلك على التشكيل أو... الاعتذار؟

14/07/2021
الرئيس عون يستقبل المستشار الرئاسي الفرنسي لشؤون الشرق الاوسط "باتريك دوريل".

الرئيس عون يستقبل المستشار الرئاسي الفرنسي لشؤون الشرق الاوسط "باتريك دوريل".


 عندما تتعالى الدعوات الى اللبنانيين لمعالجة أزماتهم المتلاحقة من دون أي تدخل خارجي، يكون المقصود أن تبقى الخلافات اللبنانية - اللبنانية في الداخل اللبناني كي يأتي الحل على أساس تسوية "أهلية بمحلية" ذلك أن أهل مكة أدرى بشعابها.... أما عندما يتعمد اللبنانيون عدم التفاهم في ما بينهم، فيدخل إذ ذاك على الخط الخارج ليفرض أجندته من دون مراعاة الاعتبارات اللبنانية وخصوصية الشأن اللبناني المعقد.... وتكون النتيجة دخول البلاد في نفق طويل لا نهاية له، لأن أي حل دولي يأخذ وقتاً من جهة، وتتضارب فيه مصالح الدول من جهة أخرى ما يستهلك فترات زمنية طويلة للوصول الى نهايات قد تكون سعيدة، وقد لا تكون....

ما تقدم هو واقع الأزمة اللبنانية راهناً بعدما "تدولت" على نطاق واسع بدلاً من أن "تتلبنن" والدليل أن كل الدول التي دخلت على خط المعالجة رفعت شعارات عديدة لكنها التقت في معظمها على ضرورة "عزل" ما سمي بــ"الطبقة السياسية" التي عاثت بالبلاد فساداً وخراباً ونهباً ما أوصل البلاد الى الانهيار المحتم. والدخول الدولي على خط الأزمة اللبنانية كانت له عدة إشارات في الأسبوعين الماضيين، وإن تكثفت المداخلات في الاسبوع الماضي الذي شهد زيارات متتالية لمسؤولين فرنسيين على مستويات متعددة، بدءاً من الوزير المفوض لدى وزارة الخارجية الفرنسية المكلف بالتجارة الخارجية والاستقطاب فرانك ريستير، والمستشار الرئاسي الفرنسي لشؤون الشرق الاوسط باتريك دوريل، وصولاً الى المسؤول عن متابعة تنفيذ قرارات مؤتمر "سيدر" بيار دوكين، وقبل "الطحشة" الفرنسية في بيروت، اتى تحرك السفيرتين الفرنسية آن غرييو والاميركية دوروثي شيا في اتجاه الرياض حيث التقتا مسؤولين سعوديين استكمالاً للقاء الذي جمع وزراء الخارجية في كل من الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والمملكة العربية السعودية. بالتزامن كان نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف يدخل على خط الاتصالات فيفتح خطوطاً هاتفية مباشرة بين موسكو وبيروت للتشاور مع قياديين لبنانيين في الأزمة الراهنة ومحاولة الوصول الى حلول مقبولة.

فرنسا وأوروبا

وفي توقيت متقارب كانت لجنة الدفاع الوطني والقوى المسلحة في البرلمان الفرنسي تعد تقريراً حول "الاستقرار في الشرق الاوسط" بعد انتهاء المشاركة الفرنسية في التحالف الدولي ضد "داعش" ومستقبله، تخصص فيه حيزاً عن لبنان في فقرة جاء فيها ما ترجمته: "نوصي في ما يتعلق بالوضع في لبنان، بالتشكيل العاجل في بيروت لفريق عمل دولي (تاسك فورس) تحت رعاية الامم المتحدة والبنك الدولي من اجل تكثيف العمل الانساني (الغذاء والادوية والرعاية الصحية والمدارس...) والتنمية (ماء، كهرباء...) ونحن نشجع فرنسا وشركاءها العرب والغربيين على دعم القوات المسلحة اللبنانية وقوى الامن الداخلي من اجل تجنب انهيارها ومواصلة صعودها العملياتي في مواجهة (داعش) والتهديدات الأخرى (تهريب المخدرات...). أخيراً، نأمل أن تتمكن فرنسا وشركاؤها والأمم المتحدة من ضمان إجراء انتخابات تشريعية وبلدية ورئاسية عام 2022. يجب أن يكون اللبنانيون قادرون على التعبير عن أنفسهم بحرية من أجل بناء التغيير و(لبنان الجديد)".

وحقيقة الأمر أن خلاصات لجنة الدفاع لا تختلف كثيراً عن الخط العام للسياسة الرسمية الفرنسية تجاه لبنان، بشأن الجوانب السياسية "الانتخابات" او دعم الجيش اللبناني والقوى الامنية او توفير المساعدات الانسانية او التنموية. لكن الجديد هو الدعوة لتشكيل فريق العمل الدولي ورعايته من الامم المتحدة والبنك الدولي. بيد أن أمراً كهذا يحتاج لموافقتين، الأولى من الحكومة اللبنانية التي تستطيع رفض المقترح بفعل سيادي. والثانية من الأمم المتحدة الموجودة أصلاً في لبنان. وليس من المؤكد أن جهات حزبية في لبنان وعلى رأسها "حزب الله" ستنظر بعين الرضا الى اقتراح من هذا الشكل. ومن جانب آخر، فإن توصيات اللجان النيابية لن تجد بالضرورة طريقها الى التنفيذ، بل الغرض منها حض الحكومة للسير في هذا الاتجاه او ذاك، ويمكن ان تبقى في إطار "العصف الفكري" ليس إلا. وفي أي حال، فإن فائدتها أنها تبين أن الاهتمام الفرنسي بلبنان ليس محصوراً بالحكومة، بل ينسحب على المجلس النيابي، وايضاً على مجلس الشيوخ، والكل متمسك بمساعدة لبنان، ليتحول الى لبنان "الجديد".

 بالتزامن أيضاً كان الاتحاد الاوروبي يدلي بدلوه في مواقف متتالية لأكثر من مسؤول فيه يحذر من الوضع الذي وصل اليه لبنان ويحمل "الطبقة السياسية" مسؤولية التدهور وعدم الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، ويتخذ قرارات "زجرية" من نوع فرض عقوبات على سياسيين لبنانيين اتهموا بالعرقلة والتعطيل وعدم المساعدة في حل الأزمة اللبنانية التي تزداد تدهوراً يوماً بعد يوم. واذا كانت دول الاتحاد الاوروبي لم تباشر بعد فرض أي عقوبة معلنة، فإن المعطيات تحدثت أن "ساعة الصفر" ستكون مع حلول الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت، مع التذكير بأن نظام الاتحاد يفرض أن تكون القرارات لاسيما فرض العقوبات، بالاجماع، وهو أمر قد لا يتوافر في المرحلة الراهنة وإن لم يكن غير مستبعد لاحقاً.... 


.... واشنطن والسعودية

وعلى خط مماثل، كانت الحماسة الأميركية التي ظهرت مؤخراً في التعاطي مع الملف اللبناني حيث توالت الدعوات من مسؤولين اميركيين الى حشد دولي وجذب اهتمام أكبر للشعب اللبناني و"الضغط" على المملكة العربية السعودية لتعيد اهتمامها بما يجري في لبنان ولا تبقى منكفئة كما حصل خلال الأشهر الماضية بسبب خلاف قيادتها مع الرئيس المكلف سعد الحريري. لقد دخلت واشنطن على الخط اللبناني من الزاوية الانسانية وضرورة إغاثة الشعب اللبناني ودراسة السبل العملية التي يمكن من خلالها دعم هذا الشعب، والأهم من كل ذلك المساعدة من أجل استقرار الاقتصاد اللبناني الذي وضع مثل هذا العبء الهائل على كامل الشعب اللبناني.... وحددت واشنطن بوضوح الاستراتيجية التي تدعو الى اعتمادها في لبنان من خلال ما أعلنه المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الاميركية نيد برايس والتي ترى وجوب مشاركة دول أخرى فيها وتقوم على أن يظهر قادة لبنان مرونة كافية لدعم تشكيل حكومة، وأن تكون مستعدة وقادرة على دعم الاصلاح في البلاد، وأن يتمكن الشعب اللبناني من تحقيق الوصول الى الاغاثة الانسانية وتحقيق كامل امكاناتها، مؤكداً أن تنحية الخلافات السياسية ستساعد في دعم الاصلاحات الملموسة الضرورية، واطلاق الدعم الهيكلي الطويل المدى في لبنان. وأضاف "اللبنانيون يستحقون حكومة حقيقية، تنفذ بشكل عاجل تلك الاصلاحات الضرورية، لاسيما في ظل الوضع المتدهور للاقتصاد اللبناني. وهذه الازمة في الاقتصاد اللبناني مستمرة لسنوات، بل عقود، بسبب سوء الادارة، والفساد، والافلات من العقاب، ومؤخراً بسبب عدم قدرة قادة لبنان على تنحية الخلافات السياسية جانباً، والعمل من اجل الصالح العام، ومن أجل الشعب اللبناني، وهذا ما كان المجتمع الدولي واضحاً بشأنه. على قادة لبنان وضع مصالح شعبهم اولاً. 

وأكد المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية، أن السعودية لاعب اقليمي مهم، وأنها صاحبة مصلحة مهمة في لبنان، وأن ما تحاول واشنطن القيام به، هو الشيء نفسه الذي يحاول شركاؤها القيام به ايضاً، وهو تسليط الضوء على الأزمة الانسانية للشعب اللبناني، مشيراً الى أن هذا الموضوع كان محل نقاش دائم للوزير بلينكن في اوروبا، إذ ناقش الازمة في لبنان مع عدد من المسؤولين بمن فيهم البابا فرنسيس خلال لقائه به عند زيارته الى ايطاليا.

لكن المعلومات التي توافرت عن حصيلة "الضغط" الاميركي على السعودية، اشارت الى ان وزير الخارجية السعودي لم يكن متجاوباً مع الرغبتين الاميركية والفرنسية وهو عرض بالارقام ما دفعته المملكة لمساعدة لبنان وذهبت مليارات الدولارات في غالبيتها الى الفاسدين والمفسدين الذين افسحوا في المجال امام سيطرة حزب الله على البلد، وبالتالي من غير المنطقي أن تستأنف المملكة دفع المال والحال في لبنان لا تزال كما هي ولا يزال الحزب ممسكاً بلبنان لا بل محكماً بقبضته عليه. ويبدو أن الوزير الاميركي بلينكن والفرنسي لودريان "استوعبا" سريعاً ما قاله نظيرهما السعودي، وانتقلا في الحديث الى مواضيع اخرى عالقة!.

أما على الخط العربي الآخر، فإن التدخلات في الشأن اللبناني كانت خجولة اذا ما استثنينا الحراك المصري الذي قاده من القاهرة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي التقى الرئيس سعد الحريري يوم الاربعاء الماضي، فيما كان سفيره في بيروت ياسر علوي يمضي في "بيت الوسط" وقتاً طويلاً ويجري من مقر السفارة المصرية في بيروت لقاءات ابقيت بعيدة عن الاضواء. وفي ما عدا ذلك لم تسجل تحركات عربية واعدة بعدما تبين ان زيارة وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني كانت "استطلاعية" لمناسبة حضوره الى بيروت للتعزية بالشيخة هند الزهراء من العائلة القطرية الحاكمة وإحدى قريباته....


هل تولد الحكومة ؟

في محصلة كل ما تقدم، يبقى السؤال هل سيؤدي الدخول الدولي على خط الازمة اللبنانية الراهنة الى ايجاد حلحلة للملف الحكومي المجمد منذ تسعة اشهر، وما مدى تأثير كل تلك اللقاءات والاجتماعات والبيانات على فكفكة عقد تأليف الحكومة العتيدة، وهل ان اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالرئيس المكلف بعد ظهر الاربعاء الماضي فتح الباب امام التفاؤل بولادة قريبة للحكومة؟ لا دليل حتى كتابة هذه السطور بأن الدخان الابيض سوف يتصاعد من بعبدا، وان كانت حركة الموفد الفرنسي دوريل على خط "بيت الوسط" والبياضة حيث منزل النائب جبران باسيل، ساهمت في تحريك الملف الذي يبقى اسير خيارين، الاول تقديم الرئيس الحريري تشكيلة حكومية "يتفاهم" عليها مع الرئيس عون علناً وتحظى بموافقة باسيل سراً، اي تجديد "التسوية" المعتادة بين الحريري وباسيل وان كانت عملية معقدة وصعبة هذه المرة، والخيار الثاني ان يرفض الحريري اجراء تعدلايات على صيغته المقترحة فيرفضها الرئيس عون، والنتيجة تكون اعتذار الحريري عن تشكيل الحكومة. بعض المصادر استبعد حصول حسم سلبي قبل عيد الاضحى المبارك حتى يمر العيد بسلام وأمان سياسياً على الأقل، والبعض الآخر قال إن الحكومة قد تكون هدية العيد... وأحد المحنكين المخضرمين علق قائلاً المهم ألا تكون الحكومة ورئيسها المكلف من أضحية العيد!.



الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس سعد الحريري يوم الأربعاء الماضي.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس سعد الحريري يوم الأربعاء الماضي.

الرئيس ميشال عون يستقبل الوزير الفرنسي المفوض "فرانك ريستير".

الرئيس ميشال عون يستقبل الوزير الفرنسي المفوض "فرانك ريستير".

سفراء أميركا "دوروثي شيا" وفرنسا "آن غريو" والسعودية وليد بخاري يدخلون على خط الأزمة.

سفراء أميركا "دوروثي شيا" وفرنسا "آن غريو" والسعودية وليد بخاري يدخلون على خط الأزمة.