تفاصيل الخبر

"قانون الشراء العام" أول إنجاز "إصلاحي" لكن ثغرات إدارية فيه قد تؤخر تطبيقه

14/07/2021
مجلس النواب خلال انعقاده في الأونيسكو لإقرار قانون الشراء العام.

مجلس النواب خلال انعقاده في الأونيسكو لإقرار قانون الشراء العام.


 مصادقة مجلس النواب على ما يعرف بـــ"قانون الشراء العام" خطوة متقدمة في إطار الخطوات الاصلاحية التي يطالب بها المجتمع الدولي منذ مدة كشرط  من الشروط الضرورية للشروع بدرس مساعدة لبنان على تجاوز الازمة الاقتصادية التي يرزح تحت عبئها منذ اشهر. وقد استهلكت عملية درس القانون واقراره وقتاً طويلاً من الاخذ والرد، وتنقل من لجنة الى اخرى ليستقر اخيراً في الهيئة العامة التي اقرته. وبذلك يكون لبنان بدأ عملياً مسيرة اقرار القوانين الاصلاحية التي يدفع المجتمع الدولي في اتجاه اقرارها الى جانب القوانين المرتبطة باصلاح قطاع الكهرباء واستقلالية السلطة القضائية وينظم "قانون الشراء العام" كل ما تشتريه الدولة والقطاع العام بكل مؤسساته من وزارات ومجالس وبلديات، بهدف وضع حد للفوضى في المناقصات والمشتريات والتي كانت موضع متابعة دولية في اطار مكافحة الفساد الذي نخر جسم الادارة اللبنانية بوجوهها الادارية والامنية والقضائية من دون استثناء.

ويقول نواب صوتوا على القانون، الذي تقدم باقتراحه في الاساس النائب ياسين جابر، ان القانون المطلوب من الهيئات الدولية التي يمكن ان تساعد لبنان والشركات العالمية التي ترغب في العمل في وطن الارز، ان ما يهم هذه  الهيئات والمؤسسات هو الشفافية وتكافؤ الفرص لاسيما وأن لبنان سيضطر الى الانفاق من اموال وهبات خارجية او مشاريع شراكة بين القطاعين العام والخاص وبات هناك القوانين اللازمة وابرزها القانون الذي ينظم هذه الشراكة واقر العام 2017، اضافة الى قانون الشراء العام ويضيف هؤلاء ان البنية التشريعية موجودة وجاهزة لمواكبة المرحلة المقبلة، خاصة ان هناك قوانين صادرة ولم تطبق كقانون اعادة هيكلة قطاع الكهرباء وقانون اعادة هيكلة قطاع الاتصالات، وقانون انشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وغيرها كثير من القوانين.... ويبقى القانون الاهم الواجب اقراره قانون استقلالية القضاء الذي يعد مفصلاً اساسياً لكل الشركات الاجنبية والمستثمرين الذين يريدون العمل في بلد ما...

نقلة نوعية

ويبدي حقوقيون ارتياحهم الى اقرار القانون معتبرين انه "نقلة نوعية" في كيفية اجراء الصفقات العمومية في لبنان لاسيما وان القانون السابق مر عليه اكثر من نصف قرن ولم يكن يراعي متطلبات الشفافية واستفاد منه فاسدون من السياسيين والمقاولين معاً في صفقات كانت تتم تحت الطاولة لأنها مليئة بالثغرات.... ويتحدث هؤلاء الحقوقيون عن "ايجابيات" كثيرة اتى بها القانون الجديد لناحية تحديث القواعد المتعلقة بعملية الشراء والتخطيط المسبق من قبل الادارة لكيفية صرف الاموال العامة واستشراف حاجاتها والتنسيق في ذلك، اضافة الى الرقابة التي اتى بها وعززها...

ويرى احد القانونيين المتابعين لهذا الملف ان النص الجديد على اهميته لا يمكن ان يكون قابلاً للتطبيق في الواقع الراهن، لأنه يأتي باطار حكمية غير رشيدة، لا بل فاسدة لافتاً الى ان هذه المنظومة الفاسدة القائمة يمكنها على رغم تقدمية القانون ان تتحايل عليه وتنفذ منه. وأوضح ان ابرز الثغرات انه لا يولي استقلالية تامة للهيئات المشرفة على الشراء العام والاعتراضات ويسمح بتدخل السلطة التنفيذية لحدود معينة في تشكيل وتسيير عمل هذه الهيئات. 

وتعد منظومة الشراء العام في لبنان ذات جودة متدنية، اذ يبلغ المؤشر العام لجودة دورة الشراء 48-100 وفقاً لموجز اصلاح الشراء العام في لبنان الصادر عن معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي في ايار (مايو) 2020، وهذه النتيجة المتدنية تعود لاسباب عدة، من ابرزها تبعثر الاطر القانونية التي ترعى الشراء العام في لبنان وعدم تطابقها مع معايير الشفافية المطلوبة لتعزيز الحوكمة الرشيدة.

ورأت "الجمعية" اللبنانية لتعزيز الشفافية "لا فساد" ان القانون الجديد وعلى الرغم من ان العديد من احكامه تعمل على تطوير منظومة الشراء العام، فإنه يملك عدداً من المساحات التي تتيح للمتربصين بالادارة العامة ومقدرات الشعب اللبناني ان يعيثوا فساداً فيها، فعدم التعاطي مع الشفافية على انها حق دستوري واساسي من حقوق الانسان، وعدم التطرق لاصحاب الحقوق الاقتصادية للشركات المتعاقدة والتي سوف تتعاقد مع الدولة، كما وعدم اشراك هيئات المجتمع المدني في مراقبة اجراءات الشراء.... كل ذلك يقوض فاعلية القانون الجديد.

اعتراض عوني على آلية التعيين

الا ان فرحة اقرار القانون لم تكتمل بعد مع اعلان رئيس "تكتل لبنان القوي" جبران باسيل عن اعتراضات ليس على المضمون او على مبدأ الرقابة والشفافية بل على آلية تعيين افراد الهيئة التي ستشرف على تطبيق القانون واصفاً اياها بــ "غير الدستورية"، اذ سبق للمجلس الدستوري ان رفضها في العامين 2001 و 2020. وعليه، تقول مصادر ادارية متابعة، ان القانون لن يصبح نافذاً الا بعد توقيعه من رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية وفقاً للاصول، على ان توضع بعد ذلك المراسيم التنظيمية. وفي هذا الاطار، تحدثت المصادر عن خيارين حيال الاعتراض العوني على ما وصف بــ "تجاوز صلاحية" مجلس الوزراء في تعيين اعضاء هيئة الشراء العام، فإما يرد الرئيس عون القانون الى مجلس النواب عملاً بالمادة 57 من الدستور، او ان ينتظر "تكتل لبنان القوي" صدور القانون في الجريدة الرسمية للطعن به امام المجلس الدستوري بحجة تجاوز  صلاحية مجلس الوزراء في تعيين اعضاء هيئة الشراء العام. ويروي احد النواب الذين شاركوا في صياغة القانون ان نواب "لبنان القوي" طرحوا خلال مناقشات اللجان النيابية امكانية ان يكون للوزير حق اضافة بعض الاسماء على سلة الترشيحات التي سيرفعها مجلس الخدمة المدنية كما نصت النسخة النهائية للقانون، الا ان الاقتراح قوبل بالرفض ذلك لان المطلوب هو وضع صيغة تتسم بالشفافية لتعيين اعضاء هيئة الشراء العام، مع العلم ان القرار النهائي هو لمجلس الوزراء الذي عليه الاختيار من بين سلة المؤهلين الموضوعة امامه، وهي مهمة منوطة بمجلس الخدمة المدنية. ولذا يقول احد المعنيين انه من المرجح ان يوقع رئيس الجمهورية على القانون للطعن به في مرحلة لاحقة امام المجلس الدستوري، ذلك لان الفريق العوني متيقن ان رد الرئيس للقانون يعني التصويت عليه من جديد في الهيئة العامة لانه يتمتع بالاغلبية الكافية، وبالتالي ان خيار الطعن هو المرجح، فضلاً عن ان هذا الفريق يعرف تمام المعرفة ان المجتمع الدولي يطالب لبنان بوضع هذا القانون موضع التنفيذ وباسرع وقت ممكن، مع العلم ان المواكبين للقانون يؤكدون ان الطعن لن يكون لمصلحة العونيين كما حصل مع آلية التعيين، وثمة دراسات يتم التحضير لها للرد على الطعن المتصل بآلية تعيين هيئة الشراء العام.

ويذهب احد المواكبين الى حد التلميح الى ان الفريق العوني قد يعتمد سياسة اللعب على حافة المهل الدستورية، فتبقي رئاسة الجمهورية القانون في دوائرها حتى يوم واحد من انتهاء المهلة الدستورية، ليعاد للتصويت عليه مرة ثانية في مجلس النواب قبل الطعن به امام المجلس الدستوري، وكل ذلك من باب شراء الوقت والحؤول دون تحول ادارة المناقصات برئيسها جان العلية، الى هيئة شراء عام.

في هذه الاثناء، وفي حال صار القانون نافذاً يفترض ان تتحول ادارة المناقصات تلقائياً الى هيئة شراء عام بعدما نص القانون على الغاء الاولى فور وضع القانون موضع التنفيذ لتبدأ وضع المراسيم التطبيقية واطلاق المنصة الالكترونية وتحضير الملاكات الادارية بانتظار ان يقوم مجلس الوزراء بتعيين هيئة جديدة، على ان تكمل ادارة المناقصات بعد تحولها الى هيئة شراء عام، عملها في المرحلة الانتقالية بانتظار الانتهاء من كل التحضيرات اللوجستية.

وهكذا يبدو ان "قانون الشراء العام" الذي يعتبر قانوناً اصلاحياً بامتياز قد يقع اسير الاشكالات الادارية لاسيما في ما خص تعيين اعضاء الهيئة ما قد يفرض اعادة النظر جزئياً في هذه المسألة، الا اذا تجاوز المجلس الدستوري- في حال الطعن بالقانون- هذه الجزئية وذهب الى حد رد الطعن ليصبح القانون نافذاً. هذا المشهد الضبابي سيتوضح خلال الايام القليلة المقبلة....