تفاصيل الخبر

"قطوع" الهبة لتمويل المحكمة الدولية سيمر بسلام بــ"موافقة استثنائية" من عون ودياب....

14/07/2021
رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب يحتوي الأزمة بعد  توضيحه ما حصل.

رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب يحتوي الأزمة بعد توضيحه ما حصل.


 قضية دفع المساهمة اللبنانية في ميزانية المحكمة الدولية الخاصة من أجل لبنان التي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، تفاعلت في الأيام الماضية على نحو كاد أن يؤدي الى أزمة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعدد من الوزراء، ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب من جهة أخرى. ولولا مسارعة الرئيس دياب الى توضيح ما حصل لكانت الأزمة أخذت بعداً آخر وأضافت الى سلسلة المشاكل التي يمر بها لبنان راهناً على مختلف الصعد، الاقتصادية والمالية والاجتماعية والمعيشية الخ...

 بدأت الازمة تظهر معالمها عندما تسربت الى أحد المواقع الاخبارية، رسالة وجهها الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية، الى وزارة الخارجية موضوعها تمويل "المحكمة الخاصة بلبنان"، جاء فيها أنه بناء على توجيهات الرئيس دياب وطلبه، وعطفاً على الاجتماع الذي عقد في السرايا الكبير في 1/7/2021، مع ممثلي الدول الأعضاء في لجنة ادارة المحكمة الخاصة بلبنان والذي تم خلاله البحث في مسألة تأمين تمويل المحكمة الخاصة بلبنان لاسيما في ضوء ما انتهى اليه اجتماع لجنة الادارة في نيويورك في 30/6/2021، وما ورد في كتاب رئيسة المحكمة تاريخ 28/6/2021، وعطفاً على ما تم عرضه من الحكومة اللبنانية في هذا الاجتماع والذي اكدت فيه على تمسكها بالمحكمة اضافة الى تأمين مساهمة قدرها 500 الف يورو لتغطية جزء من تمويل نفقات المحكمة من خلال هبة تقدم الى الهيئة العليا للاغاثة ومن ثم تحول الى حساب المحكمة، الأمر الذي لاقى ترحيباً من قبل ممثلي الدول الاعضاء. وعطفاً على تأييد الحاضرين لاقتراح لبنان بضرورة جدول زمني مع خطة تفصيلية لاختتام مهام المحكمة وبذل الجهود لانهاء هذا العمل قبل تاريخ 31/7/2021، وهو الموعد المحدد في كتاب رئاسة المحكمة الأمر الذي سينعكس ايجاباً على تخفيض النفقات التي قد تتوجب عن العام 2022، بناء على كل تلك المعطيات طلب مكية من وزارة الخارجية إبلاغ مندوبة لبنان الدائمة لدى الامم المتحدة في نيويورك السفيرة امل مدللي النقاط الاتية:

1- التأكيد على تمسك الحكومة اللبنانية بالمحكمة الخاصة بلبنان.

2- استعداد الحكومة اللبنانية تأمين مبلغاً قدره // 500,000// يورو كمساهمة منها في تمويل جزء من نفقات المحكمة الخاصة بلبنان عن الفترة المحددة ما بين 31/7/2021 و 31/12/2021 من خلال هبة تقدم الى الهيئة العليا للاغاثة، وبما يعكس التزام الحكومة اللبنانية الثابت بالمحكمة.

3- الطلب من المحكمة الخاصة بلبنان عبر لجنة الادارة، وضع جدول زمني وخطة تفصيلية لاختتام مهامها.

4- التمني على الدول الاعضاء في لجنة الادارة ملاقاة الجهود المبذولة من قبل الحكومة اللبنانية في سبيل تغطية نفقات المحكمة.

واتضح لاحقاً أن نسخة من مراسلة القاضي مكية، أرسلت مباشرة الى نيويورك من دون انتظار إحالة وزارة الخارجية وفقاً للأصول....


ضجــــة صلاحيات ومخالفة دستورية

 ما إن انتشر الخبر عبر وسائل الاعلام التي تناقلته بكثافة، حتى توالت ردود الفعل المستغربة للخطوة التي لجأ اليها الرئيس دياب من دون التشاور مع الرئيس عون او مع الوزراء الذين انكروا تباعاً علمهم بمضمون المراسلة الى نيويورك، لاسيما وأنه سبق للحكومة اللبنانية ان وجهت، بعد موافقة الرئيس عون، رسالة الى الامين العام للامم المتحدة "انطونيو غوتييريس" أعلمته فيها عن عدم تمكنها من سداد حصة لبنان في موازنة المحكمة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان وتراجع الموجودات بالعملة الصعبة في مصرف لبنان، وبالتالي تم الطلب الى "غوتييريس" بأن يصار الى تأمين حصة لبنان، من خلال الدول الاعضاء وفق ما تنص عليه اتفاقية انشاء المحكمة. وسجل المعترضون على خطوة دياب مخالفتين، الاولى عدم ابلاغ رئيس الجمهورية والوزراء بالكتاب التي يناقض مراسلة سابقة للحكومة، والثانية الالتزام بتقديم هبة مالية قيمتها 500 الف يورو من دون موافقة مجلس الوزراء وفقاً لأصول قبول الهبات، والتي يستعاض حالياً عن قرار مجلس الوزراء بــ "البدعة  المسماة" الموافقة الاستثنائية الصادرة عن رئيسي الجمهورية والحكومة. وذهب البعض الى حد القول إن الرئيس دياب تجاوز المادة 52 من الدستور التي تحصر برئيس الجمهورية حق التفاوض في الاتفاقات التي تعقد مع دول او منظمات دولية، وتنظيم المحكمة الخاصة بلبنان يقوم على اتفاق دولي يحتاج اي تعديل فيه الى موافقة رئيس الجمهورية....

ولعل ما زاد من حدة المعترضين ان مراسلة الرئيس دياب الى السفيرة اللبنانية في نيويورك لم تحدد هوية مقدمي الهبة وهذا أمر مخالف ايضاً للقواعد والأصول المعتمدة في قبول الهبات، اذ يجب تحديد الجهة التي قدمت الهبة وأسباب ذلك. ووقع الرئيس دياب في "المحظور" بعدما لاحظ ردود الفعل، فسارع الى إطلاق التوضيح تلو الآخر حول ظروف إرسال الكتاب الى وزارة الخارجية، لــ"يكتشف" اللبنانيون في وقت لاحق أن الهبة مقدمة من "اتحاد جمعيات العائلات البيروتية"، للمساهمة في تغطية العجز في الحصة اللبنانية في موازنة المحكمة الدولية. ومع مرور الوقت كثرت التساؤلات عن سبب عدم إعلان ذلك وفق الأصول وإرسال كتاب من اتحاد الجمعيات ليتم عرضه للحصول على الموافقة المسبقة، الأمر الذي دفع الرئيس دياب الى استعجال توجيه الكتاب الذي وصل قبل أيام الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء موقعاً من رئيس الاتحاد محمد عفيف يموت الذي أشار في كتابه الى "أن الهبة المالية "مشروطة" للمساهمة في تغطية جزء من حصة لبنان في نفقات تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تعاني من نقص في التمويل ما يعيق عملها وقد يؤدي الى توقفها قبل اتمام الغاية التي انشئت من اجلها، مع ما يترتب على ذلك من نتائج وتبعات خطيرة ستنعكس سلباً على تحقيق العدالة وتشكل سابقة خطيرة تجعل من مصداقية الامم المتحدة على المحك علماً ان الهدف من انشاء المحكمة يتجاوز قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليشمل قضية وطن وحق وعدالة يستحقها اللبنانيون كافة على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم. لذلك، يتقدم اتحاد جمعيات العائلات البيروتية من مقامكم بطلب الموافقة على قبول هبة مالية مشروطة لصالح الهيئة العليا للاغاثة بقيمة 500 الف يورو (fresh money) مساهمة منه في تغطية جزء من حصة لبنان من نفقات تمويل هذه المحكمة، على ان يتم تحويل المبلغ الى حساب المحكمة الدولية الخاصة بلبنان STL  واتخاذ الاجراءات اللازمة ذلك وفق الاصول".

وعليه، يمكن القول إن "قطوع" خطوة الرئيس دياب سوف يمر بسلام عندما تصدر الموافقة الاستثنائية عن الرئيسين عون ودياب بقبول الهبة ليصار الى تحويلها الى المحكمة الدولية، علماً أن المبلغ يغطي جزءاً من المساهمة اللبنانية في موازنة المحكمة وليس كلها....


أزمة المحكمة

تجدر الاشارة الى أن المحكمة الدولية كانت قد أعلنت الشهر الماضي أنها "من دون تمويل فوري، لن تتمكن من مواصلة عملها بعد شهر تموز وهو أمر سيؤثر على قدرتها على إنجاز ولايتها الحالية وإنهاء الاجراءات القضائية في القضيتين القائمتين حالياً أمامها". وتأسست المحكمة العام 2007 بقرار من مجلس الامن، وبلغت ميزانيتها العام الماضي 55 مليون يورو (67 مليون دولار)، وتستقي المحكمة 51 بالمئة من تمويلها من المساهمات الطوعية و49 بالمئة من الحكومة اللبنانية. وكانت المحكمة قد خفضت ميزانيتها العام 2021 بنسبة عالية بلغت 37 بالمئة تقريبا مقارنة بالسنوات السابقة، نظراً الى الظروف الصعبة الناتجة عن جائحة (كوفيد 19) العالمية والازمة المالية في لبنان. اما الحكومة اللبنانية فقد أبلغت الامم المتحدة بعجزها عن دفع مساهمتها بسبب الازمة المالية والاقتصادية التي تعصف بلبنان، وذلك رداً على طلب الامم المتحدة من الحكومة بدفع مستحقاتها. وتعمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حالياً على قضيتين مستمرتين ضد المتهم القيادي في "حزب الله" سليم عياش وآخرين مرتبطين بالعملية الارهابية التي وقعت في 14 شباط 2005 واودت بحياة رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري وواحد وعشرين شخصاً آخرين، وتسببت بجرح الكثيرين . وأدانت المحكمة العام الماضي عياش غيابياً في التفجير الذي أسفر عن اغتيال الحريري و21 آخرين في حكم يجري استئنافه.

 واعلنت أن المحكمة تملك حالياً تمويلاً يكفيها حتى نهاية تموز لكن من الضروري جداً أن يقدم المجتمع الدولي المزيد من التمويل قبل نهاية هذه المهلة، وقبل حلول موعد إخطار جميع الموظفين العاملين فيها بالمغادرة، وأوضحت في الشهر الماضي أن "توقف التمويل يعني أن المحكمة لن تملك الموارد لاستكمال القضايا المرفوعة أمامها. وفي هذه الحالة، سيحدد القضاة مصير هاتين القضيتين".

 وأصدرت غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الخاصة بلبنان قراراً ألغت به بدء المحاكمة في قضية عياش الذي كان مقرراً في 16 حزيران الماضي وعلقت ايضاً جميع القرارات المتعلقة بالمستندات المودعة حالياً أمامها، وبأي مستندات تودع مستقبلاً، وذلك حتى إشعار آخر.

 وتتعلق قضية عياش باعتداءات ثلاثة استهدفت الوزير والنائب اللبناني مروان حمادة والأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، ووزير الدفاع السابق الياس المر. وقد اعتبرت المحكمة أن هذه الاعتداءات متلازمة مع الاعتداء الذي أودى بحياة الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005 .