تفاصيل الخبر

احتفالية بكركي... ثقافية في العنوان وسياسية في التفاصيل.... والمعادلات!

14/07/2021
من الاحتفال بمئوية العلاقة بين البطريركية المارونية والمملكة العربية السعودية  في بكركي.

من الاحتفال بمئوية العلاقة بين البطريركية المارونية والمملكة العربية السعودية في بكركي.


 لا يمكن النظر الى الاحتفال الذي شهده الصرح البطريركي في بكركي الأسبوع الماضي على أنه مجرد احتفالية ثقافية بصدور كتاب عن مئوية العلاقة بين البطريركية المارونية والمملكة العربية السعودية الذي أعده المؤرخ الأباتي انطوان ضو الأنطوني، بل تعدى الى مناسبة سياسية كانت واضحة المعالم سواء من خلال التحضيرات التي اجريت له، أو من الحشد السياسي الذي شارك فيه بدعوات مباشرة من السفارة السعودية في بيروت، أو من "الرسائل" التي وجهت خلاله في كلمة السفير السعودي وليد البخاري، وكذلك البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي. واذا كان امتزج البعد الثقافي مع البعد السياسي، فلأن توقيت الاحتفال أتى في فترة دقيقة تمر بها العلاقات اللبنانية - السعودية لم يسبق أن سُجل مثيل لها في تاريخ العلاقات بين البلدين، وظهر ذلك جلياً من خلال الحرص الذي أبدته السفارة السعودية في أن يأخذ الاحتفال طابعاً وطنياً بحيث لم يقتصر الحضور فيه على وجوه مارونية خصوصاً ومسيحية عموماً، بل تعداه الى حضور إسلامي سني بارز أعطى للاطلالة السعودية من بكركي بالذات بعداً جديداً رعاه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز للدلالة على أن لا أحادية في النفوذ الخارجي في لبنان لدولة معنية لها امتداداتها الشعبية في لبنان، هي الجمهورية الاسلامية الايرانية، بل ان الحضور السعودي له ايضاً حجمه، وهو ليس بقليل كما له تأثيره وهو ليس تأثيراً محدوداً على فريق من اللبنانيين.

كذلك فإن البطريركية المارونية أرادت من الاحتفال أن تظهر أن بكركي كانت ولا تزال صرحاً لبنانياً يتوجه نحو العرب، ويؤمن بالعلاقات الأخوية بالدول العربية. كما وأنه تأكيد سعودي على العودة الى لبنان ليس من باب الفريق إنما من باب الدولة التي يهمها الشراكة المسيحية - الاسلامية، وهذا الأمر ناتج من المواقف الوطنية التي ينادي بها البطريرك الماروني وأتت المناسبة تتويجاً للعلاقة بين الموارنة والعرب وبين لبنان والسعودية. الأمر سيكون له تأثير في المستقبل لتأكيد هوية لبنان وانتمائه العربي، حيث جاءت كلمة البطريرك الراعي كمحضر حي لمسار هذه العلاقات بين البطريركية والمملكة السعودية، وهو أكد أن السعودية دولة شقيقة وصديقة، ووقفت دائماً الى جانب لبنان. وحاول أن يقول للدول في المنطقة او الذين يتدخلون في الشؤون اللبنانية: لماذا لا تكونون مثل السعودية التي لا تعتدي على حدود، ولا تعطل الاستحقاقات او تعلق الدستور؟ وقال: "لم تعتدِ السعودية على سيادة لبنان ولم تنتهك استقلاله. لم تستبح حدوده ولم تورطه في حروب. لم تعطل ديمقراطيته ولم تتجاهل دولته. كانت السعودية تؤيد لبنان في المحافل العربية والدولية، تقدم له المساعدات المالية، وتستثمر في مشاريع نهضته الاقتصادية والعمرانية. كانت ترعى المصالحات والحلول، وكانت تستقبل اللبنانيين، وتوفر لهم الإقامة وفرص العمل".

وفي هذا السياق، حرصت مصادر بكركي على القول إن البطريرك الذي أفاض في الاشادة بالسعودية ومواقفها تجاه لبنان، لا يأخذ محوراً من محاور المنطقة، بل كان يتحدث خارج المحور، وهو مع حرصه على تقدير الصداقة لدولة، لم يخرج مطلقاً عن مناداته بــ"الحياد الناشط"، لأن التقدير لا يعني تموضعاً في محور ذلك أن بكركي - حسب المصادر نفسها- لا تتموضع في أي محور سياسي لا على الصعيد اللبناني ولا على الصعيدين العربي والدولي، فهي تريد أن تظهر أنها فوق الصراعات والخلافات لكن لديها عيون ترى وآذان تسمع وقلب ينبض.

والرسالة الاضافية التي ارادت بكركي توجيهها فكانت الى كل الاطراف لتأييد مواقفها لاسيما في موضوع الحياد الايجابي والمؤتمر الدولي، وتأييد البطريرك الراعي الذي يطالب بالسيادة والاستقلال، وبايقاف المخطط التدميري للبنان، وتأييد البطريرك الذي تحدث باسم لبنان في الفاتيكان والذي يطالب بأن يكون قرار الشرعية حراً وأن يكون قرار لبنان مستقلاً. من جهتها فإن السعودية أرادت من خلال الاطلالة من الصرح البطريركي أن تقول بلسان سفيرها "أنا أعود الى رحاب لبنان من خلال بوابة بكركي"، وهذا شيء يجب على اللبنانيين التوقف عنده خصوصاً المسيحيين والموارنة. واتت المناسبة ايضاً تأكيداً سعودياً على أن من يراهن على ضمور وانكفاء وضعف وزوال الدور الماروني في لبنان مخطىء لأن العرب يراهنون ليكون الموارنة القوة التي تحافظ على لبنان السيد الحر المستقل حيث قال البخاري: "من صرح المحبة نطلق نداء السماء للأرض ونجدد العهد والوعد بدور المملكة العربية السعودية بنشر ثقافة السلام ومد جسور الوسطية والاعتدال وتعزيز سبل التعايش وحفظ كرامة الانسان. ولأننا دعاة سلم وسلام، فإن مستقبلنا في هذا الشرق هو السلام، بعيداً كل البعد عن التعصب والطائفية والتطرف أياً كان مصدره وذريعته.

عودة سعودية الى قلب الحدث

ويرى مراقبون أن السعودية التي كانت قريبة اكثر من الشارع السني في لبنان، وجدت من خلال احتفالية بكركي فرصة للتأكيد عن وجود تطورات جعلت المملكة تعود الى قلب الحدث السياسي اللبناني. والتطور الاول كان في اللقاء الثلاثي الذي جمع وزراء خارجية الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والسعودية في روما والذي عقد بالتزامن مع اللقاء الفاتيكاني الذي دعا اليه البابا فرنسيس للتأمل والصلاة من اجل لبنان مع البطاركة الكاثوليك والارثوذكس والانجيليين، ما أعاد الى المملكة ثقلاً سياسياً على مستوى المنطقة كاد أن يتراجع في وقت من الاوقات بعد التطورات الداخلية التي شهدتها المملكة مع تعيين الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولياً للعهد وحاكماً فعلياً للمملكة الى جانب والده الملك سلمان. اما التطور الثاني فكان من خلال زيارة سفيرتي الولايات المتحدة الاميركية "دوروثي شيا" وفرنسا "آن غرييو" الى الرياض حيث التقتا بمسؤولين سعوديين وكان نقاش عنوانه المساعدات الانسانية للبنان وتضمن في تفاصيله الشق السياسي ولاسيما الازمة الحكومية. والتطور الثالث جاء من خلال لقاء بكركي حول كتاب العلاقة بين البطريركية المارونية والمملكة العربية السعودية في مئويتها الاولى، والذي اتى في توقيت مميز بعد اقل من اسبوع على اللقاء الفاتيكاني وكأن الرياض أرادت توجيه رسالة الى البابا فرنسيس مفادها أنها شديدة الحرص على التلاقي والتقاطع مع المساعي البابوية، من اجل لبنان والتي انطلقت بعد اللقاء الروحي في الفاتيكان، وفي التأكيد على أن الدور المسيحي في لبنان لا يزال على أهميته وإن بدا في فترة معينة وكأنه يشهد تراجعاً لمصلحة الحضور الاسلامي، ما يعني حرص المملكة على أن يبقى لبنان وطن الرسالة في هذا الشرق المشلع بالحروب والخلافات السياسية والدينية الواضحة المعالم.

 ويشير المراقبون انفسهم الى ان ما حصل في بكركي الأسبوع الماضي، لا يمكن أن يمر مرور الكرام لدى فريق من اللبنانيين "تزعجه" عودة السعودية الى المسرح اللبناني، السياسي والروحي في آن، وإن كان هذا الفريق لم يظهر "انزعاجه" من "التظاهرة المارونية - السعودية" التي شهدها صرح بكركي. غير ان وسائل إعلام هذا الفريق لم تعر ما حصل اي اهتمام ظاهر وإن كانت تابعته بكثير من الاهتمام.... وربما القلق. ولعل السؤال الاهم يبقى ماذا بعد احتفالية بكركي وهل انتهى مفعولها بانتهاء القاء الخطب وتوزيع كتاب المئوية، ذلك ان ما شهدته بكركي في المفهوم السياسي يعطي اكثر من مدلول حول معادلة سياسية بدأت طلائعها ولا بد من رصد كيفية التعامل معها من الفريق الذي غاب عن الاحتفال - وهو اصلاً لم يدع اليه - خصوصا في مقاربة الازمات السياسية الداخلية وفي مقدمها الازمة الحكومية، بعد التنسيق الاميركي – الفرنسي - السعودي الواضح في هذا الصعيد. فهل لبنان امام مشهد سياسي جديد، أم أن حالة  الستاتيكو ستبقى الأساس؟

 إن غداً لناظره ... قريب.

السفير السعودي وليد البخاري يلقي كلمته.. تأكيد سعودي على العودة الى لبنان من باب الدولة التي يهمها الشراكة المسيحية – الاسلامية.

السفير السعودي وليد البخاري يلقي كلمته.. تأكيد سعودي على العودة الى لبنان من باب الدولة التي يهمها الشراكة المسيحية – الاسلامية.

البطريرك بشارة الراعي أفاض في الإشادة بالسعودية ومواقفها تجاه لبنان.

البطريرك بشارة الراعي أفاض في الإشادة بالسعودية ومواقفها تجاه لبنان.