تفاصيل الخبر

البطريرك بشارة الراعي يخاطب الحشود التي أمّت بكركي لدعم مبادرته.
البطريرك بشارة الراعي يخاطب الحشود التي أمّت بكركي لدعم مبادرته.
11/03/2021

لا حماسة دولية ظاهرة لطلب الراعي عقد مؤتمر دولي من أجل لبنان....

 لا يزال صدى دعوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى عقد مؤتمر دولي لمعالجة الوضع في لبنان، يتردد في الأوساط اللبنانية السياسية منها والروحية بين مؤيد للدعوة، ومعارض ومتحفظ لأسباب مختلفة، في وقت لم تعرف فيه ردود فعل الدول المعنية بالمؤتمر وما اذا كانت ستتجاوب مع هذه الدعوة ام لا، علماً ان الدعوة البطريركية جاءت عامة من دون ان يكون لهذا المؤتمر المقترح برنامجاً واضحاً ومحدداً لأن مثل هكذا مؤتمر لا يمكن ان يكون عنواناً عريضاً من دون تفاصيل.

وفيما تبقى ردود الفعل المحلية متفاوتة ومتباينة، وفيما ينشط البطريرك الراعي في توضيح دعوته واسبابها، لاسيما وأنها اقترنت مع دعوة الى حياد لبنان ظلت هي الأخرى عنواناً عريضاً بلا تفاصيل، فإن مصادر ديبلوماسية متابعة ذكرت بأن الشروحات التي قدمها البطريرك لزواره من الدبلوماسيين ظلت بحاجة الى المزيد من الايضاح لاسيما وان هذه المصادر اعتبرت ان عقد هكذا مؤتمر لا يعتمد فقط على الأمم المتحدة، كما أراد البطريرك بل يعتمد على شركاء دوليين آخرين وعلى مدى استعدادهم للانخراط في مثل هذه العملية، كما يتطلب استعداد الأطراف اللبنانية للمشاركة بفعالية في هذا المؤتمر. وتضيف هذه المصادر بأن مجموعة الدعم الدولية من اجل لبنان تتابع عن كثب الوضع في لبنان، وتشارك بشكل كامل في المسائل ذات الصلة، وان الأولوية يجب ان تعطى وانما للحل الداخلي، وللحوار بين الأطراف المعنية والاتفاق في ما بينها بما يخدم المصلحة الوطنية.

وفي تقدير المصادر الديبلوماسية نفسها ان هناك حاجة لإجراءات ملحة يجب ان يعتمدها الأطراف المعنيون اللبنانيون، لوضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، فوق الاجندات السياسية والشخصية، والتغلب على الخلافات، وإيجاد حل يمكن ان يساعد في الإنقاذ، مشددة على ان اطار الحل موجود، وهو اعتماد الاجندة الإصلاحية التي وافقت عليها القيادات اللبنانية والتزمت بها في اطار المبادرة الفرنسية. كما ان الاقتراحات موجودة لجهة اصلاح الاقتصاد، وتحسين الحوكمة واستئناف المباحثات مع صندوق النقد الدولي. يجب التمسك بهذا الاطار وإعادة احيائه والمشاركة فيه بجدية. ولا تنسى المصادر الإشارة الى ان "النكسات" المتتالية التي أصيبت بها مبادرة الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" نتيجة ردود فعل القيادات اللبنانية التي لم تكن على مستوى الوضع المتدهور في البلاد على مختلف الصعد، اذ بدلاً من ان تسارع هذه القيادات الى تلقف المسعى الفرنسي وتوفر له كل مقومات النجاح، "تبارت" في تفشيله ووضع العصي في دواليبه ما جعل الجانب الفرنسي يتراجع نسبياً عن الاستمرار في مسعاه تاركــــاً للبنانيين ان "يقلعوا" شوكهم بأيديهم، وان كانت المعلومات تشير الى استمرار المتابعة الفرنسية لما يجري "من بعيد لبعيد" من دون الغوص مجدداً في الرمال اللبنانية المتحركة بشكل كامل...


لا حماسة دولية

واذا كان البطريرك الراعي راهن على موقف للأمم المتحدة يدعم مبادرته، فإن المعلومات التي وردت من نيويورك في ردة فعل أولية على رغبة البطريرك ركزت "على انه بالنسبة الى الأمم المتحدة فإن الأهم هو الوضع الإقليمي وانعكاسه على لبنان لاسيما وان موقف الأمم المتحدة الثابت هو دعم نأي لبنان عن النزاعات الإقليمية تماشياً مع اعلان بعبدا. وهذا أيضاً التزام لبناني، لا بد من تطبيقه"، وتضيف المعلومات انه بالنسبة للأمم المتحدة، هناك استعداد لدعم لبنان بهذه العملية بأي طريقة ممكنة. لكن الحل للجمود السياسي القائم ليس بيد الأمم المتحدة او المجتمع الدولي. ولا يمكن للأمم المتحدة ان تتولى دور الدولة، او ان تحل مكان الدولة اللبنانية. فسيادة لبنان انجاز مهم حققه، وهناك احترام لهذه السيادة، وعلى الافرقاء اللبنانيين العمل من اجل احراز تقدم في هذه المسألة. كان لهذه الازمة التأثير الأكبر على الشعب اللبناني. فها هي معدلات الفقر ترتفع والفرص تضمحل. وبالتالي فإن الإصغاء الى احتياجات الناس هو مفتاح الحل.

وعندما تسأل المصادر الدولية عما اذا كانت فكرة الحياد والمؤتمر الدولي التي يدعو اليها البطريرك، يمكن ان تشكل محاولة لبنانية تطوير تجربة قوات "اليونيفيل" العاملة في الجنوب وتحديث القرارات الدولية الخاصة بلبنان لاسيما مع وجود تجارب سابقة للأمم المتحدة نجحت في اخراج بلدان عدة في العالم الثالث من الحروب والأزمات، تجيب ان تبني قرارات جديدة يعود الى مجلس الامن الدولي والى أعضائه الخمسة عشر. وحالياً لا تجري مناقشات من هذا القبيل في مجلس الامن. وتضع الأمم المتحدة دائماً إمكاناتها وخبراتها وتجاربها بتصرف الدول الأعضاء للمساعدة في تعزيز السلام والامن وحقوق الانسان والتنمية المستدامة، التي من شأنها ان تخدم الناس. بالنسبة الى هذه الحالة بالذات، علماً ان القرار لا يعتمد على الأمم المتحدة بل يعتمد على شركاء دوليين آخرين، وعلى استعدادهم للانخراط في مثل هذه العملية. كما يتطلب ذلك استعداد الأطراف اللبنانية للمشاركة بفعالية. ان لبنان يتمتع بامكانيات فريدة يمكن الاستفادة منها من اجل التوصل الى حلول. لقد رأيت بنفسي  قوة شعبه وابداعه وتصميمه وقدرته على التعايش.

 في المقابل، فإن ثمة من رأى في دعوة البطريرك الراعي الى مؤتمر دولي من اجل مساعدة لبنان "اطاحة" للمبادرة الفرنسية التي طرحها الرئيس "ماكرون" على اللبنانيين، وبالتالي فإن "تدويل" الازمة من خلال مؤتمر دولي يعني عملياً منع الفرنسيين من ان يكونوا اللاعبين الأساسيين والوحيدين على الساحة اللبنانية واشراك قوى دولية أخرى في عملية البحث عن الحل، وهو امر لم يرده "ماكرون" من الأساس عندما طرح مبادرته وسماها "مبادرة فرنسية" ليضع الملف اللبناني في عهدة "الأم الحنون" مرة أخرى بعيداً عن "الأم" الأخرى التي قد لا تكون "حنونة" تجاه لبنان. وفي هذا السياق يقول مطلعون انه يسود الاعتقاد ان طلب التدويل او استدعائه، ينم عن مسألتين متعارضتين، فإما هو إقرار من جهة محددة بأن صلاحية المبادرة الفرنسية قد انتهت ولم تعد ذات قدرة على استصلاح الوضع اللبناني، وإما ان الطلب البطريركي يندرج في الخانة نفسها مع المبادرة الفرنسية، أي عملياً محاولة تحويلها الى مبادرة دولية أوسع. وتقول مصادر متابعة ان فرنسا "مرتبكة" نتيجة ما يتردد من ان السعودية غير متحسمة لترؤس الرئيس سعد الحريري للحكومة العتيدة، وهي التي سهلت على الحريري هذه المهمة وتعاملت معه كرئيس مقبل للحكومة.

 في أي حال، تبقى الدعوة البطريركية الى عقد مؤتمر دولي من اجل لبنان موضع تفاعل من دون ان يعني ذلك إمكانية تحقيقها في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة لاسيما وان لا حماسة دولية ظهرت بعد للتجاوب مع رغبة البطريرك.