تفاصيل الخبر

البابا أعاد بسط "مظلة" فوق لبنان تمنع سقوطه وتحميه من صراعات المنطقة

07/07/2021
البابا "فرنسيس" خلال اللقاء مع القادة الروحيين المسيحيين اللبنانيين في الفاتيكان.

البابا "فرنسيس" خلال اللقاء مع القادة الروحيين المسيحيين اللبنانيين في الفاتيكان.


 لا يمكن اعتبار اللقاء الذي جمع البابا "فرنسيس" مع رؤساء الطوائف اللبنانية الكاثوليكية والارثوذكسية والانجيلية في الفاتيكان في الأول من تموز (يوليو) الجاري، مجرد لقاء روحي لـ"التأمل والصلاة من اجل لبنان" كما جاء في عنوانه. كذلك لا يمكن القول إن ما صدر عنه من مواقف لاسيما في الكلمة الختامية التي القاها البابا هو مجرد عناوين وشعارات تتناسب مع طبيعة المناسبة غير المسبوقة في تاريخ العلاقات اللبنانية-الفاتيكانية من حيث الشكل والمضمون، وإن كان لبنان في سنوات خلت محطة لزيارتين بابويتين. الاولى للبابا القديس "يوحنا بولس الثاني"، والثانية للبابا السابق "بنديكتوس السادس عشر"، من دون ان ننسى التوقف التاريخي للبابا الراحل "بولس السادس" في مطار بيروت الدولي في طريقه الى الهند حيث كان له استقبال رسمي وشعبي رغم الوقت القصير الذي امضاه في المطار يومها.

 الا ان الواضح ان البابا "فرنسيس" اراد مقاربة الملف اللبناني من زاوية مختلفة، فجمع رؤساء الطوائف المسيحية كافة واستمع اليهم يعرضون، كل من وجهة نظره، الواقع اللبناني الراهن وسبل الخروج من الازمة التي تعصف به على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانسانية، من دون مشاركة سياسية او مدنية لوجود قناعة لدى الكرسي الرسولي بأن "الجماعة السياسية" - كما يسميها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي - اخفقت في المحافظة على لبنان وامعنت في تدميره نتيجة خلافاتها السياسية واوصلت اللبنانيين الى مستوى غير مسبوق في التراجع والانهيار على مختلف الصعد. ادرك البابا فرنسيس ان المشكلة ليست داخلية فقط، وإن كانت نسبة مسؤولية القيادات السياسية كبيرة، لذلك جمع سفراء الدول المعتمدين في الكرسي الرسولي لحضور الصلاة التي رفعها من اجل لبنان داعياً العالم الى عدم التدخل سلباً في شؤونه، زارعاً املاً متجدداً بمستقبل لبنان وباسطاً "مظلة" فوقه كتلك التي بسطها البابا القديس"يوحنا بولس الثاني" عندما شعر ان لبنان دخل مرحلة خطرة نتيجة التجاذبات الاقليمية، وكذلك "المظلة" التي اعاد بسطها البابا "بنديكتوس" عندما أحس بأن الخطر يدهم وطن الارز من جديد.

رسائل في أكثر من اتجاه

الرسائل التي يمكن استخلاصها من "يوم لبنان" في الفاتيكان كثيرة، لكن ابرزها ثلاث رسائل تصب كلها في حرص بابوي متجدد وثابت على لبنان واللبنانيين، وتعكس قلق البابا الدائم على الوجود المسيحي فيها وعلى مستقبله كدولة وكمساحة مشتركة ما بين ابنائه وكوطن رسالة العيش المشترك. اولى هذه الرسائل التي وجهت خلال هذا اللقاء هي لعواصم القرار التي بعدت عن لبنان بهدف اعلامها ان لبنان هو في قلب الفاتيكان وفي عقله والكرسي الرسولي لن يسمح ابداً بتركه وبأن تكون هناك اي مقايضة او تسوية على حسابه، وقد اتى هذا اللقاء لافهام عواصم القرار هذه بأنه عليها مساعدة اللبنانيين ولبنان على الخروج من ازمته وألا تسمح بأن ينزلق الى العنف والفوضى المجتمعية بفعل ازمته المالية، وبالتالي اراد البابا ان يكون هذا اللقاء محطة لانطلاق الاندفاعة الدولية مجدداً من اجل وضع حد لهذه الازمة اللبنانية المتمادية، باعتبار ان الفاتيكان يخشى في حال استمرارها من ان تنتج تحولاً ديمغرافياً كبيراً داخل النسيج اللبناني وبالتالي ان تتضرر البيئة المسيحية في لبنان، لاسيما وان المسيحي اعتاد على نمط عيش معين وفي ظل الانهيار الكامل في بعض القطاعات الحيوية الاساسية للمسيحيين من استشفائية، وتعليمية، وسياحية ومصرفية، هناك قلق فاتيكاني من ان تكون هذه الازمة مناسبة لتهجير المسيحيين، لذا اراد الاب الاقدس افهام عواصم القرار بأنه معني جداً بهذه الازمة ولن يسمح بأن يسقط لبنان "فرق عملة" او محط تسويات وصراعات كبيرة وعليها مساعدته فوراً، ولا شك في ان صدى الموقف الفاتيكاني سيتردد في هذه العواصم في محاولة لتجديد مساعيها من اجل انهاء هذه الازمة.

الرسالة الثانية التي ارادها الحبر الاعظم من هذا اللقاء، موجهة الى الشعب اللبناني عموماً والمسيحيين من بينه خصوصاً، بأنهم غير متروكين لقدرهم ومصيرهم كما يحاول البعض افهامهم وان الفاتيكان يصلي من اجلهم. لذا اراد من خلال هذا الحدث ان يقول لهم انه سيساعدهم على الخروج من هذه الازمة، كما ان هذا اللقاء هو دعوة لهم بأن يصمدوا في ارضهم وقناعاتهم من اجل تجاوز هذه الصعاب التي يعانون منها اليوم باعتبار ان لا شدة الا ولها نهاية. وبالتالي اراد البابا "فرنسيس" تقوية عزيمتهم وان يشد على ايديهم ولا شك ان هذا الحدث سيعطي اثراً ايجابياً لدى المسيحيين وسيقوي بشكل او بآخر عزيمتهم جراء تأكدهم من ان هناك حرصاً فاتيكانياً عليهم وعلى استمرارهم وبقائهم، فهم يعلمون انه لا بد ان تترجم هذه الارادة البابوية لأن الفاتيكان لن يسمح ابداً بالغاء وضرب آخر مساحة حرة للمسيحية المشرقية.


لا تسوية على حساب لبنان

اما الرسالة الثالثة، فهي موجهة للعواصم التي تتفاوض في هذه المرحلة ان كان في فيينا او في اللقاءات التي تعقد ما بين الايرانيين والسعوديين او اللقاءات التي حصلت ما بين وزراء خارجية واشنطن وباريس والرياض، ومفادها ان لبنان لا يمكن ان يقوم وان ينهض الا وفق ثوابت فاتيكانية ومسيحية اساسية لها علاقة بثوابت الكنيسة المارونية المتعلقة بقيام الدولة الفعلية والقوية في لبنان واعلان حياده، الامر الذي من شأنه ان يعيد الاعتبار الى دوره. وبالتالي يقول لهذه العواصم إنه لا يجوز ان تحصل اي تسوية على حساب لبنان وان خريطة طريق انقاذه واضحة ويجب اعتماده من اجل عودة الازدهار الى ربوعه.

وتقول مصادر شاركت في لقاء الفاتيكان ان حراك الكرسي الرسولي سيتضاعف لما للفاتيكان من تأثير كبير على عواصم القرار، وبالتالي في ظل هذه الرسائل ما بين الصمود في الداخل للبنانيين والمسيحيين تحديداً وما بين تزخيم الحركة الخارجية ورسم خطوط حمراء حول لبنان في ما خص التسويات، لا شك في ان الامور ستشهد تغييراً في الاسابيع والاشهر المقبلة، لأن الحبر الاعظم لا يمكن ان يقبل باستمرار الوضع على ما هو عليه. وفي التحرك العملي ثمة خطوات ديبلوماسية يعتزم الكرسي الرسولي القيام بها في اتجاه الدول الكبرى ولاسيما الولايات المتحدة الاميركية حيث للبابا "فرنسيس" التأثير المباشر على الرئيس الأميركي "جو بايدن" الكاثوليكي، اضافة الى فرنسا ودول اخرى لها قدرة على التفاعل ايجاباً مع الوضع اللبناني والحد من التراجع الكبير الذي يصيب القطاعات كافة.

وعلى رغم ان لا رابط بين ما جرى في الفاتيكان، وبين الازمة الحكومية المستفحلة في لبنان، فإن ثمة من رأى ان اي تحرك فاتيكاني لمساعدة لبنان، لا بد ان ينعكس على البعد السياسي في الازمة اللبنانية ولا يقتصر على الابعاد الاجتماعية والمالية والانسانية، والتجاوب الذي يمكن ان تبديه اي دولة مع الرغبة البابوية، ستكون له بصمات على الواقع السياسي خصوصاً متى تأكد ان المساعي البابوية لن تقتصر على الدول الكبرى، بل ستشمل ايضاً دولاً اقليمية مثل ايران وعربية مثل السعودية وعدد من دول الخليج. وتلتقي المصادر المطلعة على القول إن العمل الديبلوماسي هو في العادة بطيء الحركة ما يعني انه لا بد من اعطائه الوقت الكافي لتظهر نتائجه، خصوصاً ان الاتصالات من اجل لبنان تتم في ظروف تجعل اهتمامات الدول موجهة الى مسائل اخرى تعنيها مباشرة او ترتبط بما يجري حولها من احداث ومشاكل. لكن الاكيد، وفقاً للمصادر نفسها بأن الحركة الفاتيكانية، معطوفة على الحركة الاوروبية، واللقاء الثلاثي الذي جمع وزراء خارجية اميركا وفرنسا والسعودية في ايطاليا، دلت الى بداية تبلور مناخ دولي عام حول ضرورة حماية لبنان من الصراعات في المنطقة، ومنع سقوطه ولو اقتضى الامر رعاية دولية كاملة للمجريات اللبنانية.