تفاصيل الخبر

السيناتور الديمقراطي "برني ساندرز": غائب ولكن أفكاره حاضرة في إدارة "بايدن".
السيناتور الديمقراطي "برني ساندرز": غائب ولكن أفكاره حاضرة في إدارة "بايدن".
04/03/2021

"بايدن" يرمي العرب في أحضان الصين

بقلم خالد عوض


ما زالت الإدارة الأميركية الجديدة مرتبكة في سياستها الخارجية. هذا مفهوم. فهي تسلمت متأخرة جداً الملفات المهمة من الإدارة السابقة بسبب مواقف "دونالد ترامب"، كما أنها تواجه أزمات داخلية من كل الأنواع لم يسبق أن شهدتها إدارة جديدة. ولكن إذا كان التخبط الخارجي، وهو ليس جديداً على الإدارات الأميركية المتعاقبة، مقدوراً عليه في السابق وكان من السهل تصحيحه أو تجاوزه، إلا أنه اليوم أصبح مكلفاً جداً ليس فقط مادياً بل حتى فيما يخص هيبة الولايات المتحدة وسلطتها في العالم. في الثلاثين سنة الماضية كانت الولايات المتحدة تخطئ خارجياً من دون محاسبة أو من دون أن تخسر من نفوذها أو رصيدها الدولي. ولكن اليوم، ومع تجاوز ناتج الصين المحلي ١٥ ألف مليار دولار مقابل أقل من ٢١ ألف مليار دولار للولايات المتحدة، لم يعد عند الأميركيين ترف هامش الخطأ نفسه لأن أي خطوة غير مدروسة هي هدية مجانية للصين. 


"بايدن" واليسار 

من المفيد التذكير أن الرئيس الأميركي "جو بايدن" لم يكن الخيار الأول عند الديمقراطيين بل كان أمامه السيناتور "برني ساندرز" وحتى السيناتورة السابقة "إليزابيت وارين" وهما من أصحاب الأفكار اليسارية المصنفة حتى بالمتطرفة. ولكن عندما رأت النخبة الديمقراطية أن نجاح "ساندرز" سيؤدي حتماً إلى فوز "دونالد ترامب" بولاية ثانية نزل الديمقراطيون، وعلى رأسهم "باراك اوباما"، بكل ثقلهم دعماً لـ"بايدن" وفاز الأخير بترشيح الحزب الديمقراطي الذي جند كل ماكينته من أجله، ثم أصبح رئيساً للولايات المتحدة. ولكن القاعدة الشعبية الديمقراطية ما زالت تعتبر أن إدارة "بايدن" يجب أن تتبنى الكثير من أفكار "ساندرز" و"وارين" وخاصة في ما يتعلق بالسياسة العمالية ورزمة الدعم الاجتماعي ومحاربة العنصرية و..حقوق الإنسان. 


الغرب والمكيالان 

الحملة التي يشنها بعض أعضاء الكونغرس الأميركي مثل السيناتور الجمهوري "ليندزي غراهام" ضد المملكة العربية السعودية تندرج في مسار الابتزاز المعروف. وتقرير المخابرات الأميركية بشأن جريمة اغتيال الصحافي "جمال خاشقجي" هو مادة دسمة للابتزاز الجديد. لا شك أن القتل الوحشي للصحافي السعودي في إسطنبول لا يمكن قبوله بأي شكل من الأشكال. ولكن ما هو معيار المحاسبة الحقيقي؟ هل ما قامت به فرنسا في الجزائر مثلاً، وهذا اليوم حديث الساعة في "باريس"، ينتهي بمجرد اعتذار الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" كما فعل منذ أيام؟ أو ما فعلته الولايات المتحدة في سجن "أبو غريب" في العراق ينتهي بمحاسبة بعض المسؤولين العسكريين الأميركيين من دون أي محاسبة للنظام الأميركي ككل؟ أو من يتحمل نتائج مهزلة "أسلحة الدمار الشامل" التي اتهم بها الرئيس العراقي صدام حسين وتبين أنها غير حقيقية رغم عدد الضحايا وحجم الحروب التي خلفتها ولا تزال؟ لم يعد منطقياً أن يحمل الغرب راية حقوق الإنسان وينصب نفسه المدافع الأول عنها وهو مثقل بالتهم ضد الإنسانية تاريخياً وحالياً.


إيران حاجة.. أميركية؟

حتى الآن لا يزال فريق "بايدن" يحاول استنساخ أفكار إدارة الرئيس السابق "باراك اوباما" في شأن الشرق الأوسط مع بعض التعديلات التي فرضتها الظروف المستجدة في المنطقة. من الواضح أن هذا لا يعطي حتى الآن أي نتيجة. المحيطون بـ"بايدن" يعتقدون أن الولايات المتحدة بحاجة إلى حلفاء أقوياء عسكرياً عندهم ما يكفي من النفوذ لفرض الاستقرار. لذلك لا يزال المثلث التركي الإسرائيلي الإيراني هو الأنسب على المدى الطويل لتخفيف أعباء الولايات المتحدة في هذه المنطقة المعقدة. كما أن إدارة "بايدن" مقتنعة تماماً أن إيران لا تسعى إلى تطوير القنبلة النووية لأنها اصدرت فتوى شرعية ضد ذلك ذكرها "أوباما" نفسه عند توقيع الاتفاق النووي مع إيران. أهم من كل ذلك فإن "بايدن" لا يريد أن تدخل الصين إلى الخليج من الباب الإيراني وهو يظن أنه بالاتفاق معها يمكنه أن يمنع ذلك. هذا هو السبب الرئيس وراء المهادنة الأميركية لإيران.


لا اتفاق إيراني - صيني بعد خمس سنوات من الإعلان عنه؟

إذاً يبقى السؤال : أين أصبح الاتفاق الإيراني الصيني الذي بدأت صياغته منذ ٢٠١٦ ولم يوقع حتى الآن؟ هذا الاتفاق الذي يدخل في إطار حزام وطريق الحرير ويشمل ٢٨٠ مليار دولار من الاستثمارات الصينية في إيران ويمتد فترة ٢٥ عاماً هو أكثر ما يقلق "بايدن". في الوقت نفسه لم تستعجل الصين ولا إيران التوقيع على الاتفاق لأنهما لا تريدان قطع شعرة معاوية مع الأميركيين. الصين وضعت شروطاً تنتقص كثيراً من السيادة الإيرانية مثل وجود آلاف العمال والجنود الصينيين في المنشآت الإيرانية وهذا يزعج الإيرانيين، وإيران أصرت أن تتجاوز الشركات الصينية كل أنواع العقوبات الأميركية وهذه مجازفة لن تقبل بها الصين. 


هل يعبر الحرير إلى الخليج قبل.. إيران؟

تعتقد إدارة "بايدن" أن وجود قواعد عسكرية أميركية في الخليج يضمن لها ولاء دول مجلس التعاون الخليجي خاصة في وجود "البعبع" الإيراني. ولكن ما لم تحسبه الولايات المتحدة، التي يتركز همها اليوم على عرقلة الصين، أنه بالضغط الذي تقوم به على السعودية من باب حقوق الإنسان تفتح باب الخليج على مصراعيه أمام الصين. لن يحصل ذلك اليوم أو غداً فالمملكة لن تألو أي جهد دبلوماسي وإقتصادي لرأب الصدع مع الأميركيين خاصة أن الثقافة الاقتصادية الخليجية ما زالت غربية إلى حد كبير. ولكن الصين لن تبقى إلى الأبد في موقع المتفرج على الأسلوب الابتزازي الأميركي من دون أن تعرض بديلاً أنجع وأفيد للخليجيين. هي بحاجة إلى نفط الخليج لنموها ولا يسعها الاستغناء عنه. وهي تستورد أكثر من ١٧ بالمئة من حاجتها النفطية من السعودية وحدها أي أكثر من أي دولة أخرى بما فيها روسيا. وخلال سنوات ستصبح الصين، وهي دولة لا تعنيها حقوق الإنسان كثيراً ولن تستخدمها لتمرير صفقاتها، القوة الاقتصادية الأولى في العالم. ساعتها يمكن أن يخفت صدى كلام "غراهام" وغيره في الرياض وأبو ظبي. 

تقضي الاسراتيجية الأميركية بالتوجه إلى الشرق الأقصى ومحاصرة الصين هناك. ولكن في نظام اقتصادي متعولم رغم كل مفاعيل الوباء لن تنجح الولايات المتحدة في وقف زحف الصين إذا تركت ثغرات في تحالفاتها الإستراتيجية التاريخية. وهي بأدائها اليوم مع السعودية من باب إرضاء مناصري حقوق الإنسان تقوم ربما بدعسة ناقصة مكلفة جداً على المدى الطويل.

كان "اوباما" يكرر في كل مناسبة أن على السعودية أن تقود التغيير الكبير حتى "تستحق" تحالفاتها مع الولايات المتحدة. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قام بأمور تغييرية شبه انقلابية خلال فترة وجيزة كان من المستحيل حتى لـ"أوباما" أن يتخيل أن المملكة يمكن أن تحققها بهذه السرعة والجدية والعزم. هذه هي الصورة الكبيرة اليوم، التي لم تحتل الصين فيها أي دور...حتى الآن.



ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان: تحدي قيادة التغيير الكبير. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان: تحدي قيادة التغيير الكبير.
السيناتور الأميركي "ليندزي غراهام": البحث عن صفقات مع السعودية على ظهر حقوق الإنسان. السيناتور الأميركي "ليندزي غراهام": البحث عن صفقات مع السعودية على ظهر حقوق الإنسان.