تفاصيل الخبر

أي ثمن لخروج إيران من سوريا؟

17/06/2021
الرئيسان "جو بايدن" و "فلاديمير بوتين" في سويسرا: الابتسامة والأنياب.

الرئيسان "جو بايدن" و "فلاديمير بوتين" في سويسرا: الابتسامة والأنياب.

بقلم خالد عوض 

  

 أهم ما في رئاسة "جو بايدن" للولايات المتحدة، حتى الآن على الأقل، أنه يصغي جيداً إلى نصائح فريقه ومستشاريه.ما يرشح عن طريقة تعامله مع هؤلاء من خلال الصحافيين المحيطين بالبيت الأبيض وبفريق "بايدن"، أن الأخير يأخذ برأي الأكثرية، وأنه عندما تتضارب الآراء من حوله يعيد الحوار بهدوء ليحصل على أكبر نسبة إجماع ممكنة أو يؤجل القرار إلى أن تتضح الرؤية عند الجميع . لهذا السبب يمكن استقراء سياسات الرئيس الأميركي من خلال آراء فريقه وتوجهاتهم. وبما أن هؤلاء أنفسهم يستقون أفكارهم من مراكز الأبحاث وبعض الصحافيين المخضرمين فإن سياسات البيت الأبيض أصبحت في عهد "بايدن" أكثر وضوحاً بكثير من فترة سلفه "دونالد ترامب".

الصين في صلب السياسة الخارجية وروسيا على... هامشها

بعد اجتماع الدول السبع في إيرلندا وقمة أعضاء حلف شمال الأطلسي "الناتو" في بلجيكا منذ أيام لم يعد يخفى أن سياسة "بايدن" الخارجية تتمحور من جهة حول تضييق الخناق على الصين وزرع كل أنواع الشوك في طريق وحزام حريرها، ومن جهة أخرى تحجيم الدور الروسي الذي يعتبر "بايدن" وفريقه أنه أكبر بكثير من حجم روسيا وقدراتها الحقيقية على الصعد كافة. وعلى عكس "دونالد ترامب" الذي سخف الحاجة إلى مجموعة الدول السبع نظراً أن مجموع اقتصادات ست منها لا يساوي أكثر من ثلثي الاقتصاد الأميركي فإن "بايدن" يعتبر أن أي حجر عثرة يمكن أن يرميه في طريق الصين مفيد مهما كان حجمه. كذلك بالنسبة لروسيا. فالرئيسان الروسي والأميركي اتفقا من دون أي لبس على أن العلاقة بين بلديهما هي في أدنى مستوياتها منذ الثمانينات. ولذلك أعاد "بايدن" التأكيد من خلال قمة "الناتو" أن احتواء روسيا في أوروبا والشرق الأوسط ضرورة استراتيجية لجميع أعضاء حلف شمال الأطلسي وليس فقط للولايات المتحدة. وعلى عكس موقفه من التوسع الصيني في أوروبا، لا يمانع "بايدن" علاقات روسية أوروبية اقتصادية قوية ولكنه لن يسمح بأن يصول "بوتين" ويجول في أوروبا أو الشرق الأوسط كما لو أنه قوة عظمى، بينما لا يتخطى حجم اقتصاده حجم اقتصاد إيطاليا (الناتج المحلي لروسيا لا يتعدى ألف وخمسمئة مليار دولار بينما يلامس الناتج المحلي الإيطالي ألفي مليار دولار)! 

سوريا نقطة التقاء عالمية 

انطلاقاً من النظرة الأميركية الفوقية إلى حجم روسيا الحقيقي والذي لا يتعدى حجم اقتصاد ولاية "نيويورك" أو "تكساس" يرسم "بايدن" وفريقه السياسة الخارجية مع روسيا. من هنا رفض "بايدن" فكرة عقد مؤتمر صحفي مشترك مع "بوتين" بعد لقائهما في "جنيف"، ليس فقط حتى لا يعطيه فرصة الظهور كالند لأميركا بل لأنه يعتبره لاعباً محدود الموارد ولو تمخض في أوكرانيا وبيلاروسيا وسوريا وليبيا. لم يرشح الكثير عن لقاء الرئيسين ولكن الأكيد أن "بايدن" حمل لـ"بوتين" جزرة وعصا. العصا هي على الأرجح تلويح بالمزيد من العقوبات الاقتصادية وصولاً حتى إلى مواجهة عسكرية في أوكرانيا أصبحت كل عناصرها مكتملة خاصة بعد إعلان انضمام أوكرانيا إلى الناتو. والجزرة هي انفتاح اقتصادي يبدأ من رفع العقوبات ويصل إلى إعطاء الضوء الأخضر بإعادة اعمار سوريا مع شرط وحيد: مقابل الاعتراف الغربي بالرئيس السوري بشار الأسد، على الأخير أن يصغر الدور الإيراني في بلده بل المضي في إلغائه. فبالنسبة لـ"بايدن" لا مكان لإيران في سوريا وعلى "بوتين" حل هذه المعضلة. يمكن ترجمة الرسالة الأميركية إلى "بوتين" كالآتي: خذ سوريا بزراعتها وغازها ومواردها وإعادة إعمارها إذا عرفت كيف تخرج إيران منها وتحمي حدود إسرائيل الشرقية. بالطبع سيسعى "بوتين" إلى تحصيل أكبر الأثمان لإخراج إيران أو المماطلة في ذلك إلى أقصى الحدود ولكنه هذه المرة يصطدم بإستراتيجية أميركية واضحة ومتكاملة لا وقت لديها للألعاب "الصغيرة". 

لبنان مع.. البيعة 

ذكرت الدوائر الفرنسية أن الرئيس "إيمانويل ماكرون" فاتح الرئيس الأميركي بالمسألة اللبنانية خلال اجتماعهما في "كورنوال" الإيرلندية الأسبوع الماضي، وأن "بايدن" اكتفى بالموافقة على توفير المساعدات الإنسانية لهذا البلد المستباح من زعمائه والاستمرار في دعم الجيش اللبناني. من الواضح أن لا سياسة أميركية للبنان وفي لبنان إلا من خلال سياستها الإقليمية، وأن دوائر القرار الأميركية تنظر إلى الدولة اللبنانية أنها دولة تابعة لمنظومة إقليمية وأن قرارها ليس فيها أو منها ولذلك لا تضيع وقتاً مع بلد لا يملك قراره. هناك ثلاثة أمور تهتم لها، بالكاد، الولايات المتحدة في لبنان: أمن إسرائيل العسكري والنفطي، واحتواء مسألة النزوح من لبنان، وعدم تحول لبنان إلى دولة فاشلة تصدر الإرهاب والعنف والمخدرات. وهي لا تمانع تلزيم لبنان إلى أي دولة تضمن لها هذه الأمور الثلاثة أو إلى عدة دول تضمن كل واحدة منها أحد هذه الأمور. إذا نجحت روسيا في إخراج إيران من سوريا يكون لبنان جائزة إضافية لها وإن فشلت سيعود لبنان من جديد إلى مزاد الوصايات الإقليمية والدولية.            

الجيش اللبناني منطلق الحل

أكد المؤتمر الذي دعت إليه فرنسا لدعم الجيش اللبناني أن المجتمع الدولي لم يعد يعترف بأي جزء من الدولة إلا بمؤسسة الجيش. وكما كان حل الأزمة السياسية المعقدة عام ٢٠٠٨ في العاصمة القطرية الدوحة من خلال المجئ بقائد الجيش يومها ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية يتبلور تدريجياً الالتقاء الدولي والعربي حول العماد جوزيف عون ليدير البلد انتقالياً، وربما في المستقبل رئاسياً، رغم أن ذلك غير مطروح اليوم. والمقصود بانتقالياً ليس استلام السلطات مؤقتاً ولكن ضمان الأمن وحصول الاستحقاقات الدستورية من انتخابات بلدية ونيابية ورئاسية في موعدها وتأمين سلامتها ونزاهتها. ليس المطلوب أن يتدخل الجيش إجرائياً ولكن المطلوب منه أن يحمي كل ما يتعلق بالإجراءات المواكبة لتلك الانتخابات ويمنع التسلط عليها. 

لم يخرج إلا دخان رمادي من لقاء "جنيف". الأرجح أن لبنان بانتظار حل المشكلة في سوريا والأخيرة بانتظار مفاوضات روسية إيرانية لتقييد دور إيران ووجودها في سوريا. بالانتظار سيحاول "بوتين" ومعه الأسد تجميع كل الجزرات الممكن الحصول عليها من الغرب والعرب. أما إذا بدأ صبر "بايدن" ينفذ من مماطلة القيصر فلن يتأخر على الأرجح في أن يبرز بعض أنيابه في البحر الأسود والبحر المتوسط.


قائد الجيش اللبناني العماد "جوزيف عون": رجل المرحلة الانتقالية من أجل حماية الجمهورية.

قائد الجيش اللبناني العماد "جوزيف عون": رجل المرحلة الانتقالية من أجل حماية الجمهورية.