تفاصيل الخبر

مفاتيح إعمار المنطقة بين "بايدن" و"بوتين"

10/06/2021
الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": فن الخروج من اللقاءات الرئاسية بالكثير من الوعود والقليل من التنازلات.

الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": فن الخروج من اللقاءات الرئاسية بالكثير من الوعود والقليل من التنازلات.


بقلم خالد عوض

 هناك من يشبّه لقاء الرئيسين الأميركي "جو بايدن" والروسي "فلاديمير بوتين" في جنيف في 16 الجاري بأنه شبيه باجتماع يالطا بين الرئيس الأميركي "فرانكلين روزفلت" والرئيس الروسي "جوزيف ستالين" ورئيس الوزراء الإنكليزي "ونستون تشرشل" في شباط (فبراير) سنة ١٩٤٥ لتقسيم العالم وإعادة تنظيم أوروبا واليابان عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وهناك من يقلل من أهميته ويقارنه بالاجتماع الشهير بين "بوتين" وسلف "بايدن" الرئيس السابق "باراك اوباما" الذي انعقد في ايرلندا عام ٢٠١٣ عندما تراجع "اوباما" عن كل تهديداته لروسيا و"أهداها" سوريا وغض النظر عنها في أوكرانيا مقابل ضمان "بوتين" عدم تدفق النازحين من سوريا إلى أوروبا وعبر الأطلسي إلى شواطئ الولايات المتحدة. "بوتين" ما زال "بوتين" ولا يختلف في نواح كثيرة عن الرئيس السوفياتي الراحل "جوزيف ستالين". ولكن "بايدن" ليس "روزفلت" ولا حتى شبيه بـ"اوباما" وهو يعرف "بوتين" أكثر من معرفة أي رئيس أميركي سابق به. ولذلك فإن اجتماع "جنيف" هو ربما أكثر تحديداً للعلاقة الأميركية الروسية من أي لقاء آخر منذ مؤتمر "يالطا".

  

بين الأجندة والكلام، والوقائع والأفعال


لم ينس الرئيس الروسي أن "بايدن" نعته بالقاتل في مقابلة تلفزيونية منذ ثلاثة أشهر وتحديداً في ١٧ آذار (مارس) الماضي وقال عنه إنه بلا روح. لا بل ذهب "بايدن" أبعد من ذلك عندما قال في المقابلة نقسها إن العالم سيرى قريباً أي ثمن سيدفعه "فلاديمير بوتين". صحيح أن استراتيجية الإدارة الأميركية هي احتواء روسيا وليس مواجهتها ولكن اقتناع فريق "بايدن" أن روسيا تدخلت رقمياً في انتخابات ٢٠١٦ لتسهيل وصول "دونالد ترامب" بالإضافة إلى الخروقات السيبريانية المتتالية التي تعرضت لها مؤسسات خاصة وعامة في الولايات المتحدة منذ تنصيب الرئيس الأميركي في كانون الثاني (يناير) الماضي، زاد غضب "بايدن" الذي يصر على وقف روسيا للهجمات السيبريانية كشرط أساسي لتحسين العلاقة المتدهورة حالياً.

المعروف عن "بوتين" في اجتماعاته أنه يطرح مواضيع من خارج الأجندة كلما تم حشره في الزاوية في مسألة معينة، حتى إن دوائر البيت الأبيض المعنية بتحضير القمم الروسية الأميركية تسميه بالرئيس المتخصص في الـ"وماذا عن؟"، أي الشخص الذي يتعمد فتح مواضيع جديدة لتضييع النقاش حول مسألة معينة. لذلك من الطبيعي أن يعتبر "بوتين" دعم الولايات المتحدة للمعارض الروسي المسجون "فيكتور نافالني" أكثر إيذاء من الهجمات السيبريانية التي تشكو منها الولايات المتحدة. إلى جانب وقف الحرب السيبريانية هناك العودة إلى اتفاقية منع انتشار السلاح النووي المتوسطة المدى التي خرج منها "ترامب" عام ٢٠١٩ والعلاقة بين روسيا ودول "الناتو" والتكامل في مسألة توزيع اللقاح عالمياً والأزمات في سوريا وليبيا وأوكرانيا. بالنسبة للرئيس الروسي يجب أن تبقى الساحة السورية والأوكرانية له حصرياً على عكس الساحة الليبية حيث هو مستعد للمقايضة. 


الصين أولاً

 

أهم ما في اجتماع "بايدن" و"بوتين" هو ما لم يكن على الأجندة بشكل صريح: أين روسيا من المواجهة الأميركية الصينية الكبرى التي يحشد لها الجانبان اقتصادياً وتكنولوجياً؟ وما هو الموقف الروسي من "تايوان" التي تشكل بالنسبة للولايات المتحدة حائط الصد الإستراتيجي الأول في وجه الصين بينما تعتبرها الأخيرة مثل أوكرانيا بالنسبة لروسيا؟ وما هي المكافأة التي يمكن أن تقبل بها روسيا في مقابل وقوفها على الحياد في الصراع الصيني الأميركي؟ هذه الأسئلة لا تطرح مباشرة بين رئيسي قوتين عظميين ولكن ما يمكن استخلاصه من إجابات عليها من قبل الفريقين هو ما سيحدد بوصلة العلاقة الأميركية الروسية. رغم العلاقة الإستراتيجية الصينية الروسية وخاصة في مسألة تصدير الغاز الروسي إلى الصين هناك عدة ملفات عالقة بين الجانبين، أهمها مسألة الحدود بينهما والدعم الروسي العلني، السياسي والعسكري، للهند في خلافها مع الصين في منطقة الهملايا. ولذلك يمكن تلخيص الموقف الروسي من الصين بأنه تحالف كامل في وجه الولايات المتحدة من دون أن يمنع الخلاف في أي مسألة أخرى. وهنا لا بد من الإشارة الى أن روسيا أعلنت منذ أيام أنها ستتخلى عن كل أصول صندوقها السيادي بالدولار الأميركي وتستبدلها بعملات أخرى من بينها اليوان الصيني.

  

الشرق الأوسط ... آخراً


كل الأنظار اتجهت لجنيف إستقراءً لما يمكن أن يتفق عليه "بايدن" و"بوتين" أو ما لم يتفقا عليه. من جملة ما يسعى إليه "بوتين" هو ضوء أخضر مالي أميركي لبدء إعادة الإعمار في سوريا. بينما لا يزال "بايدن" ومعه الدول الأوروبية غير معترفين بالانتخابات السورية الأخيرة ويرفضون التعامل مع الرئيس السوري بشار الأسد. فالمعسكر الغربي متمسك بالقيم الديموقراطية والإنسانية في سياسته الخارجية على الأقل شكلياً ويعتبر هذه القيم حجر الأساس لقواعده الانتخابية الداخلية. فالكباش العالمي بين الديموقراطية والتوتاليتارية هو في أوجّه اليوم. واجتماع جنيف جولة في هذه الحرب الضروس لتحديد معالم التفاهم بين نادي "الرؤساء لمدى الحياة" ونادي الدول المتمسكة بالتغيير الديمقراطي لقادتها. حتى الآن لم تستو التسوية في الشرق الأوسط ولا بد من اسدال الستار على المفاوضات الإيرانية الأميركية وعلى الانتخابات الإيرانية المقبلة ومسار الحكومة الإسرائيلية الجديدة وعلى دور إيران الإقليمي والتسوية السعودية-الإيرانية المرتقبة قبل تحديد وجهة منطقة الشرق الأوسط.

في النهاية قمة "جنيف" بداية مسار بين "بايدن" و"بوتين" وليست قمة الاتفاقات الكبيرة، وعلى أساسها ستحدد إدارة الرئيس الأميركي إذا كانت سياسة احتواء روسيا ملائمة أم أن التعامل مع "قاتل"، كما سماه "بايدن"، لن ينجح إلا بالعصا.

الرئيس الأميركي "جو بايدن": بوتين قاتل وبلا روح ولكن... يمكن التعامل معه!

الرئيس الأميركي "جو بايدن": بوتين قاتل وبلا روح ولكن... يمكن التعامل معه!

الرئيس الصيني "شي جين بينغ": الغائب الحاضر في قمة جنيف.

الرئيس الصيني "شي جين بينغ": الغائب الحاضر في قمة جنيف.