تفاصيل الخبر

سلام الشرق الأوسط يهل من بغداد

21/04/2021
رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.. عراب المفاوضات السعودية الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.. عراب المفاوضات السعودية الإيرانية.

 

بقلم خالد عوض


 المحادثات السعودية الإيرانية السرية التي جرت في المنطقة الخضراء في بغداد منذ عشرة أيام برعاية أميركية غير مباشرة وعراقية مباشرة وتشجيع صيني هي بداية مشوار طويل نحو شرق أوسط جديد. لأول مرة تبدو المصالح الاقتصادية والتحديات المتعددة التي تواجه المنطقة أهم من كل العداوات. ولأول مرة يكون الاقتصاد والمستقبل مفاتيح للتفاوض وليس الماضي أو السياسة أو الجغرافيا أو السلاح. ولكن في شرق أوسط مليء بالاختلافات من كل نوع هل يمكن حتى الحلم باستقرار مستدام لا تعكره العرقية والطائفية والفقر والسباقات المحمومة إلى السلطة؟ هناك أمل حقيقي هذه المرة بفعل عدة متغيرات أن ترسو المنطقة على سلام حقيقي أساسه النمو والتطلع إلى المستقبل من دون أثقال الماضي.


شرق أوسط أخضر 

  

 منذ عدة اسابيع أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر التي تشمل زرع ٥٠ مليار شجرة منها ١٠ مليار واحدة في السعودية، وتهدف إلى خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في المنطقة بستين بالمئة عن طريق تحفيز استخدام التكنولوجيا النظيفة وترشيد استخدام النفط والغاز. هذه المبادرة ستنقل الشرق الأوسط من أول مصدر للنفط أو الذهب الأسود إلى أهم مسرح لتجربة أحدث أنواع التكنولوجيا الخضراء بل ليكون المختبر الحي لها. 

 لا مكان في ظل هكذا توجه إلى بقاء دول المنطقة رهينة سباقات التسلح التي لا تنتهي. ولذلك فإن مجرد إطلاق المبادرة والتمحص قليلاً بجديتها من خلال المشاريع البيئية التي تضع السعودية اليوم حجر الأساس لها يؤكدان أن ولي العهد السعودي جاد جداً في تغيير لون الشرق الأوسط من سواد النفط والبارود إلى خضار البيئة وبياض التكنولوجيا والسلام. والكلام عن شرق أوسط جديد بلونه وتوجهه الاقتصادي يعني الوصول الى إتفاق استراتيجي مع إيران لأنها يمكن أن تكون شريكاً حقيقياً في بناء مستقبل واعد لشعوب المنطقة بدل أن تكون العائق شبه الوحيد أمامه.

     

عناوين "بايدن" العريضة


 هل فعلاً تستوحي المنطقة وزعماؤها هذا التوجه من سياسة الإدارة الأميركية الجديدة؟ لا شك أن ما قام به الرئيس الأميركي "جو بايدن" خلال أول مئة يوم من ولايته وضع العناوين العريضة لمستقبل العالم وليس فقط للشرق الأوسط. فهو عاد إلى التفاوض مع إيران بسرعة فائقة وأطلق رزماً تحفيزية قياسية لدعم بنية تحتية نظيفة وحدد هوية الخصوم والحلفاء من دون أي التباس وأكد أن الهم الأميركي الداخلي سيستحوذ على حيز كبير جداً من اهتماماته كما أعلن عن موعد الانسحاب الكامل للجيش الأميركي من أفغانستان في ١١ أيلول (سبتمبر) المقبل من دون أي شروط. وإذا قرأنا جيداً في موازنة الرئيس الأميركي لعام ٢٠٢٢ التي تتكلم أكثر وأوضح بكثير من التصاريح والبيانات والتغريدات يتبين أن "بايدن" لن يتخلى عن عصا القوة العسكرية لأنه حافظ على موازنة وزارة الدفاع التي انتفخت في عهد "دونالد ترامب" كما هي تقريباً (٧١٥ مليار دولار مقابل ٧٠٤ مليار في موازنة "ترامب") وعزز فيها كل البنود المتعلقة بمواجهة الصين مثل تطوير الأسطول البحري والصواريخ البعيدة المدى، ولكنه في المقابل زاد من الإنفاق الصحي والاجتماعي ليؤكد أنه يستشعر الخطر المتنامي من التفاوت الاجتماعي والانقسام الثقافي في الولايات المتحدة والذي أصبح يتظهر بشكل شبه يومي عبر أحداث إطلاق النار والتعديات المختلفة والمواجهات مع الشرطة والتي تنبئ بالأسوأ على الصعيد الداخلي. كل هذا يدل أن الولايات المتحدة ستكون منشغلة عن الشرق الأوسط وهي تحث الجميع على ترتيب أوضاعهم قبل أن تتلهى نهائياً عنهم.

 

الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط: حليفان… لدودان 


بالرغم من التنافس الأميركي الصيني المحتدم والذي ربما يأخذ منحى مواجهة مباشرة ولا يبقى فقط حرباً باردة أو نزاعاً اقتصادياً فإن القوتين الاقتصاديتين العظميين تلتقيان في الشرق الأوسط على عدة أمور منها سلامة أمن الخليج ومسارات النفط والحد من الحركات الإرهابية وحصر الخلاف بينهما في المنطقة على المنافسة الاقتصادية. كما أن الدبلوماسية الصينية الفاعلة بدأت ترسي نوعاً من توازن النفوذ يساعد كثيراً في تخفيف النزاعات الإقليمية. فمن دون العلاقة الصينية الإيرانية الوطيدة لا يمكن التقدم في أي مفاوضات. ومن دون المصالح الاقتصادية الصينية مع دول الخليج العربية وحاجة الصين إلى غطاء عربي وإسلامي لمبادرة طريق وحزام الحرير لن تكون الصين وسيطاً عادلاً في المنطقة. 


إيران مخترقة من الداخل وإسرائيل تسرع التفاوض


 ملفات كثيرة تفرض نفسها على المفاوضات السعودية الإيرانية. أولها أمن الخليج وسلامة الملاحة فيه،ثم اليمن والحرب التي لا تنتهي هناك مع كل مفاعيلها. لبنان ليس على رأس الأجندة إلا في كل ما يتعلق بإعادة اعمار سوريا والعراق وبالصراع مع إسرائيل ودور حزب الله الإقليمي. وكما في كل مفاوضات هناك ما يحصل على الطاولة وما يحصل في الميدان لينعكس على الطاولة. الضغط العسكري الحوثي في مأرب ورقة تفاوض. تراجع إيران عن رفضها المفاوضات مع الولايات المتحدة ودخولها فيها بشكل غير مباشر ورقة تفاوض. العرقلة السياسية في لبنان ورقة هي الأخرى ولو صغيرة. الهجمات الإسرائيلية في الخليج وقطع الكهرباء عن مفاعل "نتانز"  والاغتيالات المتعاقبة وآخرها موت الجنرال في الحرس الثوري "محمد حسين زاده حجازي " (٤٣ عاماً) بنوبة قلبية مفاجئة فيها بصمات إسرائيلية، كلها أمور تضعف موقف إيران التفاوضي لأنها تبدو مخترقة استخباراتياً. وعندما يكون الاختراق المخابراتي الإسرائيلي والأميركي لإيران بهذا الشكل الواسع لا يمكن لها أن تصدح حروباً وعنتريات أينما كان.  

إسرائيل ليست في فيينا ولا في بغداد ولكن شيطانها حاضر على أي طاولة تجلس عليها إيران.  

الرئيس الأميركي "جو بايدن" حدد البوصلة الاقتصادية والسياسية لإدارته بسرعة قياسية وبوضوح كامل.

الرئيس الأميركي "جو بايدن" حدد البوصلة الاقتصادية والسياسية لإدارته بسرعة قياسية وبوضوح كامل.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان..  جاد جداً في تغيير لون الشرق الأوسط من سواد النفط والبارود إلى خضار البيئة والسلام.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.. جاد جداً في تغيير لون الشرق الأوسط من سواد النفط والبارود إلى خضار البيئة والسلام.