تفاصيل الخبر

مصير التدقيق الجنائي في ظل التجاذب السياسي من وجهة نظر رجال المال والأعمال

21/04/2021
التدقيق الجنائي

التدقيق الجنائي


بقلم طوني بشارة


رئيس تجمع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين في العالم الدكتور فؤاد زمكحل: بات لبنان واللبنانيون رهينة بيد قراصنة سياسيين، والشعب يدفع الثمن منذ سنوات


 يمر المواطن اللبناني بظروف معيشية اجتماعية ومالية خانقة، ويعيش أزمة اقتصادية صعبة للغاية. يترافق ذلك مع ارتفاع مستمر للدولار في السوق السوداء مقابل انهيار مريب بقيمة الليرة اللبنانية. هذا على الصعيد المالي ، أما على الصعيد السياسي فحدث ولا حرج، لاسيما في ظل عدم وصول الفرقاء والأحزاب السياسية اللبنانية إلى اتفاق ضمني فيما بينهم لتشكيل حكومة جديدة.

والملاحظ، أنه وبعد التجاذبات والاتهامات السياسية المتبادلة بين الفرقاء بإفشال التدقيق الجنائي، عاد بعض الافرقاء للمطالبة به مؤكدين أنه يعد مطلباً داخلياً وخارجياً على السواء، لا بل أصبح مدخلاً للكشف عن الأسباب التي أدت إلى انهيار الوضع المالي في البلاد.


 ولكن هل يعتبر التدقيق حلاً سريعاً للأزمة؟ وما حقيقة ما يشاع بأنه سيستمر لأشهر لا بل لسنوات عدة ؟ وهل سيتمكن المطالبون به من اكتشاف الغش، والعمليات غير الشرعية، واختلاس الأموال العامة والتزوير، والتحويلات غير القانونية إلى خارج البلاد؟.


زمكحل والعرقلة السياسية


 تساؤلات عديدة طرحناها على رئيس تجمع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين في العالم وعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف الدكتور فؤاد زمكحل، وكان السؤال المدخل:

*- هناك اتهامات متبادلة بين الأحزاب السياسية مفادها الضلوع  بعرقلة ما يمكن تسميته بالتدقيق الجنائي، فمن المسؤول عن العرقلة؟  

- لقد تحدثتُ منذ بضعة أشهر، عن مشروع التدقيق الجنائي، أو بالأحرى عن ضرب وتهريب هذا المشروع، المهم جداً في لبنان. وقلتُ في حينه، إنه من غير المعقول أن يقوم أي شخص  أو وزير أو أي حزب أو مسؤول بمفرده، بتهريب شركة "مارسال والفاريس" من لبنان وضرب المشروع عن بكرة أبيه، بل شددتُ على أنه كان هناك اتفاق مصالح، بين كل القيّمين والسياسيين، الذين اتفقوا معاً بغية تهريب شركة التدقيق الجنائي الدولي من لبنان. علماً أنه لو أن أحداً بمفرده اتخذ قرار تهريب شركة التدقيق الجنائي من لبنان، لكان خصمه افتضحه، وعارض عملية تهريب الشركة، في ظل هذا المناخ التقسمي والخصامي، بين المسؤولين، والمشاكل الداخلية المزمنة في لبنان.


*- لكن البعض وبالرغم من عرقلته السابقة عاد ليطالب بالتدقيق الجنائي في الوقت الحالي، فما دوافعه للقيام بذلك وهل تعتبر دوافعه سياسية ام اقتصادية؟ 


- لا شك في أنه بعدما تم تهريب الشركة منذ بضعة أشهر، يُعاد النظر اليوم، وتُسلط الأضواء مجدداً، على المشروع المهم للبنان، وهذا يعني أنه من المؤكد أن مَن أثار الموضوع مجدداً، لديه أسباب غير بريئة سنتناولها بالتفصيل. فاليوم في حال إعادة الحديث، عن مشروع التدقيق الجنائي، في هذا المناخ التقاسمي ولاسيما في ظل التجاذب السياسي، فهذا يعني أن هذه الاستعادة للموضوع، تكمن فيه أبعاد سياسية معينة، للأسباب الآتية:

أولاً، يُمكن استعمال التدقيق الجنائي في سياق الضغط السياسي، بين أطراف سياسية معينة في لبنان.

ثانياً، يُمكن استعمال التدقيق من أجل الإطاحة بالمسؤولين المستقلين، ولاسيما من أجل وضع اليد على بعض المواقع المهمة الموجودة في لبنان. 

ثالثاً، يُمكن استعادة موضوع التدقيق الجنائي بغية إرضاء الشريك الفرنسي، أو خوفاً من العقوبات الدولية – الأوروبية والفرنسية التي نسمع عنها في الوقت الحاضر، علماً أنه من الواضح، أن إعادة الحديث عن التدقيق الجنائي بهذه الطريقة، بعدما تم تهريبه من الأشخاص عينهم، وبالأسباب ذاتها، فهذا يعني أن في الموضوع أبعاداً وقطباً مخفية وخبيثة.


*- بحكم موقعكم بريادة الأعمال كيف تصنفون ما يسمى بالتدقيق الجنائي؟

 

- في حال كنا إيجابيين بتفكيرنا، كرجال أعمال ورياديين، نقول إننا نحتاج إلى هذا التدقيق الجنائي في الوقت الحالي، لكن واقع الحال، يدلنا إلى أن إثارة هذا المشروع راهناً، وبشكل منفصل عن أي مشروع إصلاحي على المدى القصير، المتوسط والطويل، فهذا يعني أنه مشروع، كأنه ما كان أصلاً. فإذا اتخذنا التدقيق الجنائي على حدة، بمعنى أننا قطفناه من شجرة، وحاولنا أن نُطبقه على مستوى أحادي، فإنه لسوء الحظ، لن يُعيد أموال المودعين، ولن يوقف النزف في الاقتصاد اللبناني، ولن يحل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الكارثية التي يُعانيها لبنان، ولن يوقف ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية، ولن يرد القدرة الشرائية للبنانيين؟ كما أن التدقيق الجنائي في الوقت الراهن، لن يُحضر أدوية للأشخاص الذين يتعذبون جرّاء فقدان الأدوية، كما أنه لن يفتح أبواب المستشفيات للأشخاص العاجزين عن دفع ثمن استشفائهم. كذلك لن يساعد المستشفيات ولا المدارس ولا الجامعات، ولن يشتري حليباً للأولاد ولا للأمهات، ولن يُساعد أرباب العمل من أجل استعادة أعمالهم.


*-هل من مميزات معينة للتدقيق الجنائي المطلوب لحل أزمة لبنان؟


- عملياً، يُستخدم التدقيق الجنائي في سبيل التجاذبات السياسية، في وقت يحتاج فيه اللبناني اليوم أكثر من أي يوم مضى للمأكل والملبس والمأوى، والاستشفاء والطبابة، والتعلم.. إنها جريمة جديدة يقترفها السياسيون في حق المواطن اللبناني والوطن. وأعود وأشدد على أننا نحتاج إلى التدقيق الجنائي اليوم قبل الغد، لكن نريده تدقيقاً جنائياً حقيقياً في ظل نيات صافية، وليس من أجل الضغوط السياسية التي لا نعرف حتى تاريخه مدى أبعادها. فنحن كلبنانيين، مرة أخرى، نخسر يوماً بعد يوم الثقة في كل السلطة، التي تقرر مصير البلد. في المقابل، لدينا الثقة بشعبنا وأمهاتنا، وطلابنا وقدرتنا، وبأنفسنا، حيث نقول الحقيقة بصوت عال، لم ولن نستسلم، وسنبقى نُكرّر ونجاهد من أجل بناء الاقتصاد على أسس ثابتة، بواسطة التدقيق الجنائي الحقيقي، وبخطة إصلاحية مجدية وحقيقية، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي ومع غيره من الجهات المحلية، الإقليمية والدولية. 


زمكحل والمنحدر الاقتصادي


*- في سياق حديثك نلاحظ اتهاماً مباشراً للسياسيين واشارة واضحة الى كونهم المسؤولين الأساسيين عن تردي الأوضاع الاقتصادية، فعلى ماذا ارتكزت؟ 


- قرأنا مؤخراً، رسائل مباشرة وغير مباشرة رسمية من وزارة الخارجية الفرنسية، ومن الإتحاد الأوروبي، تهدّد بفرض عقوبات على السياسيين والحكام اللبنانيين، الذين أخذوا بلدهم لبنان وشعبه الصامد الصبور رهينة، أو حتى سلعة للتفاوض والضغوط. هذا يعني يا للأسف، أن مسؤولي لبنان أخذوا هذا الوطن وشعبه إلى المجهول، وحان الوقت بعدما خسروا ثقة المجتمع الدولي، وفقدوا شرعيتهم الدولية، أن يفقدوا اليوم ثقة شعبهم وجمهورهم وشرعيتهم الداخلية. فليس سراً، في كل أنحاء العالم، أن لبنان واللبنانيين باتوا رهينة قراصنة سياسيين، حيث يدفع الثمن الشعب اللبناني منذ سنوات. وبنتيجة الهدر والفساد وسوء الإدارة، أوصلنا السياسيون إلى المنحدر الاقتصادي، والنقدي والمالي والاجتماعي والسياسي والأمني. فكيف يستطيع هؤلاء الحكام أن يحافظوا على مقاعدهم وثقة شعبهم، بعدما بات كل رب عائلة يتسوّل لتوفير لقمة العيش لعائلته، وكل أم تجاهد لتوفير الحليب لأطفالها، وكل شاب وريادي أصبح هدفه الوحيد الاغتراب، وكل مريض يحلم بالأدوية لتخفيف أوجاعه، والمستشفيات والمدارس والجامعات تكافح من أجل عدم الانهيار، وكل شركة تحارب ليلاً ونهاراً كي يبقى رأسها فوق الوحول المتحركة.

 

وتابع الدكتور زمكحل قائلاً:


- شاؤوا أم أبوا، على جميع المسؤولين اللبنانيين أن يواجهوا الحقيقة المدوية، لأنّ البوصلة والنهج يتغيران، والانكار والنفي لن يوصلا إلا إلى انهيار وانحدار أكثر خطورة، فيحاولون أن يختبئوا من وراء الأزمة وعدم الاستقرار، حتى أنّ لديهم مصلحة غير مُعلنة جرّاء الفوضى. لكن لن يستطيعوا أن يغيروا الواقع والوقائع، لأنهم خسروا إلى الأبد شرعيتهم والثقة الدولية، وقريباً سيخسرون شرعيتهم الداخلية. وحتى جمهورهم يُكافح من أجل تأمين حياة كريمة. فقد عيّدنا مؤخراً عيد الفصح المجيد وهو عيد القيامة، وعيد لكل اللبنانيين، لأننا نفتخر بأننا 18 طائفة في لبنان نعيّد معاً كل الأعياد، وهذا هو جمال لبنان الفريد وقوته. حان الوقت أن تتحقق قيامة لبنان الحقيقي، وأن نستعيد الاستقلال الناجز، والسلام الصادق، وليس اتفاقات تحاصص وتقسيم، كما جرت العادة، والتي أوصلتنا إلى هذه الكارثة.


زمكحل وخطة النهوض


*- التدقيق كما يبدو حالياً، لا يعتبر حلاً مجدياً للأزمة اللبنانية، فما النهج المفترض اتباعه للنهوض بالاقتصاد اللبناني؟ 

- قبل التكلم عن أي خطة نهوض لا بد من التنبه أولاً الى ضرورة التفاوض مع الدائنين الداخلين والخارجيين، أي يجب حل مشكلة الدين قبل اللجوء الى صندوق النقد الدولي، على اعتبار اننا وفي 7 اذار(مارس) 2020 وبعد تعذرنا عن دفع ديوننا أعلنا رسمياً الإفلاس المبطن. لذا يجب التفاوض خارجياً مع البلدان المانحة ومع الشركات التي اشترت اليوروبند، والتفاوض داخلياً مع المودعين وتنبيههم على كون الدولة تعتبر المسؤول الرئيسي عن تبخر أموالهم واثناء التفاوض يمكننا التوجه الى صندوق النقد الذي يعتبر ولسوء الحظ الخيار الوحيد، علماً ان التمويل عبره ليس بالأمر السهل وقد يستغرق التفاوض مع الصندوق فترة طويلة وخير مثال على ذلك ما جرى مع مصر واليونان . 

الدكتور فؤاد زمكحل: نحتاج إلى التدقيق الجنائي اليوم قبل الغد لكن نريده جنائياً حقيقياً في ظل نيات صافية.

الدكتور فؤاد زمكحل: نحتاج إلى التدقيق الجنائي اليوم قبل الغد لكن نريده جنائياً حقيقياً في ظل نيات صافية.

وفد شركة "مارسال والفاريس" في لقاء سابق مع الرئيس ميشال عون في حضور الوزير غازي وزني.

وفد شركة "مارسال والفاريس" في لقاء سابق مع الرئيس ميشال عون في حضور الوزير غازي وزني.