تفاصيل الخبر

إمبراطورية الدولار والسلاح والتكنولوجيا

بقلم خالد عوض
05/08/2022


ماذا فعلت "نانسي بيلوسي" (٨٢ عاماً) رئيسة مجلس النواب الأميركي في تايوان؟ وما الفائدة من استفزاز الصين في هذا الوقت؟ من الصعب فهم السياسة الخارجية الأميركية، هذا إذا كانت هناك واحدة. ولكن هناك ثوابت أميركية إستراتيجية تتحكم في مسار السياسة الخارجية وتجعلها مرات تتخبط: الدولار وسلطته المالية العالمية، ومبيعات السلاح الأميركي إلى العالم، والتحكم بالتكنولوجيا. يمكن تفسير حرب أوكرانيا وانغماس الولايات المتحدة فيها ولو بشكل غير مباشر بأول عاملين. أما زيارة "بيلوسي" فلا تفسير لذلك سوى التكنولوجيا.

 

 الدولار والسلاح وأوكرانيا


قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا كان اليورو يحتل المكانة الثانية بين العملات الأكثر تداولاً بحصة تناهز ٢٠ بالمئة، بينما كان هامش حصة الدولار يتراوح بين ٥٥ و٦٠ بالمئة. خسر اليورو حوالي ربع حصته السوقية في عالم المال بعد قرار روسيا فرض عملتها الروبل على أي طرف "غير صديق" يريد شراء النفط والغاز منها. ورغم كل أنواع العقوبات، قفزت قيمة الروبل إلى مستويات لم يشهدها منذ ٢٠١٤ أي قبل بدء العقوبات الغربية الأولى على روسيا إثر ضمها جزيرة القرم، ولكن من خلال توجه أوروبا إلى الابتعاد عن النفط والغاز الروسي ولجوئها إلى مصادر أخرى مثل الغاز الأميركي، تضطر إلى استخدام الدولار لمشترياتها النفطية. في المدى القصير استفاد الروبل ولكن في المدى الطويل الرابح المالي الأول مما يحصل في أوكرانيا اليوم هو الدولار. في الوقت نفسه تنعم شركات السلاح الأميركي مثل "لوكهيد مارتن" و"رايثيون" و"نورثروب" بمستويات قياسية تاريخية لأسعار اسهمها بعد حصولها على طلبات شراء من الحكومة الأميركية لدعم الجيش الأوكراني ومن عدة دول أوروبية وآسيوية أخرى. لا يمكن القول إن الولايات المتحدة اشعلت حرب أوكرانيا ولكنها بالتأكيد تستفيد منها.

       

رئيسة مجلس النواب الأميركي "نانسي بيلوسي": استفزاز الصين أم استمالة مصنعي الرقائق؟

رئيسة مجلس النواب الأميركي "نانسي بيلوسي": استفزاز الصين أم استمالة مصنعي الرقائق؟

 السباق التكنولوجي

   

لم تنطو بعد الخلافات الأميركية الصينية حول شركة "هواوي" التي ما زالت تحاول كسب السباق العالمي في عالم اتصالات الجيل الخامس وشركة SMIC المصنعة للرقائق الإلكترونية والتي تسعى إلى اللحاق بنظيراتها الغربية والكورية الجنوبية والتايوانية. الشركتان هما ضمن ٥٨ شركة مدرجة على لائحة حجب الاستثمار التي اصدرها الرئيس الأميركي "جو بايدن" في حزيران (يونيو) ٢٠٢١ والتي تمنع بها الولايات المتحدة أي استثمار أميركي في هذه الشركات. ولم يكن مستغرباً أن تلتقي "بيلوسي" في زيارة اليوم الواحد لتايوان مع "مارك ليو" رئيس شركة "تايوان للرقائق" (TSMC) وهي أكبر شركة في مجالها في العالم وتوفر الرقائق لأهم شركات التكنولوجية الأميركية مثل "أبل" و"إنتل" وتنشئ حالياً مصنعاً في ولاية "أريزونا".

رئيس شركة TSMC التايوانية "مارك ليو": شركته هي العمود الفقري لشركات التكنولوجيا الأميركية.

رئيس شركة TSMC التايوانية "مارك ليو": شركته هي العمود الفقري لشركات التكنولوجيا الأميركية.

 حرب الرقائق


لماذا الاهتمام بشركة TSMC؟ باختصار الشركة التايوانية متقدمة على كل شركات العالم في إنتاج الرقائق، وفي مخططاتها الوصول إلى مستوى ٢ نانومتر (nm) قبل عام ٢٠٢٥ وهو أصغر حجم وصلت إليه صناعة الرقائق. وكلما يصغر حجمها تزيد فاعلية الرقائق وقدرتها الحاسوبية. شركة SMIC الصينية تسعى للحاق بTSMC ولكنها ما زالت في مستوى ٧ نانومتر ويلزمها على الأقل خمس سنوات في أحسن تقدير لمقارعة TSMC التايونية. المنافس الأكثر شراسة للتايوانيين شركة "سامسونغ" الكورية الشمالية والتي أكدت أنها وصلت إلى مستوى ٣ نانومتر وهي أسست مصنعاً مؤخراً في ولاية "تكساس". في هذا الإطار لا بد من التذكير أن إدارة الرئيس "بايدن" تمكنت منذ عشرة أيام من تمرير مبلغ ٥٢ مليار دولار في الكونجرس لدعم صناعة الرقائق في الولايات المتحدة بعنوان "Chip Act" أو قانون الرقائق. هذه الصناعة مهمة جداً للولايات المتحدة لأن الرقائق لم تعد اليوم موجودة فقط في الحواسيب بل في كل أنواع الأسلحة، مثل صواريخ "هاي مارس" الأميركية التي يمكن توجيهها بالأقمار الصناعية والتي بدأت تصل إلى أوكرانيا ومن شأنها أن تؤثر في مجرى الحرب هناك. 

 

المثلث الإستراتيجي

 

من الصعب فهم السياسة الخارجية الأميركية من دون التنبه إلى الأهمية الإستراتيجية للدولار والسلاح والتكنولوجيا في تعزيز موقع الولايات المتحدة في العالم. أي رئيس دولة يعلن أن بلاده لن تشتري النفط أو الغاز بالدولار يقامر بمصيره. انضم الغازدولار إلى البترودولار ليؤكد أن العملة الأولى في الطاقة هي الورقة الخضراء.

كذلك فإن أي دولة كبيرة ترفض صفقة أسلحة مع شركات أميركية تعرض مصالحها للخطر. انضمت ألمانيا إلى الدنمارك وهولندا والنروج وإيطاليا والبرتغال واليونان وتشيكيا في شراء مقاتلات F35 الأميركية وأصبحت أوروبا من أهم أسواق "لوكهيد مارتن" المصنعة لهذه الطائرات. 

أما التكنولوجيا التي لا يمكن حصرها مثل العملة والسلاح فإن الولايات المتحدة ما زالت أمام الجميع ولكن المسافة بينها وبين الصين تتقلص كل يوم. هذا فقط ما يمكن أن يفسر زيارة "بيلوسي" إلى "تايوان" وشرق آسيا، مركز تصنيع الرقائق في العالم.