تفاصيل الخبر

الأزمة بين المصارف والمودعين تتفاقم يوماً بعد يوم والمعالجة مفقودة حتى الساعة

بقلم طوني بشارة
22/06/2022
مصرف لبنان... تعديل السرية المصرفية ضروري ويسمح بالتحقيقات الجنائية القضائية اللازمة.

مصرف لبنان... تعديل السرية المصرفية ضروري ويسمح بالتحقيقات الجنائية القضائية اللازمة.


البروفيسور نقولا شيخاني: الخسائر الإجمالية في القطاع المصرفي تتجاوز إجمالي رساميل كل المصارف بحوالي 35 مليار دولار.


 الأزمة بين المودع والمصارف تتفاقم يوماً بعد يوم ، وبعض الخبراء يطالب بضرورة تحديد نسب المسؤولية بين الدولة، المصرف المركزي والمصارف الخاصة، والبعض الآخر يتهرب من المواجهة ويضع اللوم بكامله على المصرف المركزي. فعلى عاتق من تقع المسؤولية؟ وهل من الممكن تحديد النسب؟ وهل من أمل للمعالجة؟

"الأفكار" التقت الخبير المالي البروفيسور نقولا شيخاني وجاءت بالتحقيق الآتي:

شيخاني والانكشاف

*- بداية حدثنا عن جسامة خطأ المصارف وعن المسؤوليات الناجمة عن هكذا خطأ؟

- تقع على عاتق المصارف مسؤوليات كبيرة. وقبل تفصيل ذلك، علينا أن نعلم أن لدى البنوك مشكلة سيولة ومشكلة ملاءة. فيما خص الملاءة، يذكر على سبيل المثال لا الحصر، فالمصارف دخلت في الهندسات المالية في العام 2016 وبعده. وتلك كانت أكبر الأخطاء التي ارتكبت، وجسامة الخطأ تكمن في الانكشاف الكبير بالدولارعلى مقترض واحد. وفقاً لأفضل الممارسات المصرفية الدولية كان يجب الانكشاف على الدولة ومصرف لبنان بنسبة 20 في المئة من الرساميل المصرفية، اي بنحو 4 مليارات دولار فقط لكل جهة، بما يساوي 8 مليارات. في الحقيقة بلغ الانكشاف في لبنان أكثر من 20 مرة النسبة المسموحة نظرياً. لماذا؟ لأنه كان هناك استحالة لتوظيف الأموال الطائلة في الاقتصاد والاسواق.

*- وما سبب هذا الانكشاف؟ ومن المسؤول عن ارتكاب خطأ جسيم كهذا؟

- كان من حق البنوك او من واجبها رفض قبول الودائع الإضافية. لكن البنك المركزي اقنعهم بإيداع الاموال لديه معتمداً على كون سعر الصرف ثابتاً. وأجرى الهندسات المالية التي دفع فوائد عليها 10 ثم 15 في المئة وأكثر. وحققت المصارف بين 2016 و2019 ارباحاً صافية بنحو 12 مليار دولار. توزع منها 5 مليارات دولار لمساهمي المصارف، والباقي أعيد ضخه في الرساميل البنكية.

وتابع شيخاني قائلاً:

- إذاً، الخطأ الأول والأكبر هو الانكشاف على المخاطر الى هذه الدرجة. لدى المصارف رد على ذلك بأن الانكشاف الكبير على البنك المركزي ممكن ومسموح. هذه الحجة صحيحة اذا كان الانكشاف بالليرة وليس بالعملات الاجنبية. بالليرة لأن «المركزي» يمكنه طباعتها، اما الدولار فلا يمكنه ذلك.

*- أشرت الى وجود أخطاء عديدة أدت الى تفاقم الأزمة، فما الخطأ الثاني؟

- الخطأ الثاني الذي ارتكبته المصارف هو قبول ودائع بمتوسط استحقاق سنة قابلة للتجديد، ووظفوها باستحقاقات في البنك المركزي بين 7 و10 سنوات. وهذا الخطأ يسمى عدم المواءمة بين المدى القصير والمدى الطويل بين الالتزامات والمطلوبات. كان لدى المصارف فائض ودائع. وتلك الودائع كانت تساوي 3 مرات الناتج المحلي للبنان قبل الأزمة. أرادوا تشغيل تلك الودائع علماً بأنه كان عليهم عدم قبولها بهذا الحجم الفائض. القاعدة تقول إن القطاع المصرفي يتحمل ودائع حوالى 1.7 مرة الناتج المحلي، الا اذا كان البلد يتمتع بأسواق مالية مفتوحة مثل سويسرا والولايات المتحدة.

وأضاف:

- مع توقف الدولة عن الدفع، ومع تبيان ان البنك المركزي صرف معظم الاموال المودعة لديه، دخلت المصارف في أزمة سيولة لذا وقعت في عدم القدرة على تلبية سحوبات المودعين. والآن، وبعد أن وقعت الخسائر ويحصل تقديرها رسمياً، فعندما يأتي مدقق حسابات أي مصرف لإعداد بيانات آخر العام وتدقيق الميزانية حسب المعيار الدولي رقم 9، عليه تثبيت الخسائر المحققة. لأن الدولة توقفت عن الدفع. وهي تقول بالعلن إن البنك المركزي خاسر بنحو 65 مليار دولار. لذا تحولت ازمة السيولة الى ازمة ملاءة. وعلى مدقق الحسابات تطبيق المعايير الدولية لا سيما المعيار المحاسبي الدولي رقم 9 حتى يستطيع البنك الاجنبي المراسل الاستمرار في التعامل مع البنك المحلي المعني.

*- وبكم تقدر الخسائر؟

- الخسائر الاجمالية في القطاع المصرفي تتجاوز اجمالي رساميل كل المصارف بحوالى 35 مليار دولار (دولار محلي). إذاً عملياً معظم البنوك مفلسة.


*- وهل كان بإمكان المصارف توظيف الأموال آنذاك لتجنب الأزمة؟

- الفرصة شبه الوحيدة التي كانت امام المصارف لتوظيف تلك الأموال هي تمويل الدولة بسندات خزينة بالليرة، وباليوروبوندز (15 ملياراً) والايداع في البنك المركزي، بالاضافة الى اقراض القطاع الخاص شركات وافراداً. نحن نتحدث عن 100 مليار دولار مقرضة للدولة ومصرف لبنان، و55 ملياراً للقطاع الخاص... هذه كانت الارقام عشية الأزمة. انخفضت الودائع حالياً الى نحو 100 مليار بعدما استخدمت ودائع لتسكير ديون (30 ملياراً) بالاضافة الى 20 الى 25 مليار دولار ذابت، لأن المودع ارتضى اجراء الاقتطاع او الهيركات في السحوبات التي أجراها وفقاً لعدد من تعاميم البنك المركزي التي يمكن وصفها بالتكتيكية التضخمية الخاطئة. تضخمية لأن السحوبات على 8 آلاف على سبيل المثال، تعني 5 مرات سعر الصرف الذي كان قبل الازمة، لذا تضخمت الكتلة النقدية بالليرة.

*- وما موقفك من تعاميم المركزي ألم تؤدي ايضاً الى استهلاك الودائع؟

- رغم الأخطاء، فإن التعاميم، بغياب خطة شاملة، ساعدت على توفير سيولة للناس لتيسير أمور معيشتها وعدم نزولها الى الشارع، ثم أتت منصة صيرفة... كل ذلك بغية امتصاص الصدمة المالية والاقتصادية. ذلك الامتصاص حصل باستخدام ثروات الناس وليس لخلق القيمة. وهذا ما استهلك 20 الى 25 مليار دولار من الودائع، هبط مقابلها وبالقيمة نفسها مطلوبات في البنوك. بهذه الطريقة أراح البنك المركزي البنوك بتلك القيمة وأراح نفسه أيضاً بالقيمة عينها.

  مسؤولية المصارف

*- نفهم من حديثك بأن البنوك مسؤولة أيضاً ومطالبة برساميلها وموجوداتها؟

 -عندما نرفع دعوى ضد بنك ما علينا ان نعلم درجة مسؤوليته في هذه الازمة المتشابكة. اذا نظرنا الى الخسائر التي تحققت في البنك المركزي وفي البنوك سنصل الى نتيجة هي أن 50 في المئة  تقع على المصارف والبنك المركزي مقابل 50 في المئة على الدولة. اذا كانت خسارة المركزي 65 الى 70 مليار دولار، فلأنه كان يدفع مليارات الدولارات لدعم السلع والمحروقات (دعم هو من واجبات عدد من وزارات الحكومة)، فتكبد «المركزي» خسائر نيابة عن الدولة، علماً بأن قسماً كبيراً خرج من لبنان بالتهريب. كما استخدم مليارات الدولارات لدعم الليرة بالاضافة الى اقراض الدولة بشكل مباشر وغير مباشر.

وتابع شيخاني قائلاً:

- مسؤولية المصارف هي على مستوى أو قدر الارباح التي تحققت من الهندسات المالية، بالاضافة الاخطاء التي ذكرناها وأودت بأموال المودعين. لذا يمكن القول إن رساميل المصارف تبخرت. وهناك بنوك قابلة لهذا الواقع، مقابل بنوك اخرى قليلة وضعها افضل. وعلينا انتظار إقرار قانون اعادة هيكلة المصارف. ونبدأ وفقاً لذلك القانون في مراجعة جودة الأصول لكل بنك على حدة، مقابل الالتزامات. ولا ننسى ان لدى المصارف اصولاً بحاجة الى اعادة تقييم لأن تقييماتها قديمة.

*-البعض يعتبر أن مساهمي البنوك مسؤولون أيضاً بأموالهم الشخصية؟

- عندما نصل الى خسارة بنك ما، ونحدد تلك الخسارة، نقارنها برأس المال ثم بالموجودات لمعرفة النتيجة السلبية وحجمها. بعد ذلك نحدد المسؤوليات وفق تدقيق جنائي لمعرفة سبب الخطأ والمتسبب به وفقاً لقانونين هما: 110/91 و2/67. نبدأ بتجميد أصول حملة الأسهم في البنك (المساهمون) كما أصول مجلس الادارة التنفيذية العليا. نتوقف امام الاخطاء المعنوية والتقنية ونحمل صاحبها المسؤولية ويلاحق على امواله الشخصية.

وأضاف:

- الى ذلك، يجب تحديد الاصول الجيدة الباقية مقابل الاصول السيئة. نأخذ الاصول المصرفية السيئة ونضعها في شركة استثمار SPV، هي شركة مالية وليست مصرفية، عليها اعادة هيكلة هذه الاصول، وذلك بمساعدة صندوق النقد الدولي، قالاصول السيئة هي عبارة عن 80 مليار دولار لم تعد موجودة، نحذف منها رساميل المصارف، وما تبقى يوضع في شركة الـ SPV مع حصر علاقة اصولها بالبنك المركزي الى حين حل أزمة خسارة  المركزي.

واستطرد شيخاني قائلاً:

- في مقابل الاصول السيئة في شركة الـ SPV نضع مطلوبات سيئة، ونستعين بمؤسسة التمويل الدولية المتخصصة باعادة هيكلة الاصول المتعثرة كما حصل في عدة دول في العالم. ويجري تمويل هذه الشركة حتى تصغر خسائرها تدريجياً، ويقابل ذلك رد حقوق للمودعين حتى الامتصاص النهائي. وما يبقى غير قابل للامتصاص يسجل خسارة على المودع. وهنا نحن نتحدث عن 10 سنوات اذا بدأنا الآن، مع منع اي استنسابية بين المودعين صغاراً وكباراً وفقاً للدستور في المساواة بين الجميع.

*- وماذا عن تعديل السرية المصرفية وعلاقته بإجراء التحقيقات اللازمة؟

- تعديل السرية المصرفية ضروري ويسمح بالتحقيقات الجنائية القضائية اللازمة لكشف الاخطاء وتحديد المسؤوليات. وذلك عبر الاستعانة بخبراء ماليين الى جانب القضاة. قد يستغرق الامر 6 اشهر الى سنة. ونستعين بشركة مثل «الفاريس اند مارسال» المتخصصة في اعادة هيكلة المصارف والشركات.

*- أشرت أكثر من مرة الى ضرورة رفع دعاوى ضد مدققي الحسابات والحصول على تعويضات، فعلى ماذا ارتكزت؟

- هناك مسؤوليات على مدققي الحسابات، لأنه يفترض انهم مستقلون وعلميون في اعمالهم، كان عليهم التنبيه منذ سنوات طويلة. يمكن للبنانيين رفع دعاوى ضد هؤلاء وربح تعويضات. سبق وحصل ذلك حول العالم لا سيما في قضية انرون الاميركية للطاقة قبل اكثر من 20 سنة، لكن المحاسبة الاولى هي للدولة جراء اخطاء مزمنة ومتراكمة على مدى 30 سنة. ثم محاسبة البنك المركزي لأنه ساير الاعيب الدولة ولبى طلباتها باستمرار، مثل دعم السلع فذلك مخالف لقانون النقد والتسليف. كما ان دعم الليرة كان يجب ان يكون ضمن استراتيجية نقدية ولفترة من الزمن وليس لمدة أكثر من 20 سنة متواصلة، بالاضافة الى التورط في التوسع في اقراض الدولة بشكل غير مباشر مثل شراء سندات الخزينة.

المتطلبات الإصلاحية

*- مقابل القيام بذلك ما هي المتطلبات الضرورية؟ 

- يتطلب هذا السيناريو استقلالية تامة للجنة الرقابة على المصارف، وكذلك هيئة التحقيق الخاصة وهيئة اسواق المال. هيئات تقتصر ولاية اعضائها على فترة واحدة غير قابلة للتجديد. فعلى صعيد مجالس ادارات البنوك يجب زيادة عدد الاعضاء المستقلين، والتأكد من عدم تراكم الادوار بين الرؤساء التنفيذيين ورؤساء مجالس الادارات، لضمان الاستقلالية الكاملة دون اي تضارب للمصالح. كما ان تفويض مجلس الادارة يقتصر على فترتين غير متتاليتين كحد اقصى (الامر عينه ينطبق على حاكم البنك المركزي ونواب).

وتابع شيخاني قائلاً:

- بالاضافة الى ذلك يجب انشاء وحدة رقابية داخلية قوية داخل كل بنك، لضمان تطبيق العمليات والاجراءت بما يتماشى مع معايير الحوكمة الرشيدة. هذا من شأنه ضمان الحد من تضارب المصالح المحتمل، ومراقبة مناسبة للمخاطر تدقيق صارم في العمليات. وسيكون للاعضاء المعرضين سياسياً PEPs حد لا يسمح بتجاوزه لتجنب تضارب المصالح النظامية والمزمنة بين المجالين السياسي والمصرفي.

*-وهل تعتبر هذه المتطلبات حلاً شاملاً؟ وهل فعلاً سيتحجم عدد المصارف في حال أردنا حل الازمة؟

- بنتيجة ذلك، يتحجم القطاع الى نحو 8 الى 10 مصارف تقريباً بما يتناسب مع الحجم الجديد الصغير للناتج المحلي. برساميل جديدة قد لا تتجاوز 6 الى 7 مليارات دولار فقط. وبالنسبة لرسملة المصارف القابلة للاستمرار وعددها بين 8 و10، يمكن استخدام ملياري دولار من قيمة الذهب، فيدخل البنك المركزي في رساميل تلك المصارف بما يشجع بنوكاً اقليمية ودولية على القيام بالمثل، بالاضافة الى 20 في المئة من الرساميل تخصص لمساهمين آخرين سواء المساهمين في البنوك القائمة او غيرهم، مع التشديد على أن الذهب يمنع استخدامه لسداد عجز أو دين بل يجب أن يكون أصلاً منتجاً.


البروفيسور نقولا شيخاني: تعديل السرية المصرفية ضروري ويسمح بالتحقيقات الجنائية القضائية اللازمة لكشف الأخطاء وتحديد المسؤوليات.

البروفيسور نقولا شيخاني: تعديل السرية المصرفية ضروري ويسمح بالتحقيقات الجنائية القضائية اللازمة لكشف الأخطاء وتحديد المسؤوليات.