تفاصيل الخبر

خاسرو سباقات ٢٠٢٢

بقلم خالد عوض
17/06/2022


هناك عدة سباقات مع الوقت تجري حالياً في العالم: سباق عسكري بين روسيا وأوكرانيا على حجز أكبر مساحة ممكنة من إقليم "دونباس". سباق نفطي بين أوروبا وروسيا للتحكم بتدفق النفط والغاز الروسي إلى القارة العجوز وتأمين البدائل له. سباق مالي بين المصارف المركزية في العالم وأولها الاحتياطي الفدرالي الأميركي ونمو مستوى التضخم وغلاء الأسعار. من الصعب أن تتبلور صورة الرابح في كل من هذه السباقات قريباً إلا أن نتيجتها ستحدد شكل العالم لفترة زمنية غير قصيرة.


الرئيس الروسي "فالديمير بوتين": هل يتواضع فيعرف متى يوقف الحرب؟

الرئيس الروسي "فالديمير بوتين": هل يتواضع فيعرف متى يوقف الحرب؟

روسيا تستعد للتفاوض؟


القوات العسكرية الروسية استعادت زمام المبادرة في عدة مدن شرق أوكرانيا من دون أن تقترب من الحسم النهائي. ومع قرب وصول أسلحة نوعية أوروبية وأميركية إلى الجيش الأوكراني تسعى روسيا إلى تأسيس وضع نهائي لها وللانفصاليين الأوكرانيين على أكبر مساحة من "الدونباس" لإعلان تحقيق أهداف "عمليتها" العسكرية وإرسال اشارت بقبولها بوقف إطلاق النار. الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي" ما زال متشبثاً بالحرب حتى تحرير آخر شبر من أوكرانيا معتمداً بذلك على وصول الأسلحة الغربية الجديدة التي تدرب عليها جيشه مؤخراً في بعض دول "الناتو" وعلى دعم الأميركيين والبريطانيين له في ذلك، على عكس الأوروبيين الذين يحاولون اقناعه ببراغماتية التخلي عن بعض أجزاء أوكرانيا لأن تحرير تلك قد يؤدي إلى حرب كونية. مقابل ذلك يعرض الأوروبيون على "زيلينسكي" الانضمام إلى أوروبا ويحاولون إغرائه بالمساعدات لإعادة اعمار بلاده. إذا تمكن الجيش الأوكراني من الصمود واستطاع استعمال الأسلحة الجديدة بفعالية سيغرق الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في المستنقع الأوكراني لمدة غير بسيطة. صحيح أنه حقق عشرات المليارات الإضافية خلال الحرب التي شنها من خلال مبيعاته النفطية إلى أوروبا ولكن استمرار الحرب طويلاً سيجعل العقوبات الغربية أكثر ايلاماً لاقتصاده وأكثر ضغطاً على العملة الروسية "الروبل".


الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: تصدير الغاز إلى أوروبا أولوية إستراتيجية مصرية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: تصدير الغاز إلى أوروبا أولوية إستراتيجية مصرية.

من يستقل عن الآخر أولاً؟


تسعى أوروبا جاهدة إلى الاستقلال عن الغاز الروسي قبل نهاية ٢٠٢٧ وعن الاستغناء عن نفط "بوتين" قبل منتصف ٢٠٢٤. هذا القرار لا رجوع عنه لأنه أصبح من الخيارات الأوروبية الإستراتيجية بغض النظر عن مسار الحرب في أوكرانيا. الأمر الوحيد الذي يمكن أن يغير هذا الاتجاه هو تغير السلطة في روسيا وهذا لا يبدو محتملاً قريباً. "بوتين" بدأ بتخفيف تدفق الغاز إلى بعض البلدان الأوروبية وبدأ يلوح بوقف ضخ الغاز من خط "نوردستريم واحد" ليزيد من ضغطه على الألمان بالتحديد. لذلك يجب على الأوروبيين أن يحسموا بدائلهم عن الغاز الروسي قبل نهاية العام الحالي وإلا سيتعرضون لشح في الغاز وتفلت لأسعار الطاقة يجعل من شتائهم المقبل قارساً جداً. هم ينتظرون بفارغ الصبر نتيجة زيارة الرئيس الأميركي "جو بايدن" إلى الشرق الأوسط في ١٤ تموز (يوليو) المقبل ليستكشفوا حجم الغاز الذي يمكن أن يحصلوا عليه من شرق المتوسط من خلال الغاز المصري والإسرائيلي وعلى الأسعار المرتقبة للنفط خلال المرحلة المقبلة، في حال قبلت السعودية برفع سقف الإنتاج أسرع من الوتيرة الحالية المتفق عليها في مجموعة "أوبك بلس" أي دول "أوبك" وروسيا. زيارة "بايدن" ستوضح إذا كان باستطاعة أوروبا الاستقلال عن النفط والغاز الروسي أو تشير إليهم بضرورة التنازل أمام "بوتين" ولو على حساب بعد أراضي أوكرانيا.


رئيس االحتياطي الفدرالي األميركي "جيروم باول": النزول بالتضخم على حساب االقتصاد األميركي والدين العام

رئيس االحتياطي الفدرالي األميركي "جيروم باول": النزول بالتضخم على حساب االقتصاد األميركي والدين العام

الرهان المالي الكبير 


الجبهة المالية التي فرضتها نسبة التضخم العالمي وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا لا تقل شراسة عن الجبهة العسكرية المفتوحة في أوكرانيا. فقد رفع الاحتياطي الفدرالي الأميركي معدل الفائدة على الدولار ثلاثة أرباع نقطة وارتفاع كهذا لم يحصل منذ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٤ أي منذ ٢٨ سنة. البورصات بدأت تتهاوى والخوف من كساد عالمي أصبح مشروعاً خاصة أن رئيس البنك المركزي الأميركي "جيروم باول" لمح إلى إمكانية رفع جديد للفائدة خلال الشهر المقبل بالنسبة نفسها من أجل التحكم بالتضخم والنزول به إلى مستوى ٢ بالمئة. إذا بدأت نسبة التضخم بالانحسار بفعل هذه الإجراءات يكون "باول" سلك المسار الصحيح. ولكن إذا ظلت نسبة التضخم مرتفعة وبدأ نمو الاقتصاد الأميركي بالتراجع واستمرت البورصات بالهبوط تكون الولايات المتحدة دخلت في أزمة مالية واقتصادية أسوأ بكثير من أزمة ٢٠٠٨ وجرت إليها العالم كله. 


سباقات كلها خاسرة؟ 


لن تنتهي سنة ٢٠٢٢ إلا وقد تبين شكل الرابح والخاسر في سباقات البارود والطاقة والمال، ولكن يبدو من المعطيات الحالية أن الخسارة لن توفر أحداً وأن الربح لأي طرف في هذه الحروب شبه مستحيل. الأسباب لذلك كثيرة: في وقت يدعم فيه الغرب أوكرانيا بالسلاح والمال، تمول أوروبا نفسها نفقات الجيش الروسي وتساعد الرئيس" بوتين" في تخفيف وطأة العقوبات المفروضة عليه من خلال شرائها للنفط والغاز الروسي بالأسعار الحالية. وفي وقت تسعى أوروبا للحصول على الغاز المصري يسهل الروس عليهم ذلك من خلال بناء محطة طاقة نووية ضخمة في منطقة "الضبعة" في مصر لتلبية حاجة السوق المصري من الطاقة ومساعدة مصر على تصدير غازها، مما سيمكن الأوروبيين من تخفيف الاعتماد على الغاز الروسي! وفي وقت يحاول الإحتياطي الفدرالي الأميركي لجم التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة يؤدي هذا الرفع نفسه إلى نمو الدين العام الأميركي بشكل قياسي لم يعرفه في أي مرحلة من التاريخ. 

إنه عالم من التناقضات والاتجاهات المعاكسة التي لا يمكن أن تؤدي إلى خير الأمم.